اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ترمزالناقة إلی ديمومة الحرکة والعمل واستمرارية الحياة في وسط بيئة قاحلة وجافة. فالناقة في رأي الجاهلي هي المُنقِذ له، القادرة علی تحمل الصعاب و تذليل العقبات ولها الفضل الأعظم في انتشال الشاعر مِن همومه وأحزانه وحمايته مِن مخاطر الصحراء کما أکد طرفة بن العبد هذا المعنی بقوله: وإنّي لأُمضي الهمَّ عند احتضاره بعوجاءَ مرقال تروحُ وتغتدي.
نسج الجاهلي ارتباطاً وثيقاً مع هذا الحيوان لفوائده الجمّة، بل انَّهُ استعار بعض الصفات، فالاعشی يصوّر ممدوحه بأنَّهُ متحلبُ الکفين وکأنَّهُ في عطائه تسح کفاه اللبن سحّاً قائلاً:
مُتحلِّبَ الکفَينِ مِثلَ البدرِ قَوَّالٌ و فاعل. وهذه الصورة الذي دَأَبَ عليها الشاعر الجاهلي هي بلا شك امتداد لجذور أسطورة، حيث کان الاله المعبود قديماً تسح کفاه بالماء واللبن والخمر. وقد سَمّوا بالناقة والجمل کثيراً مِن النجوم «کالفتيق» وهو الجمل العظيم، وقالوا عن «سهيل» إذا وقعت عينُ الجمل عليه، مات واختفى من ساعتِه.
من المزاعم الاسطوريّة التي تفشت حول الناقة عندهم، هي انَّ العرب التفتوا إلی ظاهرة تميز الإبل عن غيرها مِن الحيوان فقدروا أنَّ الإبلَ تولع بأکل عظامهم إذا مات الإنسان، ولايوجد حيوان يأکل عظام الموتی مِن البشر فکانوا يثأرون لأنفسهم منها في حياتهم، فأفرطوا في نحرها و عَقرها، و ربطوا ذلك بالمياسرة بها، کأنَّ نحرهَمُ لها في حياتهم کان انقاذاً لأنفسهم منها بعد مماتهم. جعلوا مِن الناقة ما يشبه السفينة في الملاحم الکونيّة القديمة، تحملهم إلی العالم الثاني، وهو ظاهر مفهوم «البلية» التي کانوا يربطونها عند قبر الميت ساعة دفنه. والبلية لاتکون إلاّ ناقة تعقل إلی جانب القبر حتّی يدرکها الموت، فاذا نهض الميت من قبِرِه وجدها قريبة منه و امتطاها عابراً عليها الی العالم الآخر.فهذا عمر بن زيد يوصي ابنه بأن يترك علی قبره ناقته ليرکبها في الحشر، فيقول: ابني زَوَّدني إذا فارقتني في القبر راحلةً بِرحلِ فاتر للبعث ارکبها إذا قيل اظعنوا مُستوثقين معاً لِحشرالحاشر
لم تکن الناقة مجرد حيوان في العصر الجاهلي، فقد احتلت مکانةً عظيمةً عند العرب بَلَغَت حدَّ التقديس فالنظر إلی الناقة في الجاهلية کان نوعاً مِن العبادة، و لما بَزَغَ فجر الإسلام، قال ربّ العزَة: «أفلاينظرونَ إلی الإبل کيف خُلِقَت» فعرف في الإبل معنى الخصوبة والورود والسقيا. قال اللّه عزوجل: «ناقة اللّه وسُقياها» وشبهوها «بالمرأة» وقالوا في القلوص إنّها الشابة مِن الإبل، فنعموها کما تنعم الفتاة الکعاب. هذا الحيوان المميزلعب دورا أساسيا في حياة العرب، وامتَدَ الأمدَ الأسطوري للناقة فکانت موضوعاً نمطياً تتکرر في قصائد الشعراء، فظلت الناقة احدی الرواسب الاسطوريّة التي تتعلق بعباداتهم و طقوسهم.