English  

كتب حسناء محمود

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الحُسين بن حمدان (معلومة)


بعد القضاء على عصيان حمدان بن حمدون، ظلَّ هٰرون الشاري الخارجي وحدهُ في ميدان المُواجهة مع الخِلافة في الجزيرة الفُراتيَّة، وكان قويّ الشخصيَّة، واشتهر بِقُوَّة إيمانه وصلابة عقيدته، فلم يهتز عندما أرسل لهُ نصر القشوري والي الموصل كتابًا يُهدِّده ويتوعَّدهُ بِقُرب وُصُول الخليفة، وأجاب بِكتابٍ تضمَّن ردًا عنيفًا أثار غضب الخليفة، ولمَّا كان هٰرون يُشكِّلُ خطرًا جديًّا على الخِلافة في الجزيرة الفُراتيَّة، كان الفضاءُ التَّام عليه ضرورةً سياسيَّة وعسكريَّة، لِذلك خرج الخليفة بِنفسه في سنة 283هـ المُوافقة لِسنة 896م لِلقضاء عليه، غير أنَّهُ وقف عاجزًا أمامه، فعمد عندئذٍ إلى تكليف الحُسين بن حمدان بن حمدون بِحربه، ويبدو أنَّهُ استهدف استقطاب الأُسرة الحمدانيَّة واتخاذها حاجزًا يقيه الهجمات القادمة من الشمال، ووضع حدا لِتحالُفها مع هٰرون لِإضعافه. انتهز الحُسين وضع الخليفة الحرج وشدَّة رغبته في القضاء على هٰرون الشاري، ووافق على القيام بِهذه المُهمَّة مدفوعًا بِعاملين: حُبِّه لِأبيه ورغبته في تحريره، وطُمُوحه في أن يكون لهُ شأن لدى الخليفة، بِدليل أنَّهُ طلب منه، إن هو نجح في القبض على هٰرون وسلَّمه أيَّاه، أن يُطلق سراح والده ويرفع الإتاوة عن بني تغلب وإثبات خمسُمائة فارس من قومه ينضمُّون إليه. وافق الخليفة على هذا الطلب وقال له: «لَكَ ذَلِك، فَامضِ». اختار الحُسين بن حمدان ثلاثُمائة فارس ثُمَّ انطلق في أثر هٰرون يتعقَّبه من مكانٍ إلى آخر حتَّى قبض عليه وأتى به أسيرًا إلى الخليفة المُعتضد الذي سُرَّ من تخلُّصه من عدُوٍّ خطير، فخلع على الحُسين خلعًا شرَّفه بها وطوَّقهُ بِطوقٍ من ذهب، وأطلق سراح حمدان بن حمدون وأزال الأتاوة عن بني تغلب وأثبت خُمسُمائة فارسٍ منهم ينضمُّون إليه، وأمر بِصلب هٰرون بعد أن شهَّر به.

أمضى الحُسين بن حمدان فترةً طويلةً من حياته في خدمة الخِلافة العبَّاسيَّة، ففي سنة 283هـ المُوافقة لِسنة 896م، خرج على الخِلافة أخوان من بني دُلف العُجيليين في إقيلم الجبال، هُما بكر وعُمر ابنا عبد العزيز بن أبي دُلف العجلي، فتمكَّن الخليفة بِمُساعدة الحُسين بن حمدان من إخضاع عُمر ومُلاحقة بكر حتَّى أصفهان وهزيمته وإخضاعة. وأدَّى الحُسين بن حمدان دورًا كبيرًا في القضاء على يحيى بن زكرويه القُرمُطي، المعروف بِصاحب الشَّامة، الذي كان قد اجتاح الشَّام في سنة 290هـ المُوافقة لِسنة 903م، وعاث فيها فسادًا وتخريبًا. فقد أرسل الخليفة أبو أحمد علي المُكتفي بِالله جيشًا بِقيادة مُحمَّد بن سُليمان الكاتب وضمَّ إليه بعض القادة الكِبار أمثال الحُسين بن حمدان لِتحرير الشَّام واستئصال القرامطة منها، فالتقى الطرفان في مكانٍ قريبٍ من حماة، وجرت بينهُما رحة معركةٍ طاحنة في 6 مُحرَّم 291هـ المُوافق فيه 29 تشرين الثاني (نوڤمبر) 903م أسفرت عن انتصار الجيش العبَّاسي، وأُسر صاحب الشَّامة وسيق إلى بغداد حيثُ شُنق مع أصحابه. وأبلى الحُسين بن حمدان بلاءً حسنًا في هذا القِتال بحيثُ أنَّ مُحمَّدًا بن سُليمان الكاتب، القائد الأعلى لِلجيش، أشاد بِدوره في الكتاب الذي أرسله بعد الانتصار إلى الوزير. وعندما عاد الجيش إلى بغداد خلع الخليفة المُكتفي على قادته ومن بينهم الحُسين بن حمدان، فطُوِّقوا وسُوِّروا وصُرفوا إلى منازلهم.

لكن على الرُغم من هذا الانتصار، استمرَّت الحركة القُرمُطيَّة ناشطة، إذ ظهر قائدٌ قُرمُطيٌّ آخر بعد مقتل صاحب الشَّامة هو أبو غانم عبد الله بن سعيد، وهاجم مع جماعة من القرامطة الشَّام واستولوا على أجزاءٍ واسعةٍ من أراضيها، فأرسل الخليفة الحُسين بن حمدان على رأس قُوَّة عسكريَّة لِلتصدِّي لهم، فالتقى بهم قُرب دمشق وأجبرهم على الفرار، وطاردهم حتَّى هيت على الفُرات وأجبرهم على الفرار مُجددًا، وعندما شعروا باقتراب الجيش العبَّاسي، ثار فريقٌ منهم على عبد الله بن سعيد وقتلوه، وأرسلوا رأسه إلى بغداد واستقرُّوا في عين التمر، فعفا الخليفة عنهم. واستمرَّ فريقٌ آخر على موقفه المُعادي لِلخلافة العبَّاسيَّة، فكلَّف الخليفة الحُسين بن حمدان بِمطاردة هؤلاء المُعاندين واجتثاث أصلهم، فتعقَّبهم وشتَّتهم وقتل بعضهم، وأرسل منهم مجموعةً من الأسرى إلى بغداد.

استمرَّ الحُسين بن حمدان في خدمة الخِلافة العبَّاسيَّة، يُكلِّفه الخليفة بِمُهمَّاتٍ عسكريَّةٍ لِلقضاء على المُعارضين والثائرين، وقد أسند إليه في سنة 292هـ المُوافقة لِسنة 904م مُهمَّةً أُخرى هي حرب الطولونيين والقضاء عليهم وإعادة مصر إلى حظيرة الدولة العبَّاسيَّة. شارك الحُسين بن حمدان في الجيش الذي قاده مُحمَّد بن سُليمان الكاتب لِلقضاء على الطولونيين، وكان معهُ ثلاثة قادة آخرين من بني حمدان هم: داود بن حمدان المُلقَّب بِالمُزرفن، وسُليمان بن حمدان المُلقَّب بِالحرون، ومُحمَّد بن الغمر بن حمدون. ولمَّا تحقق النصر لِلجيش العبَّاسي وسقطت الدولة الطولونيَّة، عرض الخليفة ولاية مصر على الحُسين بن حمدان، فرفض العرض كونه لم يكن يُريد الابتعاد عن مركز الخِلافة لِيُحافظ على نُفوذه ومركزه، وكان يطمح في أن يولِّيه الخليفة الموصل وديار ربيعة، وهي بلاد آبائه وأجداده. اتسع نشاط الحُسين بن حمدان في السنوات الأخيرة من حياة الخليفة المُكتفي، الذي أقدم في شهر مُحرَّم سنة 293هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) 905م على تعيين أخ الحُسين أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل، وما لبث هذا الخليفة أن تُوفي في 12 ذي القعدة 295هـ المُوافق فيه 13 آب (أغسطس) 908م، وبعد وفاته رشَّح القادة التُرك والوزير العبَّاس بن الحسن أبو الفضل جعفر بن عليّ لِيكون خليفة المُسلمين، فيما رشَّح القادة العرب وعلى رأسهم الحُسين بن حمدان ومُحمَّد بن داود بن الجرَّاح صاحب الديوان، عبدُ الله بن مُحمَّد المعتز بالله لِتولِّي الخِلافة. وحاول الحُسين بن حمدان أن يقوم بانقلابٍ عسكريٍّ على أبو الفضل جعفر بن عليّ (الذي لُقِّب بِالمُقتدر بِالله) بعد أن تمَّ تنصيبه، فذهب في اليوم التالي لِتنصيبه إلى دار الخِلافة على رأس قُوَّة عسكريَّة لِيقبض على المُقتدر، غير أنَّهُ جوبه بِمُقاومةٍ عنيفةٍ من جانب الحرس، فهرب وتوجَّه إلى الموصل لِيحتمي بِأخيه أبي الهيجاء عبد الله. واضطرَّ أبو الهيجاء أن يُقاتل أخيه ويقبض عليه بناءً على أمر الخليفة، فرأي الحُسين بن حمدان أن يتفاهم مع الخليفة، فأرسل أخاه إبراهيم إلى الوزير ابن الفُرات لِيتوسَّط له، فأقنع الأخير الخليفة بِالعفو عن الحُسين بن حمدان، ويبدو أنَّ لِذلك علاقة باستفحال أمر الصفَّاريُّون في فارس وسجستان وخُراسان، إذ لم يكن في دار الخِلافة قائد على مُستوى الحُسين بن حمدان يتصدَّى لِخُروجهم، فولَّاه الخليفة أعمال الحرب في قُم وقاشان.

وفي سنة 298هـ المُوافقة لِسنتيّ 910 - 911م، عاد الحُسين بن حمدان إلى بغداد، فاستقبلهُ الخليفة وأكرمهُ وعيَّنهُ واليًا على ديار ربيعة وجعلهُ في منصب الشريك مع أخيه أبي الهيجاء الذي كان يتولَّى الموصل وأعمالها، في سبيل صد غارات الروم والأرمن على ديار الإسلام. وما حدث بعد ذلك من عزل الخليفة لِأبي الهيجاء ثُمَّ مُحاولته ضرب الأخوين الحمدانيين ببعضهما البعض لِلحيلولة دون مُحاولتهما الاستقلال، دفع الحُسين بن حمدان إلى إعلان الثورة على الخِلافة سنة 303هـ المُوافقة لِسنة 914م، مُستغلًا انهماك الخليفة بِالتصدي لِلغزو الفاطمي لِمصر ومُتذرعًا بِعدم وفاء الوزير بِضمانات كان قد ضمنها له. فأرسل الخليفة جيشًا كبيرًا إلى ديار ربيعة هزم الحُسين بن حمدان وأجبره على الهرب حتَّى أرمينية، ثُمَّ طارده حتَّى قبض عليه مع أهله وأكثر أنصاره في 15 شعبان 303هـ المُوافق فيه 23 شُباط (فبراير) 916م. وسيق الحُسين بن حمدان إلى بغداد وسُجن بعد أن شُهِّر به، وقبض الخليفة على أخويه أبي الهيجاء عبد الله وإبراهيم وباقي الأُسرة الحمدانيَّة وسجنهم، إلَّا أنَّهُ ما لبث أن عفا عنهم في سنة 305هـ المُوافقة لِسنة 917م، فأخرجهم من السجن وخلع عليهم، باستثناء الحُسين لِشدَّة خوفه منه وحقده عليه، ثُمَّ أمر بِإعدامه في شهر جُمادى الأولى سنة 306هـ المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 918م، بعد أن وصلتهُ أخبارٌ مُؤكَّدة تُفيد بأنَّهُ تآمر مع الوزير ابن الفُرات من خلف قُضبان السجن على التخلُّص من الخليفة. وعلى هذا الشكل كانت نهاية الحُسين بن حمدان.

المصدر: wikipedia.org