اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تحركت الجيوش الصليبية البَرِّيَّة في الروملي (أرض أوروپا) لغزو أدرنة عاصمة الدولة العثمانية الواقعة في الروملي، مستغلين عُزلة السلطان القوي مراد الثاني وتنحيه طوعً عن العرش بعيداً في الأناضول (آسيا الصغرى) ومستفيدين من تواجد السلطان اليافع محمد الثاني حاكماً رسمياً للعثمانيين وعدم درايته بقيادة الجيوش وأعمال التعبئة والحرب، مع تواجد الجيش العثماني في الأناضول بعيداً عن الروملي، واستندت استراتيجيتهم في ذلك على العوامل البحرية في المعركة:
اعتمد الصليبيون على إسناد الأسطول البحري المسيحي الذي كان يتكون أساسًا من السفن البابوية والبندقية، فكان دور ذلك الأسطول أن يمنع القوات الرئيسية للسلطان مراد الثاني المتواجدين في آسيا الصغرى (الأناضول) من عبور مضيق الدردنيل أو مضيق البوسفور إلى الروملي (أوروپا)، مما يتيح فرصة تقدم سريع للصليبيين في الروملي.
ولكن تبين أن هذا التصور صعب التنفيذ من الناحية الفنية لأن المدفعية العثمانية كانت تحرس ضفتي المضائق. ولذا، أبحرت السفن البابوية والبندقية إلى ڤارنا بعدما دخلت مضيق الدردنيل تحت قيادة "ألڤيس لوريدان" لنقل الجيوش الصليبية من ڤارنا إلى القسطنطينية بحرياً بدلاً من زحف الجيش براً في الأراضي العثمانية وما يستتبعه من تأخر في الوصول بسبب المقاومة والمناوشات العسكرية المُتوقعة في الأراضي العثمانية.
وبالتوازي مع التحركات البحرية، تحرك الجيش الصليبي أيضاً في نفس الوقت باتجاه مدينة ڤارنا، وعلى طول طريق تقدّم الجيش، دعا الملك ڤلاديسلاڤ حاميات القلاع العثمانية التي صادفتهم إلى الاستسلام، ولكنهم دافعوا جيداً عن أنفسهم مما أدَّى إلى إبطاء تقدم الجيش المجري، فقرر الصليبيون تجاوز الحصون العثمانية الصعبة إن لم يستطيعوا الاستيلاء عليها.
خلال مسير الجيش الصليبي إلى ڤارنا انضم إليه الكثير من المحاربين مثل:
ذهب "ڤلاد الثاني دراكول" أمير الأفلاق مُسرعاً لملاقاة ڤلاديسلاڤ الثالث ملك بولونيا والمجر ليحاول ثنيه عن مواصلة الحملة الصليبية على العثمانيين، فالتقاه بالقرب من نيقوپوليس. عن هذه الواقعة، يُخبر الكاتب والشاعر والمؤرخ الإيطالي الأصل "فيليپ بوناكورسي" (بالإيطالية: Filippo Buonaccorsi) (2 مايو 1437م - 1 نوڤمبر 1496م) الذي تكنّى "بكالّيماخوس" (بالإنجليزية: Callimachus) على اسم الشاعر اليوناني القديم كالّيماخوس (باليونانية: Καλλίμαχος)، وكان "فيليپ" على صلة وثيقة بالبلاط البولوني حتى أصبح مُعلماً ومُربياً لملك بولونيا "يان الأول ألبرت" في صباه ويٌعتبر مؤرخاً بولونياً، فذكر أن قادة الحملة الصليبية لم يستمعوا "لڤلاد الثاني دراكول" فعاد إلى الأفلاق بعد أن ترك ابنه "ميرچه الثاني" على قيادة وحدة مساعِدة مكونة من 4000 (وفي مصدر آخر: 7000) من سلاح الفرسان الأفلاقيين، شاركوا جميعهم لاحقاً في معركة ڤارنا، ثم بعد الهزيمة الثقيلة التي مُني بها الائتلاف الصليبي في ڤارنا، قاد "ميرچه الثاني" ما تبقى من وحدته والقوات المسيحية هارباً عبر نهر الدانوب.
تفاجأ الصليبيون بخبر رجوع السلطان مراد الثاني من عُزلته وتوليه قيادة الجيش العثماني، وبأنه نقل قوات الأناضول سريعاً من آسيا الصغرى إلى الروملي عبر المضيق بفضل مساعدة أسطول جنوة (مقابل بعض المال)، ثم تقدُّم العثمانيين في الروملي باتجاه الصليبيين.
لم تصل السفن الصليبية إلى ڤارنا حسب الاتفاق فانعدم الطريق البحري، أما طريق الصليبيين إلى الجنوب عبر البرّ فانعدم أيضاً مع تقدّم الجيش العثماني تجاههم، وبذلك أُغلق طريق وصولهم إلى العاصمة إدرنة وأصبحت القوات الصليبية في وضع خطير مُهدَّدين بوصول القوات العثمانية إليهم، بينما لم تصل قوات صليبية أخرى كان من المفترض مشاركتها في الحملة.
تحت هذه الظروف، كان تراجع الصليبيين من خلال الوادي الضيق لنهر "پروڤاديا" (بالإنجليزية: Provadia)(بالبلغارية: Провадия) بشمال شرق بلغاريا خطير جدا عسكرياً إذا حدث وأطبق عليهم العثمانيين وهم محصورون بالوادي، لذا قرر ڤلاديسلاڤ وهونياد الذهاب من الطريق الآمن الوحيد الموصل إلى مدينة ڤارنا لكي يتراجعوا منها وينسحبوا شمالاً نحو "دبروجة" (بالإنجليزية: Dobruja)(بالبلغارية: Добруджа) الواقعة نحو 50 كم شمال ڤارنا.
في 9 نوفمبر 1444م، اقترب الجيش الصليبي من ڤارنا وخيَّم بعساكره خارجها، ولكن بعدها بقليل وفي نفس اليوم اقترب الجيش العثماني وخيَّم أيضاً غرب مدينة ڤارنا. انحصر الصليبيون بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا والمنحدرات الحرجة على الحافة الجنوبية لهضبة فرانغا وفقدوا طريق الانسحاب شمالاً عن طريق البرّ، وأصبح البحر هو المهرب الوحيد والأمل في وصول الأسطول الصليبي الذي لم يصل أبداً، وحصرهم السلطان مراد الثاني.
عقد الصليبيون مجلساً عسكرياً فجر يوم 10 نوفمبر 1444م، واقترح فيه سيزاريني بناء "حصن العربات الحربية المتحركة"، وأن يُحاط المخيمَ بتلك العربات بحيث يمكن للجيش الصليبي أن يقبع فيه محتمياً ينتظر وصول الأسطول المسيحي ويكون الخيار للصليبيين عندئذ إما الإبحار هروباً أو مواجهة العثمانيين عسكرياً. قام كل من أسقف إيجر "سيمون روزغونيي"، و"بان" الكروات "فرانكو تالوتشي" والعديد من الفرسان المجريين والبولونيين وحتى الملك نفسه، بدعم رأي سيزاريني في بداية الأمر، حتى أخذ الكلمة هونياد في وقت لاحق ورفض الهروب والدفاع، وأثبت فشل التكتيكات الدفاعية وأوضح أن الاختباء وراء العربات الحربية لم يكن ليستحق عناء تكوين هذا الجيش الصليبي الذي كان يسعى بالأساس إلى تحقيق النصر على العثمانيين، وأبَانَ هونياد بأن "حصن العربات المتحركة" يمكن أن يكون فقط الغطاء الأخير لجيشٍ قد هُزم بالفعل وليس تكتيكا ناجعا لتحقيق النصر. ولأجل موقفه الحازم هذا تضامن معه الملك، وكُلِّفت القوات المسيحية كلها بالحرب تحت قيادة هونياد فأصبح قائداً للجيوش الصليبية مجتمعة لهذه المعركة القادمة.
أرسل الصليبيون سفنهم الحربية إلى المضائق البحرية كي تمنع العثمانيين من إنزال قوات الأناضول إلى البلقان (أوروپا) عن طريق البحر، ولكي لا تلقي القوات البرّيّة مقاومة عند دخول إدرنة، فأغلقت السفن البابوية والبندقية والجنوية مضيقا البوسفور والدردنيل بقيادة "ألڤيس لوريدان" (بالإنجليزية: Alvise Loredan) أحد نبلاء البندقية وكان قبطاناً وقائداً عسكرياً له تاريخ طويل من المعارك حيث دافع عن سالونيك ضد العثمانيين أثناء المعركة التي أفضت إلى فتح المدينة، وشارك لاحقاً (بعد معركة ڤارنا) في الحرب العثمانية البندقية.
دَعَمَ الأسطول الصليبي ثمانية سفن من الدولة البابوية، وخمسة من جمهورية البندقية، وأربعة بورغندية، واثنان من جمهورية راغوزة، وكان دورهم الأساسي يتلخص في أمرين:
عند وصول السفن إلى شبه جزيرة كليبولي، أبحر ثمانية منهم أو أكثر إلى البحر الأسود، ووصلوا إلى مصب الدانوب ودخلوا منه إلى النهر للقاء الجيش المجري. دخلت السفن البابوية والبندقية مضيق الدردنيل ثم ذهبت مباشرة إلى ڤارنا لنقل الصليبيين إلى القسطنطينية.
كانت المدفعية العثمانية تحرس ضفتي المضيقين وبالأخصّ عند مضيق البوسفور.
نظراً لتمكّن الأساطيل البابوية والبيزنطية في تلك الفترة من مضيق الدردنيل جنوب غرب بحر مرمرة فلم يكن في إمكان السلطان مراد الثاني نقل الجيش العثماني من الأناضول إلى الروملي عن طريق شبه جزيرة كليبولي، واضطر السلطان مراد الثاني إلى أن يجتاز مضيق البوسفور شمال شرق بحر مرمرة.
تذكر المصادر العثمانية أن السلطان مراد الثاني أرسل قوة صغيرة إلى جنق قلعة الواقعة على الجانب الأناضولي لمضيق الدردنيل، لخداع الصليبيين وإيهامهم بالاستعداد لعبور جيش الأناضول من هذا المضيق، ثم نقل كامل القوات سريعاً عبر مضيق البوسفور.
وكان الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي والإنكشارية وجنود المدفعية ولابسي الدروع (بالتركية: cebeci) وجيش الروملي متجمعون في إنجغيز (بالتركية: İnceğiz) بالروملي قرب القسطنطينية بانتظار قدوم السلطان وجيش الأناضول، وعندما سمع خليل باشا الجندرلي أن السلطان قد وصل إلى مضيق البوسفور من الجانب الأناضولي، جاء مسرعاً إلى المكان الذي تقع فيه اليوم قلعة روملي حصار المعاصرة (بناها السلطان الغازي محمد الفاتح لاحقا عام 1452م) وكان ذلك الموقع من أنسب المواقع لعبور مضيق البوسفور إلى الروملي؛ فنصب المدافع التي أحضرها معه على التلال الواقعة هناك لحماية عبور القوات العثمانية، وهكذا، ولأول مرة في التاريخ، تمت السيطرة على البوسفور بواسطة نيران المدفعية.
ارتكب الجنويون المسيحيون خيانة للصليبيين بما فيه مصلحة لجنوة، فبدلاً من منع العثمانيين من دخول أوروپا أو إعاقتهم، قاموا بنقل كامل الجيش العثماني إلى القارة الأوروپية على متن سفنهم، من الأناضول إلى الروملي مقابل مبلغ مالي قدره "دوقة" واحدة من عملة الذهب البندقي لكل جندي يُنقل، قبضه أحدهم.
وبذلك تمكنت القوات الأناضولية من العبور بسلام بدون مقاومة.
بعد نقل الجيش العثماني ونزوله الروملي (أوروپا)، تقدمت جيوش العثمانيين باتجاه ڤارنا فأصبح مسار الحملة الصليبية باتجاه الجنوب مغلقاً وأصبحت قوات الصليبيين بموقفٍ خطرٍ.
لم يستطع الأسطول الصليبي منع نقل الجيش العثماني من الأناضول إلى الروملي، وكان من المفترض أن يبحر أسطول البندقية شمالًا إلى مدينة ڤارنا لمقابلة جيش التحالف المسيحي الصليبي ونقله بحراً، ولكن البنادقة فشلوا في ذلك، ووقعت المعركة الحاسمة دون مشاركتهم، وتناقضت المصادر مع أسباب ذلك:
بالتزامن مع غلق الأسطول الصليبي لمضيق الدردنيل، كان الجيش المجري يتقدم تجاه ڤارنا كي يلتقي الأسطول البابوي عند البحر الأسود ويبحر على متنه جنوباً إلى القسطنطينية لدفع العثمانيين خارج أوروپا (الروملي).
تكوّن الجيش البابوي المختلط أساسًا من القوات المجرية والبولونية والبوهيمية، وبلغ تعداد تلك الجيوش مجتمعة 16,000 (أو 15 ألف في أقل التقديرات)، وقوات الأفلاق 7000، مع فصائل أصغر من التشيك والفرسان البابويين والفرسان التيوتونيين والبُشناقيين والكروات والبلغار والليتوان والروثينيين (أجداد السلاڤ الشرقيون حالياً).
كان الجيش المجري مسلح بشكل ضعيف وكان ضعيف التنظيم ولم يكن لديهم تقريباً جنود مشاة باستثناء 100 إلى 300 من الرماة المرتزقة التشيك، وتضمَّن الجيش أيضا حوالي 100 عربة مع طواقمها.
كان مع الجيش 2000 عربة تحمل الذخيرة والمؤن والمهمات، وبعضها كان به الجنود حاملي البنادق.
أما الجزء المتبقي فكان سلاح الفرسان الثقيل، وخاصة القوات الملكية والمرتزقة الأجانب، بالإضافة إلى عدد من ألوية النبلاء والأسقفيات، ولم يأت الدعم الذي وعدت به إمارات الأرناؤوط والقسطنطينية.
انضم البلغار المحليون من ڤيدين وأورياهوفو ونيقوپوليس إلى الجيش أثناء مسيره، وشارك "فروزين" ابن قيصر البلغار "يُوحنَّا شيشمان" في الحملة مع حرسه الخاص.
في 10 أكتوبر بالقرب من نيقوپوليس، انضم أيضًا نحو 7000 من سلاح الفرسان الأفلاقي بقيادة "ميرتشا الثاني"، أحد أبناء "ڤلاد دراكول".
شارك اللاجئون الأرمن الذين استقروا بمملكة المجر في حروب بلادهم الجديدة (المجر) ضد العثمانيين منذ معركة ڤارنا عام 1444م وما بعدها، حيث شوهد بعض الأرمن بين القوات المسيحية.
ذَكَرَ الجندي المؤرخ الذي حضر المعركة "أندريس پالاتشيو" (بالألمانية: Andreas Pallatio) أن هونياد قاد "جيش الأفلاق"، مشيراً إلى وجود عناصر رومانية كثيرة في الجيش الشخصي ليوحنا هونياد.
كان تقدم الجيش الصليبي بطيئاُ أول الأمر لانشغالهم بحصار القلاع العثمانية على طول الطرق وعدم استسلام الحاميات العسكرية بها، ثم أصبح التقدم سريعاً عندما قرروا تجاوز تلك الحصون. لكن بعد أن نقل الجنويون الجيش العثماني سريعاً إلى الروملي عبر البوسفور (وهناك مصادر تذكر الدردنيل) وأصبح مسار الحملة الصليبية باتجاه الجنوب مغلقاً، صار التراجع تحت هذا الظرف على طول الوادي الضيق لنهر "پروڤاديسكي" (Provadijsky) خطيرًا، فقرر ڤلاديسلاڤ وهونياد السير في الطريق الوحيد الخالي، ألا وهو الطريق إلى مدينة ڤارنا، كي يتراجعوا من هناك نحو دبروجة كما تقدم تفصيله.
وصل الصليبيون مدينة ڤارنا في 9 نوڤمبر 1444م وخيَّموا هناك في طريقهم إلى دبروجة، وفي أواخر نفس اليوم اقترب من ڤارنا أيضاً جيش عثماني كبير يضم حوالي 60,000 رجل (تضاربت المصادر حول حقيقة تعداد الجيش العثماني في المعركة)، قادمين من جهة الغرب وخيَّموا أمام الصليبيين.
تمكن السلطان مراد الثاني من الوصول إلى ڤارنا قبل وصول الأسطول الصليبي إليها، وبذلك حوصر الصليبيون على غير ميعاد في موقعهم هذا: بين الجيش العثماني من جهة الغرب، والبحر الأسود من الشرق، وبحيرة ڤارنا من الجنوب والتضاريس الوعرة إلى الشمال والمنحدرات الحرجة الشاهقة للحافة الجنوبية لهضبة فرانغا.
كانت ساحة المعركة هي الساحل الشمالي لمستنقعات بحيرة ڤارنا التي تقع غرب مدينة ڤارنا، وهي منطقة جبلية تقع جنوب هضبة فرانغا التي يصل ارتفاعها 356 م، ومعظمها وديان ممتدة ومتناقصة بميل تدريجي من ناحية الشَمَال.
كان موقع الصليبيين في الناحية الشرقية من ساحة المعركة ضعيفاً عسكرياً لأنه ليس لديهم طريق برِّيٌّ للهرب، أما العثمانيون فكانوا في الغرب في موقعٍ أفضلٍ عسكرياً.