اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت مملكة الإفرنج قد قامت وثبَّتت أركانها على يد أميرٍ شُجاعٍ مقدامٍ يُدعى «كلوڤيس» كان يتزعَّم إحدى فُروع القبائل الجرمانيَّة التي استقرَّت مُنذُ أواخر القرن الخامس الميلادي، بين نهر الرَّاين وبحر الشمال في إقليم الفلمنك وما إليه، ثُمَّ على ضفاف الرَّاين الوُسطى والموزل. وكان كلوڤيس المذكور قد فتح شمال فرنسا المُعاصرة سنة 486م مُنتزعًا إيَّاه من آخر الوُلاة الرومان الذي كان قد أقام به دولة مُستقلَّة بُعيد انهيار الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة، ثُمَّ حارب القبائل الألمانيَّة القاطنة شرق نهر الرَّاين، وافتتح أراضيها حتَّى باڤاريا. وفي سنة 507م حارب كلوڤيس القوط، وكانوا قد استقرُّوا في الغال (القسم الجنوبي من فرنسا) وقتل ملكهم ألاريك الثاني، واستولى على الأراضي الواقعة ما بين نهر اللوار وجبال البرتات، عدا ولاية سپتمانية التي بقيت في يد القوط. وهكذا أرسى كلوڤيس قواعد دولته الكبيرة، وجعلها مملكةً عُظمى تربَّع هو على عرشها لِيكون أوَّل مُلوك الإفرنج عامَّةً ومُؤسس الأُسرة الميروڤنجيَّة، واتخذ تخت مُلكه في مدينة بريش (باريس)، فأصبحت عاصمة بلاد الفرنجة مُنذ ذلك الحين. تابع أبناء كلوڤيس وخُلفاؤه من بعده سياسة الفتح، وافتتحوا بورغندية وأواسط جرمانية وشمالي شبه الجزيرة الإيطاليَّة. ثُمَّ وقعت الحرب الأهليَّة حينًا بين أُمراء الإفرنج الذين اقتسموا تُراث كلوڤيس، حتى جاء كلوتير الثاني سنة 613م فبسط سُلطانه على الغال كُلها، واستأنف الفتح لإخضاع باقي الإمارات الإفرنجيَّة الواقعة شرقيَّ الرَّاين. وسار ولده داگوبرت في أثره، وجمع كلمة الفرنجة تحت لواءٍ واحدٍ، وغلبت سلطة الإفرنج على جرمانية الغربيَّة ثانيةً. كان داگوبرت آخر المُلوك الميروڤنجيين الذي استطاع أن يقبض على زمام السُلطة المركزيَّة بِيدٍ قويَّة، أمَّا خُلفاءه فكانوا رجالًا ضِعاف الخِلال والعزائم، مُنغمسين في الترف والملذَّات، فضعُف سُلطان العرش، وانهارت السُلطة المركزيَّة القويَّة التي كان يقبض عليها ملكُ الفرنجة، واستقلَّ الأشراف والزُعماء المحليُّون وأصبح كُلٌ منهم الآمر الناهي في إقطاعه، ولا يرتبط بِالسُلطة المركزيَّة في بريش إلَّا إسميًّا.
نتيجة ضعف المُلُوك وتراجع سُلطانهم، برزت في تلك الفترة سُلطة سياسيَّة جديدة في البلاط الإفرنجي هي سُلطة الحاجب، الذي عُرف باسم «مُحافظ القصر» أو «ناظر العرش» (باللاتينية: Maior domus)، وكان هذا المنصب في المبدأ مُتواضعًا، ليست له أية صفة سياسيَّة أو إداريَّة، تقتصر مهامُه على النظر في شُؤون القصر المنزليَّة، ولكنَّهُ غدا منذ أوائل القرن السابع الميلاديّ، منصبًا هامًّا، يتولاه رجالٌ أقوياء يتطلَّعون إلى السُلطة، وأصبح بمضيِّ الزمن أهم مناصب المملكة الإفرنجيَّة السياسيَّة والإداريَّة، يستأثر صاحبه بِكُل السُلطات الحقيقيَّة، وإليه مُنتهى الأمر في أخطر شُؤون الدولة، يُباشرُها باسم العرش ومن ورائه، ولا يُباشر الملك إلى جانبه غير رُسوم المُلك الإسميَّة، ويلتف حوله الزُعماء والأكابر، ويُباشر في مُعظم الأحيان سُلطة الملك الحقيقيَّة، خُصوصًا إذا كان الملك طفلًا قاصرًا، فهو عندئذٍ يغدو الملك الحقيقي باسم الوصي أو النائب. كانت الأُسرة القارليَّة (الكارولنجيَّة) القويَّة قد اختصت بهذا المنصب الخطير، منذُ عهد الملك داگوبرت، وأخذت تُهدد بِنُفُوذُها وقُوَّتها مصير الأُسرة الميروڤنجيَّة الملكيَّة. وكان القارليُّون أقوى بُطون الإفرنج في أوستراسيا (إفرنجية الشرقيَّة)، فامتلكوا ضياعًا شاسعةً ما بين نهري الرَّاين والموزل وتزعَّموا جماعة النُبلاء، وتولُّوا منصب رُعاة الكنيسة، ومُنح زعيمهم مُحافظ القصر لقب «دوق الإفرنج» تنويهًا بِرياسته وسُلطانه، الذي أصبح فوق سُلطان العرش. وكان انحلال الأُسرة الميروڤنجيَّة وانهيار سُلطانها سببًا في تفرُّق كلمة الفرنجة وانحلال المملكة الإفرنجيَّة الشاسعة، وتطلُّع الزُعماء إلى الاستقلال والرياسة، أُسوةً بما انتهى إليه مُحافظ القصر؛ فأُضرمت نيران الحرب الأهلية حينًا بين الإفرنج في أوستراسيا والإفرنج في نيوستريا (إفرنجية الغربيَّة)، وأسفر هذا الصراع عن استقلال ولاية أقطانية في غالة الجنوبيَّة، وكذلك استقلال مُعظم الولايات الجرمانيَّة، ِبرياسة طائفة من الأُمراء الأقوياء.
آل منصب المُحافظ في أواخر القرن السابع الميلاديّ إلى أميرٍ مقدامٍ جريءٍ من الأُسرة القارليَّة، هو پپين الهرشتالي (بالفرنسية: Pépin d"Héristal)، فحارب الخارجين عن طاعته في فريزيا وسكسونيا وباڤاريا وأخضعهم، ولبث مُحافظًا لِلقصر يحكم مملكة الفرنجة في الشرق والغرب بِقُوَّةٍ وعزمٍ، مدى سبعةٍ وعشرين عامًا، ثُمَّ تُوفي سنة 715م موصيًا بِمنصبه لحفيده الطفل تودفالد، ولد ابنه گريمولد الذي قُتل قبل وفاته. وكان لِپپين الهرشتالي ولدٌ آخر من زوجته «ألفايده»، وهو قارلة (كارل أو شارل) مارتل، تركه أبوه فتًى قويًّا في نحو الثلاثين من عُمره، وكان من الطبيعي أن يكون هو مُحافظ القصر بعد وفاة أخويه الكبيرين گريمولد ودروگو. ولكنَّ پپين تأثَّر بِتحريض زوجه الأولى «بلكترود» وأوصى بِالمنصب لِحفيده، فكان مُحافظ القصر طفلًا هو تودفالد، يحكم مكان الملك الميروڤنجي وهو طفلٌ أيضًا، بِواسطة بلكترود التي عُيِّنت وصيَّة على حفيدها.
وكان أوَّل ما فعلت بلكترود أن قبضت على قارلة، وزجَّتهُ إلى السجن لتأمن شرَّه ومُنافسته. ولكنَّ أشراف إفرنجية الشرقيَّة ساءهم أن تتولَّى الحُكم امرأة. فثاروا ونادوا بأحد زعمائهم «راگنفرد» مُحافظًا لِلقصر، ونشبت الحرب بين الفريقين، وهُزم حزب بلكترود، فارتدَّت مع حفيدها إلى كلونية، وقبض راگنفرد على زمام الحُكم. وفي تلك الأثناء فرَّ قارلة من سجنه، والتف حولهُ جماعة من أنصار أبيه، وحارب الفرنجة الشرقيين، فاستغاث راگنفرد بالدوق أودو أمير أقطانية القوي، فلم يُغنه ذلك شيءًا، وانتهى قارلة بأن هزمه ومزَّق قُوَّاته، واضطره إلى التسليم والصُلح. أما بلكترود فقد عقدت الصُلح أيضًا، وتنازلت عن كُل حقوقها. وغدا قارلة مارتل مُنذ سنة 720م مُحافظًا لِلقصر لا يُنازعه مُنازع، يحكم جميع الفرنجة في القسمين الشرقي والغربي من المملكة، وعند هذه النُقطة كان المُسلمون قد فرغوا من فتح الأندلُس وطرقوا باب الغال.