اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
صدر كتاب أصول النظام السياسي عام 2011، يشرح فوكوياما جذور المؤسسات السياسية من عصور ما قبل التاريخ وحتى الثورة الفرنسية وهو الجزء الأول من كتاب آخر صدر عام 2014 بعنوان النظام السياسي والاضمحلال، والذي استمر فيه بتحليل المؤسسات السياسية منذ الثورة الفرنسية وحتى الوقت الحالي. كان كتاب صامويل هنتجتون النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة الصادر عام 1968 الإلهام خلف كتاب فوكوياما. يقول فرانسيس بأن أطروحة هنتغتون تعد أحد الجهود الأخيرة في مجال التنمية السياسية. فقد أسست الأفكار الأساسية للسياسة المقارنة بما في ذلك نظرية الاضمحلال، ومفهوم التحديث السلطوي، وحقيقة أن التنمية السياسية مجال منفصل عن غيره من جوانب التحديث. صدر كتاب صامويل هنتغتون عام 1968 أي بعد عقد أو اثنين تقريباً من بدء موجة التحرر من الاستعمار الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، والكثير من استنتاجاته عكست اضطرابات تلك الفترة بكل ما فيها من حروب أهلية وانقلابات. ولكن بعد سنوات، شهد العالم تغيرات هامة ومفصلية مثل النهضة الاقتصادية في شرق آسيا، انهيار الشيوعية، تسارع وتيرة العولمة، وما سماه هتنغتون نفسه بالموجة الثالثة من عملية الدمقرطة حول العالم وهي الديمقراطية الليبرالية كنموذج حكم مقبول من كافة أطراف الساحة السياسية في أي بلد.
ولكن النظام لا يزال هدفاً صعب المنال في كثير من المناطق، فشعر فوكوياما بضرورة العودة إلى كتاب هتنغتون حول "النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة" والتوسع فيه ومحاولة تطبيق أفكاره الأساسية في عالم اليوم. يرى فوكوياما بأن صامويل هنتغتون ناقش قضية التحديث السياسي في الدول النامية ولكنه لم يأخذ المرحلة المتقدمة للتاريخ البشري بعين الاعتبار، فكثير من الدول النامية التي تعاني من التخلف السياسي يوجد بها أحزاب سياسية، هيكل للدولة، جيش، ومنظمات. لم يشرح هنتغتون من أين يأتي النظام في المقام الأول بالنسبة لمجتمعات متخلفة كثير منها قديم بالفعل، الدول ليست حبيسة ماضيها ولكن الكثير من الأحداث التي وقعت قبل مئات وربما آلاف السنين لا تزال تؤثر على طبيعة ثقافتها السياسية. فإن كان ولابد من دراسة وفهم عمل المؤسسات السياسية الحديثة، يجب دراسة أصولها والظروف التي ساعدت على تشكيلها. يقول فوكوياما :
يناقش فوكوياما الأسباب التي جعلت الكثير من الدول حيث قامت ثورات أو انقلابات أو أي نوع من الاضطرابات المصاحبة لتغيير النظام السياسي، تقف في "منطقة رمادية" فلا هي بالسلطوية ولا بالديمقراطية. قادتها "منتخبون" ولكنهم مشغولون بشراء وسائل الإعلام أو إغلاقها، التضييق على المعارضة، التلاعب بالانتخابات، والاستيلاء على مؤسسات الدولة وشخصنة شروط الحياة السياسية. وهو ما خلق قلقاً إزاء قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية التي يتوقعها المواطنون عادة من حكوماتهم، لأن الفشل في تطبيق وعود أي نظام سياسي هي أكبر تحدياته الوجودية قبل أي شيء آخر. الديمقراطية الليبرالية يقول فرانسيس، ليست مجرد صندوق إقتراع بل حزمة معقدة من المؤسسات التي تقيد وتنظم السلطة بالقانون وبنظام من التوازنات والضوابط. هذه الاضطرابات مشاهدة في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وأجزاء من أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والجزر الصغيرة في المحيط الهادي.
مثل ما حدث في أوكرانيا عقب الثورة البرتقالية عام 2004 التي اندلعت ضد فساد رئيس الوزراء فيكتور يانكوفيتش وتلاعبه بنتائج الانتخابات، وهو ما أدى إلى صعود فيكتور يوشتشينكو خلفاً له. ولكن تحالف البرتقاليين أثبت أنه غير مسؤول وخيب آمال مؤيديه فكانت النتيجة إعادة انتخاب يانكوفيتش مجدداً عام 2010. أميركا اللاتينية لديها أكبر نسب من عدم المساواة الاقتصادية في العالم وغالباً ما يأخذ التفاوت الطبقي أشكالاً إثنية، فصعود شعبويين مثل هوغو تشافيز وإيفو مورالس ما هو إلا عرض من أعراض عدم المساواة التي يشعر بها كثير من المواطنين إسمياً في القارة اللاتينية، سواء في الأوضاع أو الفرص المتاحة. تفاوت المداخيل أمر طبيعي شريطة إدراك الناس أن الفرصة متاحة لهم ولأبنائهم لتحسين ظروفهم الاقتصادية وضرورة التحقق الدائم من شرعية الوسائل التي جمع بها الأثرياء ثرواتهم، هكذا يفكر الأميركيون العاديون على الأقل.
الهند دولة ديمقراطية ناجحة منذ تأسيس الدولة القومية عام 1947، وهو نجاح مبهر نظراً لتنوعها الديني والإثني وحجم مساحتها الجغرافية. مع ذلك، الديمقراطية الهندية تعاني من اختلالات جوهرية مثل حقيقة أن ثلث المشرعين الهنود تحت شكل من أشكال الاتهام الجنائي وبعضهم لجرائم خطيرة مثل القتل والاغتصاب. ذلك لأن السياسيين الهنود يمارسون سياسات زبائنية، حيث يحصلون على الأصوات الانتخابية مقابل خدمات ومنافع مباشرة للناخبين أو ممثليهم الاجتماعيين. ودائماً ما تتم مقارنة سياسات الفساد الهندية بالعملية والفعالية الصينية، فالصينيين ليسوا ملزمين بسيادة قانون أو مساءلة للحكومة ما أرادوا بناء سد جديد أو تجريف حي سكني بأكمله لبناء مشروع إستثماري، تمهيد طريق أو بناء مطار. هذه كلها تحديات للديمقراطية وتؤكد حقيقة أن المؤسسات السياسية تتطور بشكل بطيء ومؤلم أحياناً حتى تتعلم المجتمعات التغلب على بيئتها.
هذا الكتاب في جزء كبير منه وإن كان توسعة لأفكار صامويل هنتغتون عن التنمية السياسية وضرورة اعتبارها مجالاً رئيسياً وليست مجرد ظاهرة ثانوية للهياكل الاقتصادية، هو تكملة لكتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير. يقول فوكوياما أن الخلل ليس في مفهوم الديمقراطية نفسه، فعدد قليل من الناس حول العالم معجب بالـ"قومية البترولية" لفلاديمير بوتين، إشتراكية هوغو تشافيز، إسلامية النظام في إيران، أو الرأسمالية التسلطية في الصين التي ليس من السهل توصيفها أو محاكاتها. فكل هذه النماذج وغيرها كثير، حريصة على تبني مظاهر ديمقراطية سطحية مثل الانتخابات الصورية والتلاعب بالاعلام لشرعنة أنظمتها أمام مواطنيها. فهذه هي قوة الديمقراطية الليبرالية، تجبر السلطويين على مجاملتها بالتظاهر أنهم ديمقراطيين. يقول أمارتيا سن :
معظم الناس تفضل العيش في مجتمعات ديمقراطية حيث يمكنهم مساءلة حكومة فعّالة تقدم الخدمات التي يطالبون بها في وقت قياسي ومنخفض التكلفة. إذن المشكلة في ضعف وفساد المؤسسات السياسية وافتقارها للقدرات والكفاءة. احتجاجات الربيع العربي التي نادت بتغيير الأنظمة وإستبدالها بديمقراطيات متجاوبة لم يكن لها لتنجح دون إدراك المحتجين أن أمامهم طريقاً طويلاً وشاقاً لبناء مؤسسات سياسية تستطيع توفير الديمقراطية والحفاظ عليها، فالنظام السياسي لا يتشكل تلقائياً فور إسقاط أشكال الحكم الغير مرغوبة. اعتبار المؤسسات السياسية من المسلمات أمر شائع ولم يتحدث عن ضرورة تحديثها سوى قلة من علماء السياسة، بل إن العديد من المنظرين السياسيين سواء في اليسار أو اليمين، روادتهم العديد من الأوهام بانتهاء السياسة كلياً.
كارل ماركس تنبأ بـ"ذبول الدولة" فور نجاح ثورة البروليتاريا في إلغاء الملكية الخاصة. اليساريين الأناركيين أو الثوريين منذ القرن التاسع عشر وهم يروجون لتدمير هياكل السلطة القديمة دون تفكير جدي عن البديل الذي سيأخذ مكانها. بالتأكيد، الأنظمة الشيوعية الحقيقية فعلت عكس ما تنبأ به ماركس تماماً، فقد بنو هياكل دول إستبدادية كبيرة قادرة على إجبار الناس التصرف بشكل جماعي ما فشلوا في تحقيق ذلك من تلقاء أنفسهم. أوهام إلغاء السياسة والسيادة أكثر وضوحاً في اليمين، حيث يعتقد بعض هولاء أن اقتصاد السوق سيقلل من لزمة الحكومات أو يجعلها غير ذي صلة بالمرة. الاقتصاد الرأسمالي العالمي يلغي سيادة الحكومات الديمقراطية ويستبدلها بسيادة السوق، إذا صوت مجلس تشريعي لصالح فرض قيود مشددة على التجارة، سيعاقب ويُجبر على تبني سياسات يعتبرها اقتصاد السوق العالمي عقلانية. أحلام اليمين التقليدية بالغاء الدولة أو تقليصها إلى أقصى درجة ممكنة غالباً ما تجد لها أنصاراً متعاطفين في الولايات المتحدة مثل الليبرتاريين الذين جادلوا بضرورة التخلص من مجلس المحافظين للنظام الاحتياطي الفيدرالي وإدارة الغذاء والدواء وحتى وكالة الاستخبارات المركزية.
يقول فوكوياما أن الجدال حول حجم الحكومات الحديثة مشروع، فقد نمت بشكل كبير يحد من النمو الاقتصادي والحرية الفردية. من حق الناس أن يشتكوا من البيروقراطية الغير متفاعلة، فساد السياسيين، وطبيعة السياسة التي أصبحت بلا مبادئ بشكل متزايد، كل هذه جدالات مشروعة ولكنه دليل على اعتبار مؤسسات الدولة من المسلمات في الغرب، وشاهد على عدم إدراك كيفية وجودها بالشكل التي هي عليه حالياً. لا يدرك هولاء أن أحلامهم بتقليص الدولة ممارسة فعلياً في مناطق كثيرة من الشرق الأوسط وأفريقيا، من الصومال إلى ليبيا واليمن ودول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث لا تستطيع الدول جمع أكثر من 10% من عوائد الضرائب في الناتج المحلي الإجمالي. عوضاً عن "إطلاق روح المبادرة"، هذا المعدل المنخفض من الضرائب يعني أن الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم إلى مجرد ملء الحفر في الطرقات بحاجة ماسة إلى التمويل، البنية الأساسية للاقتصاد الحديث مثل الطرق وأنظمة المحاكم والشرطة في عداد المفقودين.
المؤسسات السياسية ضرورية وليست أمرا مفروغا منه. اقتصاد السوق والمستويات العالية من الثروة لا تظهر بطريقة سحرية لأنها تستند على أساس مؤسسي خفي مبني على حقوق الملكية، سيادة القانون، ونظام سياسي.السوق الحرة والمجتمع المدني القوي، كلها عناصر هامة لديمقراطية تعمل، ولكن لا شيء يمكن أن يحل محل وظائف الحكومة الهرمية القوية. يتزايد اعتراف الاقتصاديين سنة تلو الأخرى أن مشكلة الدول الفقيرة ليس في افتقارهم إلى الموارد، بل في فقرهم إلى مؤسسات سياسية فعالة. لذلك، هذا الكتاب يوفر فهماً أفضل حول أصل هذه المؤسسات وكيفية الانتقال من الصومال إلى الدنمارك.