English  

كتب جمال الاستعارة من حسن النظم

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

جمال الاستعارة من حسن النظم (معلومة)


وقد ربط الجرجاني الاستعارة بعلم المعاني ربطا بديعا، وأوضح أن من أنواع الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا بعد العلم بالنظم، ويذكر أنها على غرابتها ولطفها إنما تم لها الحسن بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، ومن دقيق ذلك أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى "واشتعل الرأس شيبا"لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، وليس الأمر ذلك، إنما الجمال أن تعلم أن "اشتعل"للشيب في المعنى، وإن كان للرأس في اللفظ، فهل إذا أخذت اللفظ وسندته إلى الشيب صريحا فتقول:"اشتعل شيب الرأس" هل ترى الروعة التي كنت تراها؟

فما السبب في أن "اشتعل "إذا استعير "للشيب" كان له الفضل؟

السبب أنه يفيد لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل الشمول، وأنه قد شاع فيه، وعمّ جملته حتى لم يبق من السواد إلا ما لا يعتد به.
ونظير ذلك في التنزيل قول الله عز وجل:"وفجرنا الأرض عيونا"،فإن التفجير للعيون في المعنى لكنه أوقع على الأرض في اللفظ، وذلك أفاد أن الارض قد صارت عيونا كلها، وأن الماء كان يفور من كل مكان، ولو قيل "فجرنا عيون الأرض"لم يفد ذلك ولم يدل عليه ،ولكان المفهوم أن الماء قد فار من عيون متفرقة في الأرض.
ويمكن إجمال ما قدم عبد القاهر فيما يلي
أولا:أنه لاميزة للألفاظ من حيث هي أصوات مسموعة، إذ ليس للفظة قيمة ذاتية بمعزل عن السياق، ولكنها تحسن بمراعتها للمعنى المراد وبمكانها مع أخواتها في الجملة الواحدة.
ثانيا:توظيف المعاني النحوية في السياق لخدمة المعاني العامة للنص الأدبي بحيث لا يمكن الوقوف على معاني النص إلا عن طريق المعاني النحوية ،وقد كان تفسير الجرجاني للنظم بأنه( توخي معاني النحو
وعلاقاته )اللبنة التي قامت عليها مباحث علم المعاني مستمدة من أحكام النحو.

الغاية من معرفة فن النظم
" إن غاية ما يسعى إليه عبد القاهر من نظريته هو الوصول بتعبيراتنا اللغوية إلى مستوى رفيع؛ ليأتي التعبير عن المعاني مساو للحقيقة الراسخة في نفس السامع و القارئ و المتكلم، دون زيادة أو نقصان، ودون حاجة إلى اجتهاد في تأويل أو تفسير، بل يجب أن تأتي صور الكلام مساوية المعاني صورة بصورة، حسا وحركة وحيوية و لونا و مفهوما دون ملابسة"،و يبدي عبد القاهر رأيه في هذه المزية اللغوية بقوله:" و اعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لفظه شيئا. أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر، و هو الذي وسع مجال التأويل و التفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، و يفسرون البيت الواحد عدة تفاسير، و هو على ذلك الطريق المذلة التي ورط كثيرا من الناس في الهلكة، و هو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا العلم، و ينكشف معه عوار الجاهل به".

نظرية النظم وأثرها في النقد العربي

إن الباحث المتتبع لدراسة عبد القاهر لنظرية النظم يرى أنه جعل النظم أساسا للنقد ومرجعا لبيان القيمة الفنية في العمل الأدبي ،كما أنه جعل من النظم قوانين ترشد الذوق العربي إلى الكشف عن مرتبة الكلام
وقد بذل أقصى جهده لتستقر فكرته في العقول ،حتى أضحت نظريته السليمة مرجع النقاد والباحثين ،فقد صنع ميزانا يستطيع به الناقد أن يزن الصورة البيانية ،ويرد عناصرها البلاغية إلى طريقة التأليف للعبارات ،ومنه استمدت فكرة البنية العميقة والبنية السطحية التي نادى بها اللغويون الغرب مثل تشومسكي، وأرسخ كذلك فكرة التعليل لكل ما تستحسنه أو تستقبحه فيقول "لا بد لكل كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من ان يكون لاستحسانك جهة معلومة وعلة معقولة"

نظم القرآن

القرآن أعلى مراتب البلاغة والفصاحة والبيان ،ومنه وإليه فطن عبد القاهر الجرجاني إلى نظريته ،وقد نزل القرآن على أفصح الناس لسانا فتحداهم فأعجزهم ،فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله ،ولا أن يأتوا بسورة أو بآيه ،فأبانوا عن عجز واستسلام ،ولكن يبقى السؤال ما الذي أعجزهم فيه ؟أعن معان دقيقة صحيحة قوية ؟أم ألفاظه المحكمة الفصيحة؟ أجاب الجرجاني عن سر عجز العرب عن الإتيان بمثله ،وفسّر إعجابهم به فقال:"أعجزهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادي آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها وفي مضرب كل مثل ،مساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوافي الجميع كلمة ينبو مكانها، ولفظة ينكر شأنها ،ويرى أن هناك أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى ،بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم-ولو حك بيافوخه السماء-موضع طمع ،حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول "

المصدر: wikipedia.org