اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بوفاة عنبسة، شهدت الأندلُس اضطرابات جديدة نتج عنها توالي عدد من الوُلاة في فترة زمنية قصيرة، بالإضافة إلى تمرُّد بعض حُكَّام المناطق وأبرزهم الزعيم البربري منوسة حاكم شرطانية الذي تحالف وتصاهر مع أودو دوق أقطانية، فتزوَّج ابنته «لامبيجيا». واحتمى الدوق بِهذه المُصاهرة من بطش المُسلمين بِدليل أنَّ عنبسة بن سُحيم عدل، أثناء توغله في عُمق الأراضي الإفرنجيَّة، عن اجتياح مُقاطعة أقطانية وذلك تحت تأثير منوسة كما يبدو. ومنوسة هذا - بحسب رواية إيزيدور الباجي - كان وُلِّي أُمور شرطانية بُعيد فتحها، وترامت إليه من حُدود إفريقية أخبارٌ مفادُها تعرُّض البربر إلى الظُلم على يد العرب في هذه البلاد بِسبب ما جرى من خِلافات آنذاك بين جناحيّ المُسلمين في تلك الأنحاء، فملأ هذا الأمر قلب منوسة حقدًا على العرب بِعامَّة، وزاد الدوق أودو من هذا الحقد في قلب صهره لِيتخذه درعًا يقيه الضربات الإسلاميَّة، فانفصل منوسة عن عامَّة المُسلمين وصالح الفرنجة وأخذ يعمل على إيذاء العرب، ووثب بهم بِالفعل وأصبح في حربٍ دائمةٍ معهم، رُغم أنَّ أنصاره كانوا في خِلافٍ مُتَّصلٍ معه، وقد حاول الوالي الجديد عذرة بن عبدُ الله الفهري القضاء على حركة منوسة، فأرسل نحوه حوالي عشر حملات عادت كُلها مهزومة. ظلت تلك الاضطرابات سائدة حتى جاءت ولاية الهيثم بن عُبيد الكناني الذي عبر البرتات في سنة 112هـ المُوافقة لِسنة 730م، واخترق سپتمانية إلى وادي الرون، وغزا لوطون وماسون وشالون الواقعة على نهر السون، واستولى على أوتون وبون، وعاث في أراضي بورغندية الجنوبيَّة. لكن أدى اختلاف القبائل وتمرُّد البربر في الأندلُس إلى تفكُّك جيشه، وتخلّيه عن تلك المُدن المفتوحة، وعاد جنوبًا، ولم يلبث أن تُوفي في سنة 112هـ المُوافقة لِسنة 730م بعد أن أمضى سنتين في ولايته.
خِلال هذه الفترة، شحن المُسلمون كافَّة مُدن مُقاطعة سپتمانية بِالحاميات العسكريَّة لِلدفاع عنها وإقرار السلام بين السُكَّان، وجمع الضرائب التي خففوا مقدارها، وتركوا الأراضي التي فتحوها عنوةً في أيدي أصحابها، على عكس ما اتبعوه في الفُتُوح السَّابقة، وفرضوا على السُّكَّان مُقابل ذلك تقديم حصَّة تتراوح بين ثُلث ورُبع المحصول، فنعموا بِالطمأنينة والأمن في ظل حُكم المُسلمين. ولم يُحاول الدوق أودو، في هذه المرحلة، الخُروج على حُكمهم، كما أنَّ قارلة انهمك في إخماد ثورات الفريزيين التي تجددت في مُقاطعة النورمندي، وردِّ غارات الساكسون على نهر الراين.
يُلاحظ بِأنَّ الرواية الإسلاميَّة لا تنسب قيام أيَّة أعمال عسكريَّة في الغال خِلال ولاية عذرة بن عبد الله الفهري، ولكنَّ الرواية الإفرنجيَّة تذكر أعمالًا حربيَّة خطيرة قام بها المُسلمون في هذه الفترة بعد مقتل عنبسة مُباشرةً، وحيثُ أنَّ ولاية عذرة دامت سنتين وأشهُرًا فلا بُدَّ أنَّ هذه الأعمال وقعت خلالها، ويُجمل المُؤرِّخ والمُستشرق الفرنسي جوزيف توسان رينو أخبار هذه الأعمال في قوله أنَّ قادة المُسلمين نهضوا بعد مقتل عنبسة، وقد شجعتهم المُقاومة القليلة التي صادفوها والإمدادات الكبيرة التي تلقُّوها من الأندلُس، فأرسلوا الحملات في كُلِّ وجه، مُقتحمين سپتمانية مرَّة أُخرى، وعادوا إلى حوض الرون وغزوا بلاد الألبيين (بالفرنسية: Les Albegeois) وإقليم رويرگ (بالفرنسية: Le Rouergue) وجيڤودان (بالفرنسية: Gévaudan) وليڤليه (بالفرنسية: Levelay) ونهبوها نهبًا ذريعًا، حتَّى استنكر الكثير من المُسلمين الإسراف في العُنف. وتُضيف روايات مسيحيَّة أُخرى أنَّ المُسلمين خرَّبوا كنيسة رودس الكبيرة، واستقرُّوا في حصنٍ قريبٍ من موضع روكپريڤ (بالفرنسية: Roqueprive) الحالي. وانضمَّ إليهم نفرٌ من أهل هذه النواحي وساروا معهم يغزون في كُلِّ وجه. ويغلُب الظن أنَّهُ في خلال هذه الفترة - أي بين سنتيّ 107 و112هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 725 و730م، قام المُسلمون بِالغزوات التي تنسُبها إليهم الروايات المسيحيَّة في أقاليم دوفينيه (بالفرنسية: Dauphiné) ولوطون (ليون) وبورغندية. ولا تذكر المراجع العربيَّة والإسلاميَّة عن ذلك شيءًا على الإطلاق، في حين تختلف المراجع المسيحيَّة فيما بينها اختلافًا بينًا بِشأنها. وحده المُؤرِّخ المُسلم أحمد بن مُحمَّد المُقري التلمساني ذكر لمحةً عن تلك المرحلة، فقال: «إِنَّ الله أَلقَى الرُّعبَ فِي قُلُوبِ النَّصَارَى، وَلَم يَعُد أَحَدٌ مِنهُم لِيَظهَرَ إِلَّا لِيَستَأمِن. فَاستَولَى العَرَبُ عَلَى البِلَادِ وَمَنَحُوا الأَمَانَ لِمَن أَرَادَ، وَسَارُوا مُصعِدِين حَتَّى وَصَلُوا حَوضَ الرَّدَانَة، وهُنَاكَ ابتَعَدُوا عَن الشَّاطِئ وَتَوَغَّلُوا دَاخِلَ البِلَادِ». ولم يذكُر المُقري البلاد التي وصلها المُسلمين حينما توغَّلوا في الغال هذه المرَّة، على أنَّ رينو قال بأنَّ المواقع التي وصلها المُسلمين كانت هي المواقع التي ذكرت المصادر المسيحيَّة خرابها، وهي لوطون وماسون وشالون وبون (بالفرنسية: Beaune) وأوتون وسوليو (بالفرنسية: Saulieu) وبيز. كما قال أنَّ هذه الغارات يُحتمل أن تكون قد وصلت أبعد من ذلك وتمَّت دون خطَّة مُقررة من قبل، ومع هذا فإنها لم تلقَ إلَّا مُقاومة ضئيلة جدًا، ممَّا يدُل على الحالة السيئة التي كانت تسود بلاد الفرنجة آنذاك، وعلى عدم وُجُود حُكُومة ترعى شُؤون الناس.
وفي سنة 112هـ المُوافقة لِسنة 730م، عيَّن والي إفريقية عُبيد الله بن الحبحاب بعد مُوافقة الخليفة هشام بن عبد الملك القائد عبدُ الرحمٰن الغافقي واليًا على الأندلُس، ولا يُستبعد أن يكون الجيش الإسلامي المُرابط في الأندلُس وراء هذا التعيين بِفعل محبة الجُند لِلغافقي كونه كان فريدًا بين رفاقه من القادة. ارتبط ظُهُور عبدُ الرحمٰن الغافقي على مسرح الأحداث السياسيَّة والعسكريَّة في الأندلُس والغال، بِالدور البارز الذي أدَّاه في ميدان الغزو والجهاد من أجل مدِّ راية الإسلام في الأراضي الأوروپيَّة. وكان تسلُّم الغافقي لِلحُكم لِلمرَّة الثانية، بعد أن أبعدتهُ الصراعات القبليَّة نحو عشر سنوات عن المنصب الذي كان أكثر الذين سبقوه تأهيلًا لِحمل مسؤوليَّاته. وسبب ذلك أنَّ الغافقي كان على درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة القياديَّة والعسكريَّة، وتحلَّى بالشجاعة والجُرأة والإقدام، وقضى مُعظم حياته في الجهاد، وكان سليمًا من النزعة القبليَّة التي ابتلى بها غيره من الوُلاة، وقد وضع نُصب عينيه فتح «الأراضي الكبيرة» أي الغال، كما كان يُسميها المُسلمون. كان على الغافقي بدايةً التصدِّي لِمطامع الدوق أودو وإخماد حركة منوسة وإعادة اللُحمة إلى المُسلمين، وكان يرى - بُحُكم خبرته الطويلة ومُتابعته التطوُّرات عن كثب - أنَّ الهدنة التي حرص أودو على استمرارها مع المُسلمين لم تكن إلَّا وسيلة لاتقاء خطرهم حتَّى تنجلي علاقته بِقارلة مارتل. ولم يقبل الغافقي أن تكون المُصاهرة بين منوسة والدوق أودو سببًا يصرف جُهُود المُسلمين عن حماية سپتمانية من أيِّ خطرٍ يتهدَّدُها جرَّاء أطماع الدوق سالف الذِكر، ولِذا أمر بِالقيام بِغاراتٍ على مُقاطعة أقطانية بِوصفها مصدر الخطر على المُسلمين، وأرسل إلى منوسة يدعوه إلى الطاعة والدُخول تحت راية الإسلام مُجددًا وأن لا يكون عقبة في وجه بني قومه ودينه، فرفض منوسة هذا الأمر بحُجَّة أنهُ لا يستطيع مُهاجمة أملاك صهره وأنَّهُ قد هادن الإفرنج وحلَّ نفسهُ من تنفيذ أيِّ أمرٍ عسكريٍّ بِشن الحرب أو الاشتراك في القِتال ضدَّهم، فبادر عبدُ الرحمٰن الغافقي إلى إخماد هذه الحركة الثوريَّة قبل أن تستفحل أكثر من ذلك وتؤدي إلى مزيدٍ من التصدُّع في الجبهة الإسلاميَّة وتُشجِّع أعداء الدولة على مُهاجمة سپتمانية، فجهَّز حملةً عسكريَّةً عهد بِقيادتها إلى ابن زيَّان، وكلَّفهُ بِإخماد الثورة، ونجح هذا القائد في مُهاجمة معاقل منوسة الحصينة ودخل عاصمته، باب الشزري، وطاردهُ في شِعاب الجبال حتَّى قبض عليه وقتله، وذلك في سنة 113هـ المُوافقة لِسنة 731م، وبِذلك أضحت ممرات جبال البرتات مفتوحةً أمام زحف الجُيُوش الإسلاميَّة.