English  

كتب البحث الهام

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

البحث عن الملهمين (كتاب)


علمونا أساتذتنا حينما كنا صغارا أن الحياة علاقات وإنجازات .. وأنت تحدد ما هي طبيعة وحجم علاقاتك وإنجازاتك مع كل شئ في الحياة فبجانب علاقتك مع الله أو مع نفسك فأنت تبني علاقات مع الدين والأهل والعائلة والمجتمع والمنطقة والوطن والأرض والعلم والعالم والجامعة والمدرسة وربما حتى علاقة بتخصص معين .. وبناء عليه تحدد حجم ما تريد أن تعطي لكل منها.. وبناء على عطاءك لكل منها ستنجح في ترك الأثر في شئ ما .. ولكن أحذر أن يكون عطاءك مشتتا وسبهلا .. أي غير منظم أو على البركة .. ولاتدعي التوازن المطلق بين الجميع دون أن يكون لك أثرا يرتقي لإحترام العالم لك وقبل ذلك تعتبره ذخرا لك يوم الحساب .. وتذكر قوله تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة" (سورة المدثر: 38).

علم الإلهام وإدارته اليوم غير من تلك القاعدة التي نظرت إلى الحياة من خلال منطلقات حجم الإنتاج.. فالحياة في مفهوم علم الإلهام هي مشروع يشترط ان نكون منفتحين عليها دون أن نتوقع معرفة الحقيقة الكاملة في أي لحظة من اللحظات، وعلينا السعي لإستكشافها من خلال ممكنات نصطنعها لأنفسنا، أو من خلال الإستفادة من فرص تتوفر لنا، فننشغل بحب العطاء والتوافق مع النفس والروح والعقل والقلب على ما نريد أن نستكشف في أنفسنا يحركنا نحو ذلك دافع ذاتي ملئه التجرد المستمر.

تعلمنا الحياة والتجارب كذلك أن الإنسان من الصعب أن يتخلى عن قناعات يعتبرها من المسلمات التي ضحى من أجلها .. ولكنك حينما تتذكر واقع أمتنا اليوم، ستعلم أيضا كم نحن بحاجة لتفكير مرتبط بروح متجددة تنظر إلى ما نستطيع أن نجدد به الأمل، وتستكشف الفرص التي في النهاية تعطينا طعما جديدا للحياة، فتقلل من سلبيات الظروف التي من حولنا، وتعيد فينا الأمل في أننا لسنا مجرد أرقاما فانية بل قدر جميل للوجود.

الحياة تجارب ومصاعب، وعندما يتألم الملهم يصبح كل يوم أكثر حكمة، ويصبح معنى لفشله المتكررة لأنه سيجعله أكثر قوة. فالملهم حينما يبتسم يصبح أكثر تفاؤلا. ولكي نصل لهذه الروح والأحاسيس يجب أن نتوسع في قدرتنا على التحمل والمرونة مع كل الضربات والصدمات والتحديات، تماما كمن يقوم الآن بالتمرن لإستيعاب المزيد من الهواء في رئتيه بعد أن تعود على الكسل وتعودت رئتيه على الهواء القليل، فلا شك أنه في البداية يعاني بشكل كبير ويتألم. فلا يحطمنك الألم البسيط الذي ستعانيه في هذه الرحلة فهي آلام تدل على أن عضلاتك الروحية وقدرتك على الإلهام تتوسع تدريجيا وأنك تتدرج في سلم الصعود نحو تجدد جديد تماما كما تتوسع وتكبر الرئة تدريجيا كلما ازدادت لياقتك.

وأنا أخط بقلمي كل كلمة في هذا الكتاب بعد قراءة الكثير من سير الملهمين بدأت تتكرر في خاطري عن الحياة وهي "أن حياة أي من هؤلاء الملهمين لم يسأل عنها أحد كم من الفترة كانت، ولكن الكل يسأل عن ما هي القيمة المضافة لها"، وبغض النظر عن فترتها. فستجد أن من الملهمين من كانت حياتهم قصيرة جدا، وربما لم تتعدى أعمارهم الخمسينات ومنهم من كانت أعمارهم تصل إلى السبعين أو ما يزيد.

هذا النوع من الخواطر جعلني أجزم بإن أمتنا بحاجة اليوم إلى معالجة جذرية لأسباب عدم قدرتها على إنتاج أمثال الفارابي ومصطفى محمود وزويل ومحمد بن راشد و د فاروق الباز، وتأخرها في العديد من القضايا ومنها على سبيل المثال الإصلاح على مستوى القضاء والإقتصاد والثقافة. هذا التأخر هو ما قلل من عمق نظرتنا لدورنا في الحياة، وبالتالي لم نستطع أن نبني التناغم بيننا وبين بقية العالم المعطاء في الفكر والإبتكار.

إن هذا النوع من الإصلاح في التفكير يتطلب نوعا جديدا من التفكير الغير تقليدي والتحول إلى الإدارة المرنة والإبداعية التي تؤسس تنافسية حقيقية لدورنا في الحياة. فنحن متأخرون ليس لأننا لسنا ملهمون ولكن لأننا قبل كل هذا لا نسعى لأن يكون لنا دورا مهما في الحياة.. ولذا كان الشاعر المفوه الزبيري ينبهنا لهذا فيقول
آه لمصرع أمّة دفنت وما بــــــــــــــــــــــــــــــــــرحت تســــــــــــــــــــــير
كانت أسود الغاب وهي اليوم دودٌ في القبور