English  

كتب spatial awareness

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الإدراك المكاني (معلومة)


شَكِّلت الخدمات المعتمدة على الموقع القطاعَ الأسرع نموًّا في مجال تكنولوجيات الشبكة العنكبوتية العالمية. ومن بين الخدمات المعتمدة على الموقع، تُعَدُّ الملاحةُ الشخصية (وهي خدمات تتيح للمستخدِمين الوصولَ إلى الموقع والبيانات ومشاركتهما مع الأصدقاء) الأسرعَ نموًّا، وكل المؤشرات تدل على أن دمج بيانات الموقع في التطبيقات الاجتماعية والتجارية لن يتباطأ. قاد توافُر بيانات الموقع إلى ظهور تطبيقاتٍ مثل: «جيو تشيرب» أو «تويتر ماب» الذي يضع التغريدات في سياقٍ يعتمد على الإحداثيات الجغرافية، أو «تويت أراوند»، وهو خريطة واقع معزَّز تمزج بين خاصية الكاميرا في الهاتف الذكي والتغريدات المرتبطة بالموقع.

الموقع المكاني شكلٌ متزايد النفع لتجميع البيانات لمتصفِّح الشبكة العنكبوتية العالمية على الأجهزة الثابتة، ولكنه «أساسي» بالنسبة إلى تطبيقات الأجهزة المحمولة. ولا شك في أن من خصائص الهواتف المحمولة (الذكية) الرئيسية قدرتها على تحديد مكان الشخص ووضع سياقٍ لتعامُله مع الشبكة العنكبوتية العالمية فعلى سبيل المثال: تتيح الشبكات الاجتماعية المعتمدة على الموقع، مثل فورسكوير ولوبت، للمستخدمين رؤيةَ مكانِ تواجُد «أصدقائهم» على شاشات هواتفهم المحمولة. وبالمثل، يمكن الإعلانَ المعتمِد على الموقع إيصال قسائم شرائية أينما كان المستخدِم في نطاقٍ محدَّدٍ لمتاجر بعينها، ٥ وتسمح تطبيقات الأجهزة المحمولة التي تتيح التعليقات التوضيحية — مثل «ويكي مي»، و«جيو جرافيتي»، و«مازجات خرائط جوجل» — للأفراد بالوصول إلى المعلومات الخاصة بالأماكن وتحميلها. ولأنه باستطاعة المستخدمين تخصيص المعلومات التي يرغبون في التفاعل معها (أيًّا من الأصدقاء يرغبون في رؤيتهم، وأيَّ قسائم شرائية يرغبون في الحصول عليها، وأيَّ بياناتٍ يرغبون في الوصول إليها)، فالآن يستطيع الناسُ استخدامَ تلك الأجهزة لإضفاء طابعٍ شخصيٍّ على خبراتهم مع الفضاءات المادية والتحكم في تلك الخبرات؛ فالعالم المادي مليء بالمعلومات، ويستطيع مستخدمو الويب تنظيمَ تلك المعلومات في الأماكن التي قد يتواجدون بها.

تحيط قاعدةُ البيانات بنا من كلِّ مكان، وبينما يفتح هذا التصورُ البابَ أمام بعض الاحتمالات المشوِّقة لصِيَغ جديدة من التفاعل مع العالم وفيما بيننا، فليس صعبًا تخيُّل الأخطار الموازية؛ فإحدى عواقب قدرة المرء على تحديد موقع الأشياء والأشخاص هي أنه يمكنك أنت نفسك تحديد موقعك، وقد تكرَّرَتْ كثيرًا نظرةُ الشك والخوف من التكنولوجيات ذات الإدراك المكاني بدعوى التهديدات المحتملة للخصوصية الشخصية والمراقبة العليا والموازية الوشيكة.

ومع ازدياد تَقبُّل الناس لفكرة السماح لأجهزتهم بتتبُّع إحداثياتهم المكانية، ومع تنامي اعتيادهم على تأثير موقع عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بهم على نتائج البحث، ومع توقعاتهم برؤية إعلانات مرتبطة بالموقع، أصبحوا منفتحين على البيئة المحيطة. المراقبةُ أكثر من مجرد كاميرا مخبَّأة وضابطِ شرطةٍ متخفٍّ، فالبيئاتُ المحيطة تتعقَّبُنا من خلال البيانات الشخصية التي نكشفها طوعًا. عندما قدَّمَ روجر كلارك مفهومَ رصد البيانات في عام 1998 ، كان يشير في الأغلب إلى تعقُّب البيانات الشخصية خلسةً باستخدام آلات مركزية، أما في وقتنا الحاضر، فقد جعلَتِ الأجهزةُ ذات الإدراك المكاني رصْدَ البيانات أمرًا طبيعيًّا، بل مكوِّنًا ضروريًّا أيضًا لتعاملاتنا اليومية مع الشبكة العنكبوتية العالمية. فتُعَدُّ مشاركتنا للبيانات أمرًا ضروريًّا لكي نحسن «استخدام» الشبكة العنكبوتية العالمية.

يوفِّر رسم خرائط للمعلومات والناس البنيةَ التحتية التي يمكن من خلالها وضع المستخدم على مسافة نسبية من كل مكان في العالم. ولكننا لا نقول إن المستخدمِين يشعرون بالضرورة بأنهم قد صاروا أقربَ إلى العالم المرسوم في الخرائط؛ فقد أشار الفيلسوف مارتن هايدجر في عام 1971 إلى أن المذياع في خمسينيات القرن العشرين لم يقرِّب بين أنجاء العالَمَ؛ فالاستماع إلى صوت المذيع، بينما يبدو شديدَ القرب كما لوكان بالغرفة ذاتها، ليس في واقع الأمر سوى الفهم الخاطئ لانعدام المسافة. عادةً ما يُشَغِّل الناس المذياع عندما يشعرون بالوحدة، ولكن لا يوجد أي حميمية في الاستماع إلى ذلك الصوت، فقط يوجد انطباعٌ بوجودِ حميميةٍ، وهذه الحميمية في جانبٍ كبيرٍ منها مصطنعة.

في الممارسة الفعلية، للقُرْب المادي والقُرْب عن طريق وسيطٍ، تأثيراتٌ متباينة على سلوك الناس؛ فإذا تصوَّرْنا — مثلًا — شخصين يجلسان متجاورين في حافلة ركاب، فإن لكل منهما مسئوليةً تجاهَ الآخر ليسَتْ موجودةً لدى شخصٍ يستمع إلى آخَر عبر المذياع. فلو جرح الشخصُ الجالس بجوارك ذراعه أثناء جلوسه، فستسأله على الأرجح عمَّا به، أما لو وصَفَ الصوتُ الذي تستمع إليه في المذياع إصابتَه بشيءٍ مماثل، فمن المستبعد تمامًا أن تتصل بمحطة الإذاعة لتسأل عن حالته. تتضح المسافة عندما نتذكر وجودنا في الموقع المادي.

ولكن مع تغيير تكنولوجيات الإدراك المكاني وممارساته الطريقة التي يدرك بها الناس موقعهم المادي، يضيق تدريجيًّا الفارقُ بين القُرْب وانعدام المسافة. يصطنع الإعلامُ المسموع إحساسًا بالحميمية بجعل الأمر يبدو وكأنَّ المذيعَ موجودٌ معك في الغرفة نفسها ويتحدَّث إليك، وهذا الأمر يحدث من طرفٍ واحدٍ فقط؛ فالراجح أن المذيعَ لن يبادِلَ كلَّ مَن يستمع إلى برنامجه هذا الشعورَ نفسه. ولكنْ أن يضع المرءُ نفسَه في موقعٍ يربطه ببقية العالَم، فإن في ذلك تحدِّيًا للتمايُز الصارم بين ما يبدو قريبًا من خلال وسيطٍ وبين ما هو قريب حقًّا. عندما يصبح المرء مُدْرَجًا على خريطة، وموضوعًا في علاقةٍ جغرافيةٍ مع أشياء محددة على الخريطة، فإن ذلك يُوجِد نوعًا من الإحساس بانعدام المسافة، وكأنَّ هناك وصولًا عالميًّا لكل شيء، ولكنْ يوجد مع ذلك شعورٌ بالقرب، وفي هذه الحالة فإنَّ كلَّ شيء يُقاس بالمسافة الفعلية بينه وبين المراقب.

لم يَعُدْ تحديدُ المرء لموقعه مجردَ صورةٍ من المشاركة، مثل إضافةِ تعليقٍ إلى مدونة أو نشرِ تعقيبٍ على يِلب، بل صار يهيِّئ فعليًّا ظروفَ التفاعل ويوفِّر السياقَ الذي تُؤَوَّل المعلومات وتُستخدَم من خلاله؛ ولذلك فإن للموقع أهميةً أكبر مما لبقية صور الهُوِيَّة الشبكية. يَبْني اسمُ المستخدم والصورة التي ترمز إليه (الأفاتار) الهُوِيةَ أما الموقع فيَبْني الإطار الذي يمكن من خلاله للهُوِيَّة أن تتشكَّل؛ فهو يحدِّد موضعَ المستخدم في شبكةٍ ما، ليس فقط بوصفه عضوًا في مجتمعٍ على الإنترنت، ولكن في علاقته بالشبكة عمومًا. يخلق الوضوحُ الجذري للبيانات المحددة الموقع للمستخدمين «إمكانيةَ» أن يختبروا قُرْبًا ذا مغزًى من الأشياء والأشخاص. إن تحوُّلَ التفاعل الاجتماعي عبر الوسيط من مجرد انعدام المسافة — كما وصفه هايدجر — إلى القُرْب هو مسألة ممارسة.

المصدر: wikipedia.org