اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بقلم: د. عدنان بوزان
في زمنٍ يتكاثر فيه الصمت حتى يغدو لغةً بديلة، يعود ديوان “أين دمي يا رائحة الدردار” ليطرح سؤاله الأول والأبدي: أين دمي؟
سؤالٌ لا يُقال ليُجاب، بل ليبقى مفتوحاً كجرحٍ في الذاكرة، وكنافذةٍ على تاريخٍ لم يُغلق بعد.
هذا الديوان، في طبعته الثانية، ليس إعادة نشرٍ لنصوصٍ قديمة، بل عودةُ كائنٍ شعريٍّ حيٍّ نجا من الزمن، ليواجه القارئ من جديد بأسئلته الأكثر قسوة وصدقاً. كُتب في عام 2009، في لحظةٍ كانت فيها الأسئلة تتشكّل بصمت، قبل أن تتحول لاحقاً إلى وقائع تمسّ الإنسان في عمقه ووجوده.
بين صفحاته، تمتد القصائد كمساحة توتر بين الذات والوطن، بين الحب والفقد، بين الحنين والغضب، في لغةٍ كثيفة تستدعي القارئ لا للقراءة فقط، بل للمشاركة في الألم، والتأمل في المعنى، والإنصات لما بين الكلمات.
تتحول “رائحة الدردار” من عنصرٍ طبيعي إلى رمزٍ للذاكرة، وشاهدٍ صامت على ما لا يُقال. ومن هذا التداخل بين الطبيعة والتاريخ، ينبثق السؤال المركزي: أين الدم؟
هل هو دم الفرد المهدور؟ أم دم الجماعة المبعثر في خرائط السياسة؟ أم هو ذلك الدم الرمزي الذي يذوب حين يفقد الإنسان معناه؟
في هذا العمل، يتقاطع الشعر مع الهمّ الإنساني والسياسي دون أن يتحول إلى خطابٍ مباشر، بل يظل تجربةً وجودية تنبض بالصور، وتقاوم النسيان عبر اللغة. هنا تصبح القصيدة كائناً حياً يتألم، يتمرد، ويبحث عن خلاصه داخل النص ذاته.
إن إعادة نشر هذا الديوان اليوم ليست استعادةً للماضي، بل إعادة فتحٍ للأسئلة في زمنٍ جديد، حيث تتغير القراءات، وتتسع الدلالات، ويظل النص مفتوحاً على احتمالاته الإنسانية والفكرية.
“أين دمي يا رائحة الدردار” ليس مجرد ديوان شعري، بل محاولةٌ للقبض على المعنى في لحظة الانكسار، وكتابة الذاكرة وهي تواجه صمت العالم، وطرح السؤال الأخير في وجه الغياب:
من نحن حين يفقد الدم معناه؟