اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لمنع الزكاة في الشرع الإسلامي أحكام مفصلة بحسب الأحوال، فالزكاة بمعناها الإجمالي عموما مفرضة بإجماع المسلمين، فحكم فرضها معلوم من الدين بالضرورة، والعلم الضروري معناه أن المعلوم مما لا يجهل عند المسلمين، وعلى هذا فإن منع الزكاة قد يكون له صلة بالحكم أو لا يكون له ذلك، وقد ذكر العلماء هذا التفصيل، فلا يكون الحكم على منوال واحد، ولا يكون الحكم إلا بعد الاستفصال، وتحقق المنع بعد تحقق الوجوب، أي: أنه لا بد تأكد وجوب الزكاة، فقد لا تكون الزكاة واجبة عليه أصلا، كما دل على هذا خبر الصحيحين: أن خالد بن الوليد، والعباس بن عبد المطلب، طولبا بالزكاة لكن تبين أنه لا زكاة عليهما أصلا. فلا يجكم بمجرد التهمة؛ لاحتمال دفعها سرا، أو تعجيلها أو غير ذلك. فإذا تحقق وجوب الزكاة على شخص على وجه معلوم، وتحقق امتناعه من دفعها بلا عذر شرعي فيوصف حينئذٍ بأنه مانع الزكاة. ومنع الزكاة إما أن يكون على وجة الإجمال أو في حكم مخصوص، وفي الحالين إما أن يكون مع إنكار الوجوب أو بغير إنكار، فمن أنكر وجوب الزكاة إجمالا، وجحد فرضيتها، وقال عالما عامدا مختارا: أن الزكاة غير مفروضة، وأنها ليست من الدين، وأن الله لم يوجبها، أو قال أنه لا يقر بوجوبها، فمرجع الحكم فيه للحاكم الشرعي، فإذا رفع به إلى الحاكم استفصل منه الحاكم، فإذا تحقق له أنه قال ذلك مع كونه مسلما مكلفا عالما عامدا مختارا؛ استتابه الحاكم، فإن أصر بعد استتابة الحاكم له على قوله؛ هدده الحاكم فإن استمر على إصراره؛ أقام عليه الحاكم حكم حد الردة، ما لم يتراجع عن قوله؛ لأن وجوب الزكاة معلوم من الدين بالضرورة، أجمع عليه المسلمون، وإنكاره إنكار للدين. وهذا الحكم لا يختص بالزكاة بل هو حكم عام في كل من أنكر معلوما من الدين بالضرورة. وإذا أنكر وجوب الزكاة وكان جاهلا معذورا بجهله، كأن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء ولم يمكنه الوصول إليهم؛ فلا يخرج بذلك عن الإسلام. وأما الزكاة التي امتنع من أدائها؛ فيأخذها الحاكم منه بالقوة. كل هذا فيمن أنكر الزكاة إجمالا، أما لو أنكر من الزكاة ما ليس معلوما من الدين بالضرورة، مثل: زكاة الخيل؛ فلا يكون حكمه كذلك. وإذا امتنع من دفع الزكاة ولم يكن منكرا لوجوبها، أي: مع العلم بوجوبها؛ أخذها الحاكم منه ولو بالقوة، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، وحكمه حكم عصاة المسلمين، ولا يخرجه ذلك عن الإسلام.
والأدلة على تحريم منع الزكاة كثيرة، فقد دلت النصوص الشرعية على تحريم كنز المال والبخل به. روى مسلم في صحيحه حديث: «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.» وحديث: «عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.»
البخل بالمال عدم إنفاقه، وفي القرآن بمعنى: عدم إخراج الزكاة الواجبة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [3:180]. ذكر ابن جرير أن المقصود بـالبخل في هذا الموضع، منع الزكاة؛ لتظاهر الأدلة، وفسر البخل في الآية بأنه منع حق الله كما دل عليه حديث: «البخيل الذي منع حق الله منه، أنه يصير ثعبانًا في عنقه.» ولقول الله عقيب هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فوصف الله قول المشركين من اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة: أن الله فقيرٌ. ومعنى الآية: أن الله تعالى هو الذي يعطى من يشاء ويمنع من يشاء، فمن أعطاه الله من فضله أي: من الأموال في الدنيا؛ فهو فضل من الله، فلا يبخل بالإنفاق منه، وفسر البخل في الآية بمعنى: عدم إخراج زكاة المال التي فرضها الله للمستحقين. وأن حبس المال وعدم الإنفاق منه فيما فرض الله ليس خيرا، فمانع الزكاة إن ظن أن ذلك خيرا له؛ فقد أخطأ؛ لأن الله تعالى جعل الإنفاق في سبيله سببا لتنمية المال وزيادته، وأن البخل سبب لتلف المال، وأما في الآخرة؛ فمانع الزكاة يعذب بسبب عدم إخراج الزكاة. قال الطبري في تفسير الآية: «ولا تحسبن، يا محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حق الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات، هو خيرًا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو شر لهم عنده في الآخرة».
ومعنى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ أي: سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة، والطوق ما يوضع في العنق. فالتطويق يوم القيامة عقوبة لمانع الزكاة، فيجازى بما بخل به. وفسر الطوق بأنه ثعبان يطوق به مانع الزكاة، عن أسباط، عن السدي قال: «يُجعل ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع يطوِّقه، فيأخذ بعنقه، فيتبعه حتى يقذفه في النار.» وعن أبي وائل قال: هو الرجل الذي يرزقه الله مالا فيمنع قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجْعل حية فيطوَّقها، فيقول: ما لي ولك فيقول: أنا مالك. روى الطبري: عن أبي مالك العبدي قال: «ما من عبد يأتيه ذُو رَحمٍ له، يسأله من فضلٍ عنده فيبخل عليه، إلا أخرِج له الذي بَخِل به عليه شجاعًا أقْرَع.» قال: وقرأ الآية.» فيعاقب مانع الزكاة بماله الذي بخل به، فيكون عليه ثعبان عظيم يطوق عنقه. كما ورد هذا فيمن بخل بفضل ماله عن قريب سأله، كما في حديث: «عن أبي قزعة حجر بن بيان قال: قال رسول الله : «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمِه فيسأله من فضل أعطاه الله إياه، فيبخل به عليه، إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوِّقه.» ثم قرأ الآية.» وعن عبد الله بن مسعود قال: «ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذي بخلت به.» وفي رواية: «شجاع يلتوي برأس أحدهم.» وفي رواية أخرى: «شجاع أسود.» وفي رواية: «يجيء ماله يوم القيامة ثعبانًا، فينقر رأسه فيقول: أنا مالك الذي بخلت به، فينطوي على عنقه.» «عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثَل له شجاع أقرع يطوقه». ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم..﴾ الآية. وعن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن الأية قال: يطوقون شجاعًا أقرع ينهش رأسه. قال الطبري: وقال آخرون: معنى ذلك: يجعل ما بخلوا به في أعناقهم طوقًا من نار.