اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
سلك سين مشواره التعليمي في العاشرة من عمره. كان تعليمه المدرسي تعليمًا عصريٍّا رشحه لقيادة الجيل المعاصر من نابتة المدرسة الحديثة من خريجي الغرب واليابان والمعاهد الصينية المترقية .كان والده فلاحًا وأخوه تاجرًا من أصحاب المعاملات في الخارج، فدرج وهو يعرف متاعب الفلاح الصيني ومتاعب التجارة الصينية أمام المزاحمة الأجنبية مستغنيًا بالمشاهدة عن التعليم، وأراد أبوه وأخوه أن يعداه لحياة غير حياة الزراعة والتجارة، وكان أخوه يتجر في هنولولو فطلب إلى أبيه أن يرسله إليه تخفيفًا عن الأسرة وتمكينًا للصبي الصغير من تعليم أصح وأوفى من التعليم الذي يتهيأ لمثله في بلاده، فوصل إلى هنولولو وهو يناهز الثالثة عشرة فانتظم سين بمدرسة أيولاني حيث درس سين اللغة الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، والمسيحية. والجدير بالذكر أنه أظهر براعة في تعلم اللغات خاصة اللغة الإنجليزية. كانت أيولاني مدرسة حديثة يديرها الآباء الإنجيليون، وقضى ثلاث سنوات قيل: إنه اطلع خلالها على بعض الكتب المسيحية فمال إليها وأبلغ أخاه رغبته في التنصر، فبادر هذا وأعاده إلى بلده ولم يشأ أن يتسلمه من أبيه على دين أجداده وأن يعيده إليه وقد صبأ إلى دين آخر، إلا أن الصبي كان شديد المراس من صغره وكان أساتذته يشكون من عناده ويعاقبونه على مخالفاته، فلم يكن جنوحه إلى المسيحية بتلقينهم وتشجيعهم، بل بمحض مشيئته واعتقاده، فلما قفل إلى قريته أصر على عقيدته وتعمد الجهر بمخالفة العقيدة الموروثة عسى أن يقصيه أبوه عن القرية إلى مدينة يتمم فيها دروسه على المناهج العصرية. قضى سين أخر سنواته في أيولاني عام 1882، ليلتحق بجامعة أوهايو. وفي تلك الأثناء، كان الناس يتحدثون بثورة التايبنج وأنصار هذه الثورة يلوذون بالجنوب، بعد القضاء على حركتهم واتفاق الدول الصينية والدول الأوروبية على مطاردتهم واستئصال بقاياهم. وقُضي على الحركة يومئذ ولم يقض على جماعاتها السرية التي تغلغلت بين قرى الشمال والجنوب من أقصى الأقاليم الصينية إلى أقصاها. وكان من الطبيعي أن تلوذ بالجنوب؛ لأن العطف فيه على الحركات الثورية أعظم وأصدق، ولأن الأنصار المؤيدين فيه للأسرة المالكة أقل وأضعف. ففتح سن وين الصغير أذنيه على أخبار الثورة، وفتح عينيه خفية على تنظيماتها ولجانها، وقاده تطلع الطفولة قسرًا إلى استبطان أسرارها واستقصاء أحوالها وتواريخها. كانت تلك الفترة محل نشأة العديد من الجماعات السرية في العديد من البلاد الصينية؛ وأشهر هذه الجماعات في العصور الوسطى — جماعة الزنبقة البيضاء — نشأت الوطنية « منج » على أيام الأسرة المغولية، وعادت إلى الظهور على أواخر أيام أسرة فاجتاحت الأقاليم الجنوبية وخمدت ثورتها بعد أن قُتل عشرون ألفًا من أعضائها. وفي القرن التاسع عشر تجددت هذه الجماعة ونشأت إلى جانبها جماعة الثالوث، أي: الإخوة الكبار، وكانت « كولاوهوي » إشارة إلى السماء والأرض والإنسان، وجماعة تعيث في جوانب الأرض انتقامًا من الأسرة المالكة وإزعاجًا لها، ولكنها لم تكن ذات برنامج سياسي أو خطة مرسومة لولاية الحكم بعد سقوط الأسرة الحاكمة، ومن لجانها طائفة كبيرة ناصرت الحركة الوطنية بعد إعلان الجمهورية. ولم ينقطع تأليف هذه الجماعات بعد انهزام جماعة التايبنج، فنشأت جماعة الملاكمين، ونشأت بعدها جماعة الحواجب الحمر، ونشأت هنا وهناك جماعات إقليمية للدفاع أو للهجوم. فنشأ سن ياتسن في صباه وهو يحلم بتأليف جماعة من هذه الجماعات.
عاد سين إلى مسقط رأسه في العام 1883 وعمره يناهر ال 17. وهناك قابل صديق طفولته لو هاودونج. وهناك وجدوا أن أهلي القرية يعبدون إله الإمبراطورية في أحد معابد القرية؛ فأثار ذلك سخطهم، وحطموا هذا التمثال. سبب ذلك غضب عارم في جميع أرجاء القرية، فهاجر الصبيان إلى هونغ كونغ.
وفي عام 1886، درس سين الطب في مشفى كانتون. وهناك، رآه هناك طبيب يدعى جون كير من أعضاء البعثة البروتستانتية الأمريكية فنصح له بدراسة الطب، وأرسله إلى هونغ كونغ ليتعلم الطب في مدرستها الكلية، فتخرج منها سنة 1892، وانتقل إلى مكاو وهي تابعة للحكومة البرتغالية، لمزاولة الصناعة فيها، فلم تمهله حكومتها أن أمرته بمغادرتها متذرعة بما اتصل بها عن نشاطه السياسي، وكارهة في الواقع أن تفتح على أطبائها باب المنافسة من طبيب صيني متخرج من مدرسة إنجيلية، ولم يلبث بعد أن عاد إلى كانتون أن ابتدأ دعوة الإصلاح بعريضة مفصلة اقترح فيها على حكومة بكين تعميم المدارس الزراعية على النمط الحديث، فطوت الحكومة هذه العريضة ولم يكسب منها الفتى المصلح إلا أنهم أضافوا اسمه إلى السجل الأسود، وفرضوا الرقابة على حركاته وعلاقاته. وجديرًا بالذكر أن من بين اثنى عشر تلميذًا، كان سين أحد اثنين تخرجوا من الكلية.