اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تعتبر قافلة الحج الشامي في العهد العثماني أكبر قوافل الحجاج في العالم الإسلامي، وقد حظيت القافلة بعناية فائقة من قبل العثمانيين، فالسلطان العثماني الذي حمل منذ 1517 لقب خادم الحرمين الشريفين كانت من أهم أولوياته حماية الحجاج من مخاطر الطريق المار نحو الديار المقدسة. يُشكل طريق الحج الذي تمر منه القافلتان الرئيسيتان: المحمل الشامي والمحمل المصري خطر كبير من عدة قبائل عربية تهدد سلامة وأمن المسافرين بحكم أن هؤلاء القبائل لم يكونوا يتورعون عن فعل شيء لضعف الوازع الأخلاقي والديني لديهم، وكان يتوجب على المحملين الخروج باحتياطات عسكرية وأمنية كبيرة.
ولم تكن قافلة الحج الشامي مُشَكَّلة من حجاج دمشق فقط، بل كانت متشكلة من أربعة عناصر هم: الحج الرومي الذي يضم حجاج المناطق الأوروبية والعاصمة إسطنبول والأناضول، والحج العجمي الذي يضم حجاج تركستان وإيران والعراق، والحج الحلبي الذي يضم حجاج ولاية حلب وديار بكر، والحج الشامي الذي يضم حجاج دمشق وصيدا وطرابلس. وتنتظم هذه المجموعات البشرية الكبيرة في مدينة دمشق وتلجأ نحو حي الميدان حيث كان معظم الحجاج يقتنون بضائع الحج ومستلزماته، وينزلون بضعة أيام في الخانات التي تكثر في هذا الحي، ثم يخرجون منه عبر الباب المسمى باب الله أو باب مصر إلى طريق الحجاز.
لا تقدم المصادر التاريخية معطيات دقيقة حول أعداد الحجاج الذين تشكل منهم المركب الشامي، ولكن الرحالة الفرنسي قسطنطين فرانسوا فولني قدر عددهم بحوالي 30 إلى 50 ألفًا، وذكر أن قافلة عام 1757 كانت استثنائية حيث خرج فيها زهاء 60 ألف حاج، وحسب الباحث عبد الكريم رافق فإن هذه الأرقام مبالغ فيها، وقد قدر الباحث السوري متوسط عدد حجاج قافلة الشام بحوالي 20 ألف شخص. وكان لكل قافلة حج أمير يخرج بعساكره معها لحمايتها من المخاطر وكانت غارات البدو أهمها على الإطلاق، وكانت الدولة العثمانية.
حينما تمكن الأمير فخر الدين المعني الثاني أمير جبل الدروز في النصف الأول من القرن السابع عشر، من القضاء على معظم الأمراء المحليين في جنوب الشام، شعرت الدولة بضعف هؤلاء الأمراء وأنهم لم يعودوا أكفاء للدفاع عن الراحلين نحو الديار المقدسة. فشرعت في تعيين بعض باشاوات دمشق منذ منتصف القرن المذكور أمراء للحج. إلى حدود سنة 1708 كانت الدولة تعين في الغالب باشاوات دمشق على رأس القافلة، وكان هذا الإجراء ذا انعكاسين على المدينة أولهما إيجابي جدا من الناحية الاقتصادية حيث استفاد تجار حي الميدان وكونوا ثروات طائلة جراء الرواج الذي يخلقه الوافدون في كل موسم حج، وفي نفس الوقت خلف هذا التحويل أثرا سلبيا حيث تعرض سكان دمشق للمضايقة من طرف الكثير من الجنود الانكشارية والمرتزقة الذين كلفوا بحماية القافلة والذين كانوا يقيمون مع الحجاج لفترة في دمشق، وظهر في دمشق منذ مطلع القرن الثامن عشر تيار من انعدام الأمن والفوضى العسكرية بسبب غياب الوالي لفترة طويلة من السنة مع الحجاج، وفي الكثير من الأحيان لم يكن الموظف الذي يحل محله في إدارة شؤون المدنية والذي يطلق عليه لفظ المتسلم في نفس كفاءة الوالي. ومنذ 1708 في عهد الوزير ناصيف باشا، أصبح والي دمشق رسميًا وبشكل دائم أميرا لقافلة الحج، وعين في الغالب على إمارة الجردة إما والي صيدا أو والي طرابلس.