اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تم إنشاء البلديات الفرنسية في بداية الثورة الفرنسية فيما بين 1789-1790.
قبل الثورة، كانت الأبرشية أقل مستوى من التقسيم الإداري في فرنسا، وكان هناك ما يصل إلى 60,000 أبرشية في المملكة. وكانت الأبرشية مكونة من كنيسة، وبيوت من حولها (قرية صغيرة)، وأراضي زراعية محيطة بتلك القرية. وكانت فرنسا البلد الأكثر سكانًا في أوروبا في هذا الوقت، حيث بلغ عدد سكانها حوالي 25 مليون نسمة في أواخر القرن الثامن عشر (في المقابل، كان في إنجلترا ستة ملايين نسمة فقط).
بالإضافة إلى ما سبق كانت هناك بعض المدن التي حصلت على مواثيق خلال العصور الوسطى، إما من الملك نفسه، أو من الهيئات المحلية. وهذه المدن كانت تتكون من عدة أبرشيات (وصلت إلى أكثر من 100 في باريس)، وكانت عادًة تحاط بجدار دفاعي لحمايتها. تحررت تلك المدن من سلطة الأمراء الإقطاعيين خلال القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر، وكانت تدار بواسطة الهيئات البلدية.
في يوم 14 يوليو 1789، في نهاية فترة ما بعد الظهر، وعقب اقتحام سجن الباستيل، تعرض وكيل رابطة تجار باريس، جاك دي فليسليه، للقتل من على درج مبنى مدينة باريس. وذلك على الرغم من كون وكلاء التجار رمزًا لاستقلال باريس خلال العصور الوسطى، ولكن عندما وقع تمرد ضد الملك شارل الخامس، تم إلغاء مناصبهم ثم أعيدت مرة أخرى ولكن مع فرض رقابة صارمة من الملك. وهكذا صار ينظر إليهم من قبل الشعب كممثلين للملك، لا كتجسيدًا لبلدية حرة.
وعقب حدث بلدية باريس، تحولت باريس على الفور إلى بلدية؛ بعدما كانت مدينة خلال العصور الوسطى، وتم إنشاء الحرس البلدي لحماية باريس من أي محاولات قد يقوم بها الملك لويس السادس عشر لقمع الثورة الفرنسية التي كانت مستمرة في الحدوث وقتئذ.
وهكذا تحولت عدة مدن فرنسية إلى بلديات (كما حدث مع باريس)، ونشأت البلديات في كل مكان بوجود الحرس البلدي.
وفي 14 ديسمبر 1789، أقرت الجمعية الوطنية قانون إنشاء البلدية، وصمم لتكون البلدية أدنى مستوى من التقسيم الإداري في فرنسا، وبالتالي يؤيد استقلال هذه البلديات. وكان إقرار الجمعية الوطنية بهذا القانون عملاً ثوريًا؛ فهو لم يكتف بتحويل جميع المدن الموثقة والقرى إلى بلديات فحسب، بل قررت الجمعية الوطنية تحويل كل الإبراشيات إلى بلديات كاملة. وتلك الأفكار الثورية كانت مستوحاة من أفكار ديكارت، ومن فلسفة التنوير حول التخلص من كل خصوصيات الماضي، وإقامة مجتمع مثالي.
وهكذا تم إنشاء تقسيمات إدارية موحدة على مستوى فرنسا كلها؛ فتنقسم فرنسا إلى عدد من المحافظات التي تنقسم إلى عدد من المقاطعات التي تنقسم إلى عدد من كانتونات المنقسمة إلى عدد من البلديات، وذلك دون استثناء. وتتساوى هذه البلديات في نفس التكوين والتمثيل القانوني؛ فلكل بلدية عمدة يترأسها، ومجلس بلدي ينتخبه السكان. وكان ذلك بمثابة ثورة إدارية حقيقية إذا ما نظرنا إلى عشرات الآلاف من القرى التي لم تنظم بمثل هذه الطريقة من الجودة من قبل. وبنى مجلس البلدية في كل هذه القرى من أجل إدارة البلدية. وعارض بعض أعضاء الجمعية الوطنية تقسيم فرنسا إلى عشرات الآلاف من البلديات، ولكن سادت في النهاية أفكار ميرابو حول البلديات.
وفي 20 سبتمبر 1792 تم سحب سلطة تسجيل المواليد والوفيات والزيجات من يد الكهنة ومنحها لرؤساء البلديات، وبذلك ظهر مفهوم الزواج المدني. وضايقت هذه التغييرات الكاثوليك المتدينين، فسقطت فرنسا في براثن الحرب الأهلية في غرب فرنسا. فاستغرق الأمر من نابليون وقتًا طويلاً لإعادة إحلال السلام في فرنسا واستقرار النظام الإداري الجديد.
لا تزال البلديات الفرنسية محتفظة بنظمها ومبادئها العامة التي أنشئت في بداية الثورة. ولكن وقع أكبر التغييرات القانونية للبلديات في عام 1831، وذلك عندما أقرّ البرلمان الفرنسي تعديلات لمبدأ انتخاب المجالس البلدية، وفي عام 1837 منحت البلديات الفرنسية "الشخصية" القانونية. وكان الثوار اليعاقبة يخشون استقلال السلطات المحلية؛ لأنها ضمّت الكثير من المعارضين للثورة، فكان الثوار اليعاقبة يفضلون دولة مركزية قوية. ولذلك، منعوا إنشاء بلديات تتمتع بأي شخصية قانونية (كما فعلوا مع المحافظات). فكانت الدولة المركزية وحدها تتمتع بشخصية قانونية.
لكن في عام 1837 صار موقف الثوار اليعاقبة غير فعّال مع منح العشرات الآلاف من القرى شخصياتها القانونية، وبقى هذا الحال إلى يومنا هذا.
وبعد الثورة الفرنسية، وصل عدد البلديات التي تم إنشاؤها إلى حوالي 41000 بلدية، وذلك على الأراضي المقابلة للحدود الفرنسية أيام الجمهورية الحديثة (ويشمل الرقم الإدارات التي ضمتها فرنسا في 1795: سافوا، هوت سافوا، والألب ماريتيم، ولكنه لا يشمل الإدارات الحالية لبلجيكا، وألمانيا الغربية من نهر الراين، والتي كانت جزءًا من فرنسا فيما بين 1795 و1815). ورغم أن هذا العدد كان أقل من الأبرشيات الـ 60000 التي كانت موجودة قبل الثورة، إلا أنه كان عدد لا بأس به مقارنة بباقي دول العالم في ذلك الوقت.