اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ينقسم إرث الهويّة الثقافية في أوروبا إلى أوروبا الغربية ذات الخلفية الثقافية الكاثوليكية - البروتستانتية والتي يعود مهدها إلى اليونان ثم قويت وانتشرت على يد الرومان، وبعدها اعيدت صياغتها وطورت خلال عصر النهضة والإصلاح البروتستانتي وعصر الأنوار في القرن الخامس عشر، وفي النهاية نشرت عالميًا عقب عصر الاستكشاف والثورة الصناعية على يد الإمبراطوريات الاستعمارية والتي نشرت ثقافة ونمط حياة الأوروبيين خلال فترة القرن السادس عشر والقرن العشرين؛ في حين أنّ تعود جذور إرث الهويّة الثقافية في أوروبا الشرقية إلى تراث وإرث الإمبراطورية البيزنطية وحضارة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية وثقافة الأمم السلافية إلى جانب الإرث العثماني الإسلامي في دول البلقان. وقد وضعت الأساس للثقافة الأوروبية من قبل اليونانيين، وعززت من قبل الرومان، واستقرت وتشكلت من قبل المسيحية، أصلحت خلال عصر النهضة في القرن الخامس عشر، والاصلاح البروتستانتي، وتم تحديثها خلال القرن الثامن عشر من التنوير والعولمة من قبل الإمبراطوريات الأوروبية المتعاقبة بين القرنين السادس عشر والعشرين.
تعتبر اليونان القديمة وروما القديمة مهد الحضارة الغربية؛ حيث أثرت الأولى على الفلسفة والديمقراطية والعلوم والفن وتصميمات المباني والهندسة المعمارية؛ في حين أثرت الأخيرة على القانون، والحرب، ونظام الحكم، والجمهورية، والهندسة والدين. كما تأسست الحضارة الغربية على الكنيسة الرومانية الكاثوليكية والكنائس البروتستانتية المختلفة. قبل الحرب الباردة، حددت وجهة النظر الغربية التقليدية الحضارة الغربية مع الدول الغربية المسيحية ذات التقاليد والثقافة الكاثوليكية والبروتستانتية. وفي العصر الحديث، تأثرت الثقافة الغربية بشكل كبير بنهضة عصر النهضة، وعصر الاكتشاف والتنوير، والثورة الصناعية. من خلال الإمبريالية الواسعة والتنصير من قبل القوى الغربية في القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، تأثر الكثير من بقية مناطق العالم بالثقافة الغربية.
أوروبا، خاصًة في اليونان القديمة وروما القديمة، هي مهد الحضارة الغربية المؤثرة على العالم. وقد لعبت دورًا بارزًا في الشؤون العالمية بدءًا من القرن الخامس عشر، وخاصة عقب بداية الاستعمار. حيث أن بين القرنين السادس عشر والعشرين، سيطرت الدول الأوروبية في أوقات مختلفة على الأمريكتين، ومعظم أفريقيا وأوقيانوسيا، وأجزاء كبيرة من آسيا. ما أدى إلى انتشار الثقافة الأوروبيَّة عالميًّا.
وفقًا للمؤرخ هيلير بيلوك، لقرون عدة شعوب أوروبا اعتمدت على تحديد هويتها الذاتية الجامعة بناء على آثار ما تبقى من الثقافة الرومانية، وعلى مفهوم العالم المسيحي، وذلك لأن العديد من الأوروبيين تحالفت على صعيد تحالفات عسكرية نتيجة لطابع ديني: الحروب الصليبية (1095-1291 )، وحروب الإسترداد (711-1492)، ومعركة ليبانتو (1571).
يشير مصطلح اليونان القديمة إلى الفترة الكلاسيكية من التاريخ اليونانى بدءاٌ من العصر اليونانى المظلم 1100 قبل الميلاد وغزو دوريان، في 146 قبل الميلاد، والغزو الروماني لليونان بعد معركة كورنث. كثيرًا ما ينظر إلى اليونان القديمة باعتبارها الثقافة الأصيلة التي وضعت الأساس للحضارة الغربية خلال العصر الذي يعرف بالعصر الهلنستي.
لقد كان للثقافة اليونانية تأثير قوي على الإمبراطورية الرومانية، التي حملت نسخة منه إلى أجزاء كثيرة من منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. كما كانت لحضارة الإغريق القديمة تأثيرا هائلا على اللغة والسياسة والنظم التعليمية، والفلسفة، والعلوم، والفنون، فأعطت أصالة لتيار النهضة خلال عصر التنوير في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر بأوروبا الغربية، واستعادة النشاط مرة أخرى خلال العديد من النهضات الكلاسيكية الحديثة في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر بأوروبا والأمريكتين.
ابثقت حضارة روما القديمة عن مجتمع زراعي صغير في شبه الجزيرة الإيطالية في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد. ظهرت على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط وأصبحت واحدة من أكبر إمبراطوريات العالم القديم.
تحولت الحضارة الرومانية عبر تاريخها من الحكم الملكي إلى حكم الأقلية الجمهورية ثم إلى إمبراطورية استبدادية على نحو متزايد. سيطرت روما على جنوب غرب أوروبا وجنوب شرق أوروبا والبلقان وحوض البحر الأبيض المتوسط عن طريق الغزو والضم.
أصيبت الإمبراطورية الرومانية بعدم الاستقرار الداخلي وبهجمات الشعوب المهاجرة، وهكذا انفرط عقد الشطر الغربي من الإمبراطورية بما فيه إيطاليا وهسبانيا والغال وبريطانيا وأفريقيا وتشكلت ممالك مستقلة مكانها في القرن الخامس الميلادي.
أما الإمبراطورية الرومانية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية فضمت اليونان وآسيا الصغرى وسوريا ومصر ونجت من تلك الأزمة. على الرغم من خسارتها لسوريا ومصر أمام جيوش الإمبراطورية الإسلامية العربية فقد استمرت الإمبراطورية البيزنطية لألفية أخرى، حتى سقوط القسطنطينية بيد الدولة العثمانية التركية.
غالبًا ما تصنف الحضارة الرومانية من ركائز الحضارة الغربية الرئيسية وضمن "العصور القديمة الكلاسيكية" مع اليونان القديمة التي ألهمت الكثير من ثقافة روما القديمة. ساهمت روما القديمة إلى حد كبير في تطوير الحكومة والقانون والحرب والفن والأدب والهندسة المعمارية والتكنولوجيا والدين واللغة في العالم الغربي ولا يزال تاريخها ذا تأثير كبير على العالم اليوم.
كانت المسيحية ركن القاعدة الثقافية الأوروبية وفي مناسبات محددة الركن الوحيد للهوية الأوروبية، خاصةً عندما سعت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لبسط نفوذها الثقافي ومن ثم السياسي على الغرب الأوروبي، فالأممية المسيحية أو مفهوم العالم المسيحي ظل قوة سياسية ودافعًا فكريًا وعقائديًا وسياسيًا أثر مباشرة على المسيرة السياسية الأوروبية، بل إنه أصبح لب فكرة «المفهوم الغربي»، وقام باستبدال المفهوم الجغرافي الأوروبي الضيق أو الروماني المحدود وأصبح يمثل شرعية جديدة بدأت تترسخ داخل الشعوب الأوروبية والوجدان السياسي فيها، وأصبح هذا المفهوم يمثل الشرعية السياسية والدينية على حد سواء. وكانت الثقافة المسيحية هي القوة الغالبة في الحضارة الغربية، وتوجيه مسار الفلسفة، والفن، والعلوم. وترتبط فكرة "أوروبا" و"العالم الغربي" ارتباطًا وثيقًا بمفهوم "العالم المسيحي"، حتى أن الكثير من المؤرخين ينسب الهوية الأوروبية للمسيحية لكونها الرابط الذي أوجد هوية أوروبية موحدة.
ويقول الشاعر والمسرحي والناقد الأدبي والحائز على جائزة نوبل في الأدب توماس ستيرنز إليوت في علاقة المسيحية مع الثقافة الأوروبية: