اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو القاسم الأنصاري المتوفى سنة 511 هـ أو 512 هـ، اسمه سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري، تلميذ إمام الحرمين. كنيته أبو القاسم الأنصاري، يلقب بالأستاذ الإمام، ناصر السنة، إمام المتكلمين، سيف النظر. ونسبته إلى نيسابور. عالم مسلم من علماء السنة أشعري العقيدة، شافعي المذهب، من أعلام الصوفية وكبار علماء علم الكلام، اهتم بعلم الكلام، وأصول الدين، والتصوف، وعلم التفسير، وعلم الحديث. ومن أبرز شيوخه أبو المعالي الجويني وأبو القاسم القشيري، ومن أبرز تلاميذه أبو الفتح الشهرستاني وضياء الدين أبو القاسم الرازي (والد الإمام فخر الدين الرازي) ومن مؤلفاته شرح الإرشاد والغنية في الكلام. عاش فترة ما بين النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ومطلع القرن السادس، في ظل الخلافة العباسية التي امتد سلطانها زهاء خمسة قرون. وكانت وفاته سنة خمسمائة وأحد عشر أو في السنة الثانية عشرة بعد الخمسمائة الهجرية.
في العصر الذي عاش فيه أبو القاسم الأنصاري كانت الدولة الفاطمية تحكم بلاد المغرب ومصر، والأمويون يحكمون قرطبة، والدولة الغزنوية تحكم بلاد الأفغان والبنجاب[؟] وخراسان[؟] من بلاد فارس[؟]، وحكم بنو بنويه بلاد فارس وامتد حكمهم إلى جنوب العراق. أما الإقليم الذي كان يعيش فيه الأنصاري: وهي بلاد نيسابور من بلاد ما وراء النهر، فقد كانت تحت سلطان الدولة الغزنوية حتى سنة 429 هـ، ثم الدولة السلجوقية بعد ذلك؛ إذ كان يحكمها - أول أمرها - السلطان محمود بن سُبُكْتَكِين الغزنوي، الذي توفي سنة 421 هـ ثم أوصى بالمُلك لابنه محمد.
لم يذكر أحد ممن ترجموا له سنة مولده، لكن - بدلالة شيوخه الذين عاصرهم وتلقى عنهم العلم وبدلالة سنة وفاته - نستطيع أن نحكم أن أبا القاسم عاش فترة ما بين النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ومطلع القرن السادس، في ظل الخلافة العباسية التي امتد سلطانها زهاء خمسة قرون.
سلمان بن ناصر بن عمران بن محمد بن إسماعيل بن إسحاق بن يزيد بن زياد بن ميمون ابن مهران، أبو القاسم، الأنصاري النيسابوري. هذ التسمية هي الأرجح، وقد خالف عدد قليل ممن ترجموا للأنصاري؛ فبعضهم سماه: "سليمان" بدلاً من: "سلمان"؛ ولعل هذا راجع إلى تصحيف في نسخ الكتب التي ورد فيها تسميته "سليمان"؛ لكثرة من سماه "سلمان" ممن ترجم له، وكذلك لقرب الاسمين في الشكل مما يجعل تصحيف سلمان إلى سليمان ليس مستبعداً، ومما يؤكد أن اسمه سلمان أن ابن قاضي شهبة في ترجمته للأنصاري ذكر أن اسمه سلمان، ثم ضبط اسمه بالحروف؛ فقال: سلمان بفتح السين؛ مما ينفي احتمال أن يكون اسمه سليمان. ومن الخلاف أيضاً في اسمه أن النسخة الخطية لكتاب الغنية في الكلام بها مغايرة في كنيته؛ حيث إن كنيته على المخطوط أبو الفتح، وهذا أيضاً وهم من الناسخ أو أحد ممن ملكوا المخطوط؛ فأبو الفتح إنما هي كنية ولده ناصر بن سلمان الأنصاري النيسابوري، كما أن أحداً ممن ترجموا لأبي القاسم لم يُكنِّه بهذه الكُنية.
أبو القاسم أنصاري النسب، نيسابوري المنشأ والمربى: بلده نيسابور؛ فيها نشأ وتربى، وهذه النسبة اتفق جميع من ترجم له عليها، وزاد الزركلي في الأعلام أنه أرغياني من أرغيان؛ بلدة من نواحي نيسابور، إلا أنه لم يبين مصدر هذه المعلومة.
اشتهر الأنصاري بين العلماء بأبي القاسم الأنصاري، وقد اشتهر عدد من العلماء بهذه التسمية، ولعل هذا ما جعل بعض العلماء يزيد اسمه بياناً فيقول: أبو القاسم الأنصاري النيسابوري، وهناك أبو القاسم النيسابوري المعروف ببيان الحق أيضاً لكنه لا يوصف في نسبه بالأنصاري، وهو أيضاً ممن يشتبه بالأنصاري. كما اشتهر الأنصاري أيضاً بتلمذته لإمام الحرمين الجويني؛ فأطلق عليه أحياناً بتلميذ إمام الحرمين، وأحياناً أخرى تلميذ أبي المعالي، وقد يعرفونه بشارح الإرشاد، وأحياناً يعرف الأنصاري بمشيخته للشهرستاني أشهر تلاميذه فيقال شيخ الشهرستاني.
لم يذكر أحد ممن ترجم لأبي القاسم سنة مولده، إلا أننا - عن طريق بعض القرائن - نستطيع أن نحكم أن أبا القاسم الأنصاري ولد في أوائل العقد الرابع من القرن الخامس (430 هـ) أو بعدها بقليل؛ وقرائن هذا الحكم هي: أولاً: تلمذة الأنصاري لفضل الله الميهني المتوفى سنة 440 هـ، وهو ممن روى عنهم الأنصاري، ولن تكون روايته دون السادسة أو الثامنة من عمره؛ حتى يتأهل لحملها، وعلى هذا التقدير تكون ولادة الأنصاري قبل سنة 434 هـ على الأقل. ثانياً: ذكر الذهبي عن أبي القاسم أنه مات عن سن عالية وفي هذا إشارة إلى أن الأنصاري عُمِّر، ولعله بلغ الثمانين؛ إذ السن العالية تكون ما بعد السبعين، وهذا يفيد تقدم مولد أبي القاسم.
تتلمذ أبو القاسم الأنصاري على عدد من أجلة علماء عصره في علوم شتى؛ كالحديث والتصوف وعلم الكلام، ومن هؤلاء الشيوخ الذين تخرج الأنصاري على أيديهم وفي علمهم:
وقد أكثر ابن عساكر، وكذلك الذهبي، وابن حجر[؟]، من النقل عن تاريخه؛ فهو بحق مؤرخ علماء الأشاعرة[؟]، قبل ابن عساكر، ذكره الذهبي وغيره فيمن روى عنهم أبو القاسم الأنصاري.
تتلمذ الأنصاري على أبي القاسم القشيري؛ عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة ابن محمد أبو القاسم القشيري النيسابوري، قدم بغداد سنة 448 هـ، وكان ثقة، يعرف الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشافعي، وكان مولده في ربيع الأول من سنة 376 هـ، وتوفي بنيسابور في سنة 465 هـ. ويبدو أن علاقة الأنصاري بأبي القاسم القشيري كانت أكبر من علاقة التلميذ بالشيخ؛ بل كانت علاقة المريد والخادم بالمربي والمرشد؛ فقد خَدَمَ الأنصاري أبا القاسم القشيري مدة، وحصل طرفاً صالحاً من العلم منه.
ومن أهم تلاميذه:
ولم تقتصر مشيخة الأنصاري للشهرستاني على علم الكلام، بل تعدتها إلى تعليمه قواعد الأخلاق وآداب السلوك، وتفسير القرآن؛ حتى قال الشهرستاني في وصف شيخه ممتناً له ومعترفاً له بالفضل: "ثم أطلعني مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم - - على أسرار دفينة، وأصول متينة من علم القرآن، فتعلمت منه مناهج الخلق والأمر، ومدارج التضاد والترتب، ووجهي العموم والخصوص، وحكمي المفروغ والمستأنف، فشبعت من هذا المعاء الواحد، دون الأمعاء التي هي مأكل الضلال، ومداخل الجهال، وارتويت من مشرب التسليم بكأس كان مزاجه من تسنيم، فاهتديت إلى لسان القرآن: نظمه، وترتيبه، وبلاغته، وجزالته، وفصاحته، وبراعته"، وفي هذا النص ما يوحي بأن أثر في تلميذه كان عميقاً؛ حتى كاد يستغني به عن التلمذة لغيره، واكتفى بالنهل من فائض علمه؛ فلم يحتج إلى مزاحمة علماء عصره.
أبو القاسم الأنصاري أشعري المذهب في الأصول؛ على طريقة شيخه أبي المعالي الجويني؛ الذي لا يذكره إلا بأجل الألقاب المشعرة بتوقير ذلك واحترامه والاعتراف له للإمامة والفضل؛ فكان لا يذكره باسمه ولا حتى بألقابه التي عرف بها كأبي المعالي أو إمام الحرمين؛ بل ما كان يعدل عن قوله: شيخنا الإمام. ومن الدليل على هذا الإجلال والتبجيل أن الأنصاري ذكر الجويني في كتابه الغنية في ثلاثة وعشرين موضعاً كلها بعبارة: شيخنا الإمام، في حين لم يذكره مرة واحدة بإمام الحرمين ولا بأبي المعالي الجويني، وقد ألف الأنصاري كتابه الغنية بعد وفاة شيخه الجويني؛ إذ ألفه لولده أبي الفتح الذي ولد سنة 489 هـ، معطياً بذلك درساً بليغاً في إجلال العلماء والمشايخ واحترامهم وتبجيلهم.
وهو في الفروع شافعي المذهب، ومن مؤلفاته شرح الغنية لابن سريج في فروع المذهب الشافعي. وفي آداب السلوك: يمشي على طريقة شيخه أبي القاسم القشيري؛ الذي أخذ عنه آداب الطريق، وطريقة أبي سعيد ابن أبي الخير الميهني؛ فيقول الأنصاري حاكياً طرفاً مما كان بين الشيخين من مطالعات سلوكية: "حضر أبو سعيد ابن أبي الخير الميهني مع الأستاذ أبي القاسم القشيري، فقال الأستاذ القشيري: المحققون قالوا: ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله بعده، فقال أبو سعيد ابن أبي الخير: ذاك مقام المريدين، أما المحققون: فإنهم ما رأوا شيئاً إلا وكانوا قد رأوا الله قبله".
هذه أوصاف الإمام أبي القاسم الأنصاري التي تنبئ عن إمامة في الدين، ورئاسة في العلم، وتقدم في الزهد والورع والعزوف عن الدنيا والتقلل من متاعها:
هو إمام المتكلمين، وسيف النظر، كان يتوقد ذكاء، له تصانيف وشهرة وزهد وتعبد. وهو أيضاً: الصوفي الإمام الديِّن الورع، فريد عصره في فقه، بيته بيت الصلاح والتصوف والزهد، وهو من جملة الأفراد في علم الأصول والتفسير. وهو الزاهد الورع الذي يكتسب من خطه ولا يخالط أحداً. وهو الصوفي الفقيه الأصولي. وهو الأستاذ الإمام، ناصر السنة، وكان مقدماً في علم الأصول والتفسير.
نشأ ببلاد ما وراء النهر، ونهل من علم أهلها فسمع بخراسان[؟] أبا سعيد فضل الله ابن أحمد بن محمد الميهني وأبا القاسم القشيري، ثم رحل إلى بلاد الشام؛ فقدم دمشق وسمع بها أبا الحسن بن مكي، وزار فيها قبور الأنبياء.
حاز أبو القاسم الأنصاري على السبق في الإمامة في الدين والعلم والزهد والورع؛ وفي علم الأصول، والسلوك، والتفسير. ففي الأخلاق والسلوك: هو الصوفي، الإمام، الورع، فريد عصره في الفقه، بيته بيت الصلاح والتصوف الزهد.كما قيل في وصفه أيضاً: "كان له معرفة بالطريقة، وقدم في التصوف، ونظر دقيق وفكر في المعاملة، وتصاون في النفس، وعفاف في الطعم".
وفي أصول الدين: صنف تصانيف حسنة، وأخذ في الإفادة، وكان حسن الطريقة، دقيق النظر، واقفاً على مسالك الأئمة وطرقهم في علم الكلام، بصيراً بمواضع الإشكال. والأنصاري كذلك صاحب اختيارات وترجيح للأقوال، ومن طريف ما يؤثر عن أبي القاسم الأنصاري أنه سُئل عن تكفير المعتزلة، فقال لا؛ لأنهم نزهوه، فسئل عن أهل السنة، فقال لا؛ لأنهم عظموه.
وفي أصول الحديث: فقد كان العالم المؤصل للمسائل ذا منهج قويم، وقد ظهر تأثير هذه الثقافة التأصيلية في كتابه الغنية؛ فنجده يناقش قضايا في منهجية الحديث؛ مثل: مراتب نقل الأخبار، وإفادة خبر الواحد العلم، والاستدلال بالخبر فرع ثبوته، وغيرها. والأنصاري كذلك صاحب رواية؛ له روايات حكى بعضها ابن عساكر. كما أن عناية الأنصاري بالحديث في كتابه الغنية دراية أمر راسخ في استدلالاته؛ ومن الأمثلة على ذلك:
ومن مظاهر تأثير هذه الثقافة الحديثية عنايته بالحديث الشريف والاستدلال به، فالنظرة الإحصائية المباشرة لقسم الإلهيات من كتابه الغنية تفيدنا استدلال الأنصاري بثمانية وثمانين حديثاً مرفوعاً، وأربعة وأربعين أثراً من أقوال الصحابة والتابعين، وهذا عدد كبير من الأخبار إذا ما قورن بغيره من أصحاب الكلام.
وفي التفسير: هو الإمام المقدم؛ الذي يعتمد المفسرون ما أثر عنه من أقوال في التفسير، مطمئنين مستأنسين بما رجحه، كما ذكر عنه أنه صنف في التفسير. ونستطيع أن نلمس منهجه في التفسير من خلال كتابه الغنية فيما يلي:
أصيب الأنصاري في آخر عمره بضعف في بصره، ووقر في أذنه، وتوفي بعدها. واتفق جمهرة من ترجم له على أن وفاته كانت سنة 512 هـ، وأضاف بعضهم فائدة أدق في تحديد وفاته؛ حيث ذكروا أنه توفي في شهر جمادى الآخرة من السنة نفسها، وخالف في تحديد سنة وفاته الذهبي والسيوطي، وتبعه أحمد بن محمد الأدنروي؛ حيث ذكروا أن وفاته كانت سنة 511 هـ، خلافاً للجم الغفير ممن ترجموا له.