English  

كتب تمدد الإمارة العثمانية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تمدُّد الإمارة العُثمانيَّة (معلومة)


الغزوات الأولى وفتح قلعة قراجة حصار

كان على عُثمان، بعد أن ثبَّت أقدامه في إمارته، أن يُكافح على جبهتين: الجبهة البيزنطيَّة، وجبهة الإمارات التُركمانيَّة التي أبدت مُعارضةً له وبخاصَّة الإمارة الكرميانيَّة، وقد وضع نصب عينيه توسيع رقعة إمارته على حساب البيزنطيين أولًا، ومُنذ تلك المرحلة أصبح الهدف الأساسي للإمارة العُثمانيَّة هو اتباع سياسة الفتح التي ترتكز على مفهوم الغزو والجهاد ضدَّ ديار الروم. وتُشيرُ بعض الروايات إلى أنَّ أوَّل غزوة شنَّها عُثمان ضدَّ الروم كانت بهدف الثأر من هزيمة حلَّت به سابقًا في منطقة «أرمني - بلي» أي «تلَّة الأرمن» في ربيع سنة 683 أو 684هـ المُوافقة لِسنة 1284 أو 1285م، حيثُ كمن لهُ البيزنطيّون بِقيادة «تكفور» عامل بورصة، وعلى الرُغم من أنَّ عُثمان عرف بأمر الكمين من أحد الجواسيس إلَّا أنه آثر الالتحام مع البيزنطيين، فانهزم واضطرَّ إلى الانسحاب وخسر بعض رجاله من ضمنهم «صاروخان بك خوجة» ابن أخيه «صاووجي بك». وبناءً على هذا، توجَّه عُثمان حوالي سنة 685هـ المُوافقة لِسنة 1286م على رأس قُوَّة عسكريَّة قوامها ثلاثُمائة مُقاتل إلى قلعة «قولاجه حصار» التي تبعد فرسخين عن مدينة «إینه‌گول»، في نطاق جبل «أميرطاغ» وهجم عليها ليلًا وتمكَّن من فتحها، وبذلك ازدادت إمارته اتساعًا في اتجاه الشمال لامتداد بُحيرة إزنيق. أثار انتصار العُثمانيين في قولاجه حصار حفيظة عامل الروم على المدينة، فلم يرضى أن يكون تابعًا وخاضعًا لِأميرٍ حُدوديٍّ مُسلم، فتحالف مع عامل قلعة «قراجة حصار» واتفقا على قتال المُسلمين واسترداد ما غنموه من أراضٍ بيزنطيَّة، والتقى الجمعان في «إكزجه» الواقعة بين «بيله جك» و«إینه‌گول» حيثُ دارت معركةً طاحنة قُتل فيها «صاووجي بك» أخو عُثمان، لكنها أسفرت عن انتصار المُسلمين، ودُخولهم قلعة «قراجة حصار»، ومقتل «بيلاطس» قائد القُوَّات البيزنطيَّة. ويُروى أنَّ العُثمانيّون، حوَّلوا للمرَّة الأولى، كنيسة تلك البلدة إلى مسجد، قُرئت فيه أوَّل خِطبة؛ وعُيِّن فيه أوَّل قاضٍ وصوباشي (حاكم) للمدينة. واختلف المُؤرخون في تحديد تاريخ فتح هذه المدينة، على أنَّ أحدًا لم يجعل الفترة تسبق سنة 685هـ (1286م) أو تتخطى سنة 691هـ (1291م). وجعل عُثمان مدينته الجديدة قاعدةً له للانطلاق نحو بلاد الروم، وأمر بإقامة الخِطبة باسمه، وهو أوَّل مظهر من مظاهر السيادة والسُلطة.

كان هذا الانتصار الذي حققهُ عُثمان أعظم انتصاراته حتَّى تاريخه، فأبدى السُلطان السُلجوقي علاء الدين كيقباد الثالث تقديرهُ العميق لِما حققهُ عُثمان من إنجازات باسم السلاجقة والإسلام، فمنحهُ لقب «حضرة عُثمان غازي المرزبان حارس الحُدود عالي الجاه عُثمان شاه» (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: عُثمان غازى حضرتلرى مرزبان عاليجاه عُثمان شاه)، كما أضاف لهُ لقب «بك» وأقطعهُ كافَّة الأراضي التي فتحها إلى جانب مدينتيّ إسكي شهر وإينونو، وأصدر مرسومًا يُعفيه فيه من كُل أنواع الضرائب، وأرسل إليه عدَّة هدايا تدل على الإمارة وعِظم شأنه عند السُلطان، وهي: راية حربيَّة ذهبيَّة، ومهتر (طبل كبير)، والطوغ (شارة رأس يضعها الأُمراء) والشرَّابة، والسيف المُذهَّب، وسرجًا مُفضفضًا، ومائة ألف درهم، حملها إليه الوزير السُلجوقي عبدُ العزيز و«قراجة بلبان چاوش» و«آق تيمور». كما تضمَّن المرسوم اعتراف السُلطان السُلجوقي بِحق عُثمان في أن يُذكر اسمه في خِطبة الجُمعة في المناطق الخاضعة له، كما أجاز له سك العملة باسمه. وبذلك صار عُثمان ملكًا بالفعل لا ينقصه إلَّا اللقب. ويُروى أنَّ عُثمان لمَّا ضُرب الطبل بين يديه نهض قائمًا إعظامًا لِلسُلطان، فما زال كذلك حتَّى فرغت الجُند من هذا، ومُنذُ ذلك اليوم سنَّت العساكر العُثمانيَّة القيام تعظيمًا لِسُلطان البلاد عند ضرب طبل السلطنة في الأسفار والأعياد.

فتح قلاع بيله جك ويار حصار وإینه‌ گول

بعد تمام فتح قلعة «قراجة حصار»، سار عُثمان بجُنوده ناحية شمال صقارية، فأغار على قلعتيّ «گوینوك» و«ينيجه طاراقلي» وعاد مُحمَّلًا بالغنائم. وفي تلك الفترة، تنص الروايات العُثمانيَّة على أنَّ عُثمانًا تلقَّى تحذيرًا من صديقه الرومي «كوسه ميخائيل» حاكم قرية هرمنكايا مفاده أنَّ مُؤامرة سريَّة أُحيكت ضدَّه من قِبل صاحبيّ قلعتيّ «بيله جك» و«يار حصار» الذان هدفا إلى القبض عليه وقتله بعد أن دعياه إلى حفل زفاف ولديهما الكائن في القلعة الأولى، فما كان من عُثمان إلَّا أن دبَّر بعض الدسائس الحربيَّة، فأرسل أربعين فارسًا من فُرسانه إلى الحفل مُتنكرين بأزياء النساء، وما أن دخل هؤلاء «بيله جك» حتَّى كشفوا عن هويتهم، فتمكنوا من أسر كافَّة المدعوين بما فيهم العروسين، وفتحوا القلعة علنًا. ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الوقعة أُسرت فيها امرأة قيل بأنها ابنه تكفور، تُدعى «هولوفيرا»، سُميت لاحقًا «نیلوفر خاتون»، واصطفاها عُثمان لابنه أورخان، فتزوجها وأنجبت لهُ مُراد، لِتكون بذلك أوَّل امرأة أجنبيَّة في قُصور آل عُثمان. سعى عُثمان بعد فتحه قلعتيّ بيله جك ويار حصار إلى القضاء على صاحب إینه‌گول الذي حالف عامل قراجة حصار على العُثمانيين سابقًا، كي يحول دون إبرام أي تحالُفٍ آخر بين بقايا الإمارات البيزنطيَّة في الأناضول. فبادر إلى إرسال أحد قادة جيشه، ويُدعى «درغوث ألب»، لِمُحاصرة قلعة إینه‌گول، ثُمَّ التحق به، وتمكَّن من فتحها. وهُناك رواية تذكر أنَّ عُثمان منح هذه القلعة إلى درغوث ألب، ولِذلك سُميت البلدة فيما بعد «طورغود» (اللفظ التُركي لِدرغوث العربي) تيمُنًا بأوَّل أميرٍ مُسلمٍ عليها.

سُقوط سلطنة سلاجقة الروم واستقلال الإمارة العُثمانيَّة

    ركَّز عُثمان جُهوده بعد ذلك على المُدن الكبيرة المعزولة، ورأى أن يبدأ بِفتح مدينة بورصة، فبنى بالقُرب منها قلعتين تُشرفان عليها وتُحيطان بها، (وفي إحدى الروايات ثلاثة حُصون)، إحداهُما في «قابلجه» والثانية على سفح جبل أولوطاغ، وعهد بالقلعة الأولى إلى آق تيمور، والثانية إلى أحد أُمرائه، وهو «بلبان» أو «بلبانجق بك». استمرَّ الحصار العُثماني لِبورصة ما بين 10 و11 سنة، ويرجع طول الحصار إلى عدم امتلاك العُثمانيين أيَّة أدوات حصار في تلك الفترة من تاريخهم، كما أنَّ المدينة نفسها كانت حصينة ومنيعة، إذ حمتها قلعة يبلغ طولها 3400 متر تحتوي على 14 بُرج مراقبة و6 أبواب ضخمة، وكان هناك سورين سميكين في المنطقة الواقعة تحت جبل أولوطاغ.

    وأثناء استمرار عمليَّة الحصار، قام عُثمان وقادته بتطهير جوار الإمارة من بقايا الحُصون الروميَّة، ففتحوها الواحد تلو الأُخرى، ودخل بعض قادة تلك الحُصون مع حامياتهم في خدمة عُثمان، وأسلم البعضُ منهم فيما بقي البعض الآخر على المسيحيَّة. وفي تلك الفترة أُصيب عُثمان بِداء النٌقطة (الصرع)، فبدا واضحًا أنه لم يعد قادرًا على قيادة حصار المدينة بنفسه، فعهد إلى ابنه أورخان باستكمال الأمر، واعتزل هو الخُروج مع الجُيوش ولازم دياره. واستمرَّ حصار أورخان للمدينة دون أي قتالٍ أو حرب، لكنَّه تابع عزلها عن مُحيطها، ففتح مودانيا قاطعًا صلة المدينة بالبحر، ثُمَّ فتح بلدة «پرونتكوس» في الساحل الجنوبي لِإزميد، وغيَّر اسمها إلى «قره مُرسل» تيمنًا باسم فاتحها «قره مُرسل بك»، كما فتح بلدة «أدرانوس» أو «أدرنوس» الواقعة جنوب بورصة على قمة جبل أناضولي طاغ، التي وُصفت بأنها مفتاح المدينة، وسُميت «أورخان ألي». ضيَّق العُثمانيّون الحصار على المدينة حتَّى دبَّ اليأس في قلب حاكمها وحاميتها، وأيقن الإمبراطور البيزنطي أنَّ سُقوطها في أيدي المُسلمين مسألة وقتٍ لا أكثر، فاتخذ قرارًا صعبًا، وأمر عامله عليها بإخلائها، ففعل، وانسحبت الحامية البيزنطيَّة من المدينة، ودخلها أورخان يوم 2 جُمادى الأولى 726هـ المُوافق فيه 6 نيسان (أبريل) 1326م، ولم يتعرَّض لأهلها بِسُوء بعد أن أقرّوا بالسيادة العُثمانيَّة وتعهدوا بدفع الجزية. واستسلم صاحب المدينة المدعو «أقرينوس» إلى أورخان، ثُمَّ أشهر إسلامه أمامه وبايع أباه عُثمان ودخل في طاعته، فأُعطي لقب «بك» إكرامًا له وتقديرًا لما أبداه من شجاعةٍ وصبرٍ خِلال الحصار الطويل، وأصبح من قادة الدولة العُثمانيَّة البارزين فيما بعد، وتأثر به عددٌ آخر من قادة الروم الذين بقوا في المدينة وحُصونها المُجاورة، فأشهروا إسلامهم وانضموا تحت لواء العُثمانيين. وبهذا فُتحت بورصة بعد طول انتظار، وأسرع أورخان عائدًا إلى سُكود لينقل الخبر إلى والده.

    المصدر: wikipedia.org