اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وجد الأمير الشاب نفسه وسط أمراء متعددين، يحكم كل منهم مقاطعته على هواه. ورأى أن أقوى هؤلاء الإقطاعيين هما يوسف سيفا في طرابلس، ومنصور بن فريخ في البقاع، وقد تحالفا لابتلاع مقاطعات الزعماء الذين يُجاورونهما. فما كان من فخر الدين إلا أن جمع أشتات الحزب القيسي في حلف قوي يمكنه أن يقف في وجه الزعيمين اليمنيين: ابن سيفا، وابن فريخ. ومن هؤلاء الحلفاء آل شهاب أمراء وادي التيم، وآل حرفوش أمراء بعلبك. وجذب إلى صفه بعض مشايخ العرب في حوران، وعجلون في شرقي الأردن. وكان فخر الدين يستعين، لبلوغ أهدافه السياسية بثلاث وسائل: القوة والمال والمصاهرة. لقد جهّز الفرسان والمشاة ووجّه الحملات لإخضاع خصومه، وبذل المال والهدايا لاستمالة الولاة العثمانيين، وصاهر آل شهاب، بل رأى يوما أن من الخير له أن يُصاهر أسرة خصمه ابن سيفا.
رأى فخر الدين أن يُزيح ابن فريخ من طريقه أولاً، فاغتنم مرور مراد باشا القبوجي بصيدا، في طريقه إلى دمشق لتسلم منصبه والياً جديداً عليها، وتوجّه للترحيب به وقدم إليه الهدايا، فاطمأن الوالي للأمير المعني واستمع إلى رأيه في ابن فريخ وسوء سياسته. ولم يلبث مراد باشا أن استدرج منصور بن فريخ إلى دمشق وقبض عليه وقتله، وكان هذا عام 1593. وعندما حاول ابنه أن يحل محله، أوعز مراد باشا إلى الأمير فخر الدين بأن يُهاجمه، فهاجمه وقضى عليه. وبذلك انتقلت أراضي بني فريخ إلى بني حرفوش حلفاء فخر الدين.
ولما رأى فخر الدين أنه اكتسب صداقة مراد باشا القبوجي، والي الشام، رغب إليه أن يُقطعه سنجق بيروت، وكان تابعا لابن سيفا، وسنجق صيدا، وكان العثمانيون قد انتزعوه من المعنيين إثر حادثة القافلة العثمانية في جون عكار عام 1584، فوافق مراد باشا على طلب فخر الدين. عادت صيدا إلى ظل المعنيين بعد تسع سنوات من انتزاعها منهم، وكانت أراضي السنجقين تمتد من نهر الكلب إلى عكا شاملة بلاد جبل عامل. ومنذ ذلك الوقت اتخذ فخر الدين صيدا مقراً له.
كان ضم بيروت لإمارة فخر الدين تحدياً شديداً لوالي طرابلس يوسف سيفا، الذي كانت بيروت تابعة له من قبل. فظل ابن سيفا يترقب الفرص حتى أقصي مراد باشا القبوجي عن ولاية دمشق. عندئذ حاول ابن سيفا استرجاع بيروت، ولكن فخر الدين وحلفاؤه الشهابيين وبني حرفوش باغتوه في ممر نهر الكلب وهزموا جيشه وطاردوه حتى كسروان والفتوح واحتلوهما عام 1598. وبعد أن تدخل والي دمشق الجديد، وبعض المصلحين، أعاد فخر الدين كسروان والفتوح وبيروت إلى ابن سيفا، لقاء إخلائه إلى الهدوء، وامتناعه عن مناوأة فخر الدين، ففضل فخر الدين صداقة ابن سيفا على عداوته.
وعندما اطمأن فخر الدين إلى إمارته الشمالية، انصرف إلى التوسع جنوباً، فضمّ عام 1600 سنجق صفد، وكان يشمل قسما كبيرا من شمال فلسطين. غير أن ابن سيفا لم يُحافظ على عهده طويلاً، فقد هاجم قرى آل حرفوش حلفاء فخر الدين، وأحرق قرى بعلبك وسلبها. عندئذ عزم فخر الدين على أن يؤدب خصمه، فتوجه إليه بجيش كبير كان قد أعاد تنظيمه، وعززه بالرجال والسلاح، فاشتبكت قوى الفريقين في جونية عام 1605، في معركة شديدة انتهت بانهزام ابن سيفا واستعادة فخر الدين لكسروان والفتوح وبيروت. ولكي يُحافظ فخر الدين على مكاسبه الجديدة، أخذ يغمر والي دمشق بالهدايا، فاعترف الوالي بإمارة فخر الدين على المناطق التي استولى عليها.
بالرغم من انتصار فخر الدين، فإن ابن سيفا ظل يسيطر على مقاطعات لبنان الشمالي وسوريا الوسطى، من جبيل إلى اللاذقية. فهو ما زال قويّا، وما زال يسيطر على مساحات واسعة من البلاد. ولما كان فخر الدين لا يستطيع وحده أن يتخلص من هذا الخصم الذي وقف في طريقه وفي وجه توسيع إمارته، فقد عقد محالفة مع الزعيم الكردي علي باشا جانبولاد الذي كان واليا على حلب من قبل العثمانيين ثم احتفظ بها لنفسه وثار على دولته التي كانت مشغولة في حروب البلقان وبلاد فارس. وكتب يوسف سيفا إلى الدولة العثمانية يطلب إليها أن تجعله أميرا على سوريا كلها، وهو يتعهد لقاء ذلك بالقضاء على علي جانبولاد والي حلب الثائر. فوافقت الدولة العثمانية على ذلك.
توجه يوسف سيفا بجيشه لمحاربة جانبولاد، فالتقى الفريقان في سهول حمص، وأسرع فخر الدين وحلفاؤه الشهابيون والحرافشة إلى نصرة حليفهم، فاحتلوا طرابلس وسدوا الطريق على ابن سيفا، الذي كان قد عاد منهزما من معركته مع جانبولاد. فلما وجد بلاده قد احتُلّت، أبحر إلى قبرص، ومن هناك، توجه إلى غزة، فدمشق آملا أن يُعد جيشاً جديداً. ولكن علي باشا جانبولاد والأمير فخر الدين لحقا به إلى دمشق وحاصراها، فهرب ابن سيفا منها ولجأ إلى حصن الأكراد، فتعقبه علي جانبولاد وحده بعد أن رجع فخر الدين إلى مقر إمارته. حاصر جانبولاد حصن الأكراد، فاضطر ابن سيفا إلى استرضائه، فقدم له الهدايا وصالحه، ليتفرغ لمواجهة العثمانيين. ووافق فخر الدين على هذا الصلح، وتمت بينه وبين آل سيفا مصاهرة، فقد تزوج فخر الدين ابنة شقيقة يوسف سيفا.
ولم تلبث الدولة العثمانية أن عقدت هدنة في البلقان وهدنة في بلاد فارس، وفرغت لشؤون سوريا، فوجهت جيشا بقيادة الوزير مراد باشا القبوجي الذي كان والياً على الشام لقتال جانبولاد. ولما شعر جانبولاد بضعفه، فرّ من حلب، فدخلها مراد باشا وأنهى بذلك ثورة جانبولاد على الدولة. كان الوزير يريد محاربة فخر الدين، ولكن فخر الدين الذي سبق له أن تعامل مع مراد باشا، كان يعرف مواطن ضعفه، فبعث له بهدية مالية ذهبية مغرية، حملها إليه ابنه الفتى علي، وبرفقة مستشار الأمير، الحاج كيوان بن عبد الله. وسرّ الوزير بالهدية، وسكت عن فخر الدين، وجدد له ولايته على صيدا وبيروت وكسروان عام 1607.
استطاع فخر الدين في العهد الأول من حياته، أن يوطد أركان الإمارة المعنية، فتحالف مع أصدقائه الشهابيين وبني حرفوش، وتخلص من خصميه: ابن سيفا، وابن فريخ. ولم يعد في لبنان كله شخص قوي غير فخر الدين الثاني، الذي أصبح أمير معظم المقاطعات اللبنانية، بعد أن كان أمير الشوف. ولكنه رأى أن كل الوسائل التي سلكها للمحافظة على إمارته، أو لتوسيع رقعتها، لم تكن كافية لتحقيق مطامحه. فالحصون والقلاع التي أقامها، والجيش المعني القوي، ومحالفاته مع جانبولاد والأمراء، وصداقاته مع الولاة العثمانيين المتبدلين دائماً، كلها ساعدته على إنشاء إمارته، ولكنها لم تستطع أن تؤمن له الاستقلال عن الدولة العثمانية. وكان لا بد له من أن يتطلع إلى دولة قوية تزوّد جيشه بالعتاد الحربي الفعّال.
كما اعتمد فخر الدين بالإضافة لتحالفاته إلى إسلوب المصاهرة لتوطيد حكمه حيث زوّج الأميرة (فاخرة) بنت الأمير علي بن يونس المعني للأمير أحمد بن يونس الحرفوشي، وذلك في عام 1027 هـ.
هذه المصاهرة التي تخبط فيها ميخائيل ألوف فتارة يقول أنها تمت سنة 1605 م والعروس هي ابنة فخر الدين. وتارة يجعلها حوادث سنة 1617 م والعروس هي فاخرة ابنة الأمير علي المعني " حيث عقد الأمير علي بن الأمير فخر الدين عقد إبنته فاخرة على الأمير أحمد بن يونس الحرفوشي فأتى وسكن مشغرة ".
في حين جعلها الصفدي (مؤرخ فخر الدين) في حوادث عام 1030 هـ / 1620 م بقوله " وفي المحرم الحرام من السنة المذكورة قدم الأمير حسين ابن الأمير يونس ابن الحرفوشي وكواخي والده وجماعته إلى عند الأمير فخر الدين بيروت خاطبين كريمة الأمير فخر الدين للأمير أحمد ابن الأمير يونس المذكور. فتوجه الأمير فخر الدين إلى مدينة صيدا وقضى لهم مرادهم، وعاد كل منهم بما حصل له من المجابرة وأرسل كريمته مع المتعينين من أعيان جماعته وتوجهوا إلى قب الياس وجاء الأمير يونس ولاقاهم بها وراعى جميع الذين توجهوا من قبل الأمير فخر الدين حق رعايتهم".
والصفدي نفسه تخبط في تاريخ الزواج إذ قال في حوادث سنة 1617 م " وقبل هذه الأحوال كان قد صار نصيب للأمير أحمد ابن الأمير يونس ابن الحرفوش في مصاهرة الأمير فخر الدين ابن معن وعقد عقدة نكاحه على كريمته!..".
والأمير حيدر الشهابي رواها في حوادث سنة 1027 هـ / 1617 م . " تزوج الأمير أحمد فاخرة ابنة الأمير علي المعني فجاء وسكن مشغرى من عمل البقاع وبنى فيها داراً عظيمة وجرت مكاتبات بينه وبين شيعة طرابلس الشام وأولاد داغر وأمراء جبل عامل بني علي الصغير وبني منكر..." فانزعج الأمير علي المعني، وطالب الأمير يونس الحرفوشي بإخراج ولده من مشغرة، ففعل وعاد إلى بعلبك. ولعل الخطبة تمت مسبقاً لكن الظروف حالت دون إتمام مراسم الزواج؟ لكن المعروف أن الأمير أحمد توفي في شهر رمضان سنة 1030 هـ / 1620 م أي بعد تسعة أشهر من التاريخ الذي ذكره الصفدي.
ود الأمير يونس أن تبقى المصاهرة مع المعني مستمرة لذلك استغل مرور الحاج كيوان في بعلبك سنة 1621 م. وكلفه أن يلتمس من المعني زواج الأمير حسين بن يونس من أرملة أخيه كريمة الأمير فخر الدين، لقاء ثمانية آلاف غرش إرضاء لخاطره. توجه الحاج كيوان مدبر فخر الدين إلى صيدا وخاطبه بشأن هذا الزواج فباركه.