English  

كتب the final conquest of samarkand

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الفتح النهائي لِسمرقند (معلومة)


    كانت سمرقند تُشكِّلُ أمنع حُصُون الصغد وأقوى المُدن الحصينة في بلاد ما وراء النهر، وكان ملكها «غورك» قد استولى على الحُكم بعد مقتل ملكها «طرخون» الذي سبق أن قبل بِالصُلح مع المُسلمين، ولقَّب نفسهُ بِلقب «قيصر الصغد». ويبدو أنَّ أهل الصغد ثاروا على طرخون بسبب قُبُوله الصُلح مع المُسلمين، فاتهموه بالرضاء بِالذُل واستطياب الجزية رُغم كِبر سنِّه، فحبسوه وولُّوا غورك، فقتل طرخون نفسه. جمع قُتيبة الفرق العسكريَّة الإسلاميَّة وألقى فيهم خطابًا أوضح فيه أنَّ بلاد الصغد شاغرة، وأنَّهم قد نقضوا العهد ونكَّلوا بِالحامية المُسلمة، وأنهُ قد عزم على فتح سمرقند، فقال: «إِنَّ الله قَد فَتَحَ لَكُمُ هَذِهِ البَلدَة فِي وَقتٍ الغَزوُ فِيهِ مُمكِنٌ، وَهَذِهِ سَمَرَقَندُ شَاغِرَةٌ بِرِجْلِهَا، قَد نَقَضُوا العَهدَ الذِي كَانَ بَينَنَا، مَنَعُونَا مَا كُنَّا صَالَحَنَا عَلَيهِ طَرَخُونَ، وَصَنَعُوا بِهِ مَا بَلَغَكُم، وَقَد قَالَ الله: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، فَسَيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَإنِّي أَرجُو أَن يَكُونَ خُوَارِزمُ وَسَمَرَقَندُ كَالنَّضِيرِ وَقُرَيظَة، وَقَد قَالَ الله: ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ﴾». وفي صباح اليوم التالي أرسل قُتيبة أخاه عبدُ الرحمٰن إلى مرو على سبيل التمويه، ثُمَّ كتب إليه في المساء يُخبره أن يتوجَّه نحو سمرقند وأنَّهُ في أثره. ثُمَّ تقدَّم قُتيبة فوصل سمرقند بعد عبد الرحمٰن بِثلاثة أو أربعة أيَّام، وقدم معهُ أهلُ بُخارى وخوارزم، فحاصر المدينة شهرًا تخللها بعضُ القتال. استنجد غورك ملك الصغد بعد خوفه من طول الحصار بِملك الشاش وبِملك فرغانة، وكتب إليهما يقول: «إِنَّ العَرَبَ إِن ظَفَرُوا بِنَا عَادُوا عَلَيكُمُ بِمِثلِ مَا أَتُونَا بِهِ، فَانظُرُوا لِأَنفُسِكُم». فأجمع ملك الشاش وفرغانة على نجدة الصغد، وأرسلا يقولان له أن يُشاغل قُتيبة ومن معه كي يُفاجئونهم على حين غرَّة. حاول قُتيبة اقتحام المدينة عدَّة مرَّات إلَّا أنَّهُ كان يصطدم بِمُقاومةٍ عنيفةٍ، وقد بذل الطرفان جُهدًا جبَّارًا في الصراع من أجل النصر، لِأنَّ الطرفان كانا يعتبران معركة سمرقند حاسمة.

    ولمَّا طال حصار المُسلمين لِلمدينة تمكَّنت النجدات التُركيَّة من الشاش وأشروسنة وفرغانة من الوُصُول إلى ميدان المعركة، وانتخب الفرغانيُّون والشاشيُّون خيرة جُنُودهم وفُرسانهم وأبطالهم وكان من بينهم أبناء الخاقان والأُمراء، وولُّوا قيادة جيش النجدة هذا لِلإبن الأصغر لِخاقان التُرك واسمه «إينال خاقان»، تقديرًا منهم أنَّ النصر واجب وضروري في هذه المعركة. عندما بلغ قُتيبة نبأ النجدات القادمة باتجاه سمرقند لِفك الحصار عنها، انصرف إلى دراسة الموقف العسكري مُجددًا، وعلى ضوء الظُرُوف الجديدة والقوى الكبيرة التي ستدخل ميدان الصراع، لِذلك انتخب قُتيبة ستمائة فارس من خيرة فُرسان المُسلمين، وشكَّل منهم كتيبة بِقيادة أخيه صالح بن مُسلم، وأمرهُ أن يتقدَّم على الطريق ويكمن على مسافة فرسخين (12 كيلومترًا) وأن يقطع رتل النجدات بِهُجُومٍ ليليٍّ مُباغتٍ. تحرَّك صالح وكتيبته، وقرَّر بعد استطلاع المنطقة الكائنة شرقيّ سمرقند تقسيم الكتيبة إلى قسمين: أحدهُما يمين الطريق والآخر يساره. ولمَّا وصل جيشُ التُرك واجتاز منطقة الكمينين لِمُدَّةٍ مُناسبةٍ، باشر الكمينان بِهُجومٍ صاعقٍ ليلًا، فبوغت التُرك مُباغةً تامَّة وانتشرت الفوضى في صُفوفهم، وقُتل منهم الكثير، وكان قُتيبة قد سحب أكثر فرقه العسكريَّة من وراء أسوار سمرقند بسريَّةٍ تامَّة وشنَّ هُجُومًا صاعقًا على جبهة رتل العدو لِيُخفف الضغط على كتيبة أخيه، فدارت أشرس معارك ما وراء النهر في تلك الليلة، وخرج منها المُسلمون مُنتصرون. وبعد هذا النصر، عاد قُتيبة مُسرعًا إلى أسوار سمرقند، وقرَّر أن يدُكَّها ويفتح المدينة مهما كلَّف الأمر، فنصب عليها المجانيق ورمى أسوارها ليلًا نهارًا حتَّى أحدث فيها ثلمة، ولمَّا رأى أهل سمرقند أنَّ لا سبيل لهم إلَّا زحزحة المُسلمين عن هذه الثلمة وأنَّ مدينتهم على وشك أن تؤخذ عنوةً، أرسلوا وفدًا إلى قُتيبة يطلبون منه الصُلح، فصالحهم قُتيبة على مبلغٍ من المال يُؤدونه لِلمُسلمين كُل عام، وأن يُخلوا المدينة من المُقاتلين، وأن يبني فيها مسجدًا، فيدخل ويُصلَّي فيه ويخطب فيه كُلَّما أراد، وأن تُهدم بُيُوت النيران المجوسيَّة وتُزال الأصنام، فقبل الأهالي وقبل الملك غورك، فاستسلم وفتح أبواب المدينة ودخلها المُسلمين. وحرص قُتيبة على تحطيم هياكل المجوس بنفسه، وبنى المسجد وصلَّى فيه، وأبقى حاميةً مُسلمةً كبيرةً داخل سمرقند وجعل عليها عاملًا مُسلمًا، وأعلن قسمٌ من الأهالي إسلامهم بعد أن لم يتعرَّض لهم أحد في أنفسهم وعائلاتهم وأموالهم، وترك غورك حاكمًا عليها لِدرايته بِشُؤونها، إلَّا أنَّ الأخير فضَّل الرحيل عنها بعد مُدَّة، ويظهر أنَّهُ لم يستحمل تدمير الأصنام المجوسيَّة بِرمزيَّتها الكبيرة، كما أنَّ الكثير من تلك الأصنام كان يُحلَّى ويُطعَّم بِالذهب، فأذابهُ قُتيبة وجمعهُ فكان أكثر من خمسين ألف مثقال. كان فتحُ سمرقند سنة 93هـ المُوافقة لِسنة 711م، وتكمن أهميَّة هذا الحدث أنَّ المدينة ضمَّت مصنعًا لِلورق، وهي صناعةٌ صينيَّةٌ نقلتها جماعةٌ من الحرفيين الصينيين إلى هذه المدينة، فحمل المُسلمون هذه الصناعة إلى دمشق ثُمَّ إلى بغداد بعد ذلك في العصر العبَّاسي، وإلى القاهرة والمغرب وصقلية والأندلُس، ومنها انتقلت إلى أوروپَّا في القرن الثاني عشر الميلادي.

    المصدر: wikipedia.org