English  

كتب الباقة الشعرية الأولى

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الباقة الشعرية الأولى (كتاب)


بأي قافية أستلهم النعما... وأي مفردة استنشد القلما؟... وفي فلسطين أشلاءٌ مبعثرة... وفي فلسطين أهلي أَدْمُعٌ ودِما... تبكي مُطَوَّقَةُ الزيتون غابتها... وكل بسمةِ طفلٍ أصبحت عَدَما... يا أمةً رفع الإيمان هامتها... وأنطلق العدل فيها أحرفاً وفما... وزَيَّن الفاتحون الفُرَّ صفحتها... وثبّت الله تعالى في رضوانه قدما... إلى متى الصبر لا فجرٌ يعانُقنا... ولا أرى فارساً بالله معتصماً... أيسأم الدهر ما للبَغْي ما سئما؟... ويرحل العمر والطاغوت ما هُزِما... مُدّوا إلى الطفل يقلاعاً يُدكَّ به... دبابةً ويُذيقُ الغاصبين عمَى... مدّوا إلى الطفل يا أعمامه حَجَراً... أو فامنحوه سيوفاً بُبَّراً خُذما... وزوّدوه بنعشٍ كل ثانيةِ... فإنه ليرحاب الله تعالى قد عزما... أبى الإقامة فينا، طار مُبْتعَداً... لأنه قطُّ ما غنّى ولا ابتسما... ستون عاماً ولا فجرٌ ولا أملٌ... ولا نهارٌ يبيد الليل والظلما... ستون عاماً وأجيالٌ يمزقها... جيش الطغاة فما استكفى ولا رحما... ومن تهاون في الأقصى وصخرته... فعن قريبٍ يذوق الذُلَّ والندما... وعن قريب يقول الناس قاطبةً...

هنا... هنا الحَرَمُ الاقصى الذي هُدِما... يا غَيْثَ رَحْمةِ ربي حان تدركنا... ولَمْلِمِ الشَّمْلَ، واشفِ الجرح والألما... يا ليل هل للضحى وعدٌ لمنتظرٍ... أم الضحى لم يَعُدْ في دهرنا حُلُما.. بابَسْمَةَ الفتح عودي زيْني زمناً... فشوهاً وأنيري السَّهْلَ والأَلَما... وأيقظي في بلادي النائمين على... شَوْكٍ القتاد وحجرٍ بات مضطر ما.. إنّا وهبناك يا أقصى قصائدنا... وما هبناك كَلْماً إنما كَلِمَا... عَهْداً إلى الله عَهْداً غير حانثةٍ... إذا دعا الفَتْحُ كنا سَيْلَهُ العرما"...

هو الشاعر ينتابه الهم والحزن.. يسمع نداء القدس وامتعصماه... فلا يسمع مجيباً... وتجتاحه مشاعر الخوف على فقدها... ينادي حيّ على الجهاد... ليكون ذاك بمثابة عهدٍ عليه لتلبية نداء القدس... في قصيدته شجن... في قصيدته ألم.. حسرة... تمتزج كلها بمشاعره الصادقة... فتأتي كلماته كبوح عاشق... نابضة بالحياة... ترسم لوحة دافقة ألوانها... رائعة خطوطها... وكأنك تسمع موسيقاها المنسابة على الجرس الشعري عذبة تزيد من روعة القصيد...

وهكذا هو الشاعر صاحب هذه الأوتار... ينظم قصائده شدو، وغناء... تبلغ روعتها مع إتساقها مع المعنى... وكأنك بما حديقة شعرية... يتفيأ القارئ ظلالها... ويقطف من أزهار معانيها، وقد تنوعت أغراضه الشعرية، ولكنه فيها كلها يبثها مشاعره الصادقة... يغني وطنه... اليمن... يغني مصر... يعني الوطن العربي... فالشمّري شاعرٌ منتم إلى وطنه، إلى أمته، إلى تراثه وتاريخه، لذا فهو ببثه الصادق يعبّر عن هذه الفضيلة الراقية ويعيش في وجدانه، ويثري روحه، فتعزف أوتاره حب الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه... وليس أقل من ذلك صرخته من أجل القضية النابضة في عروق الأمة بأسرها، قضية فلسطين، وهو إذ عينه على وطنه اليمن... يفيض قلبه بحب القدس أولى القبلتين وثاني الحرمين... وهو لا يكفّ عن إستلهام فلسطين والتطلع إلى شعبها المكلوم وقضيتها المظلومة...

يطوف الشاعر مع هموم أمته، وقضايا وطنه من المحيط إلى الخليج، ترفّ أجنحة قصائده منطلقة بأنغام شجية... تتردد أصداءها داخل النفس وفي الفؤاد؛ وإن القارئ في قصائده لن تفوته عذوبة تلك المعاني في قصائد الحبّ والعشق... وروعة جرسها الشعري... عزف الشمّري على أوتاره فأطلق أناشيده العذبة كأروع ما يكون الإنشاء... إنه صناجة "اليمن" وشاعرها المُجَلّى، الذي جاء ليعيد للشعر ماضيه، ويهب له مستقبله، تنمو الرؤى في داخله وتستحيل كلمات تنبض بأحلى الصور... وبأحلى المعاني... تتآلف في نسجها لتشكل نهراً من الأنغام.