English  

كتب rashid and baramkeh

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الرشيد والبرامكة (معلومة)


لما ولي هارون الرشيد الخلافة عرف ليحيى فضله عليه فاستوزره وزارة تفويض وهي الوزارة التي تستغني عن تواقيع الخليفة، على عكس وزارة التنفيذ التي يباشرها الخليفة بنفسه. قام يحيى البرمكي بإدارة شؤون الدولة خير قيام وكان يساعده في ذلك ولَداه الفضل وجعفر، أما الفضل فقد كان إداري ماهر، وكانت مهارته في إخماد ثورة يحيى بن عبد الله العلوي دون أن يسفك دمًا، كذلك كان كريمًا سخيًا، وقد ولاه الرشيد بلاد المشرق (خراسان وطبرستان وأرمينيا وبلاد ما وراء النهر)، قام الفضل هناك بأعمال إنشائية عظيمة الشأن من حفر القنوات وبناء المساجد والزوايا فحسنت سيرته في تلك البلاد.

أما جعفر البرمكي وهو أصغر سنًا من الفضل، فقد ولاه الرشيد على الجزيرة والشام ومصر وأفريقية، وكان محبوبًا لدى الرشيد فاستبقاه في بغداد كي يكون قريبًا منه، وهذه الثقة الكبيرة التي أولاها الرشيد لجعفر البرمكي جعلت له نفوذًا في الدولة.

أعطى الرشيد البرامكة سلطات واسعة، وأفسح لهم المجال في الإشراف على جميع مرافق الحياة العامة: في الإدارة والعلوم والفنون.

نكبة البرامكة

    على الرغم من اهتمام المؤرخين بهذه الحادثة، إلا أن أسبابها ودوافعها ظلت غامضة ومجهولة، وأشار المؤرخون أمثال الطبري واليعقوبي وأبو الفداء والمسعودي، أن سبب غضب الرشيد على البرامكة وسخطه عليهم أمر مختلف فيه، وقد ذكر المؤرخون العديد من الأسباب واختلفوا في تعليلها وأخذوا يرجحون بعضها على بعض.

    الأقرب إلى الواقع أن نكبة البرامكة ترجع إلى حد كبير إلى ذلك الصراع الخفي الذي كان قائمًا بين حزبي العرب والعجم، والذي ظل مستمرًا بعد ذلك أيام الأمين والمأمون. في عهد الرشيد يظهر الصراع بين العرب والعجم بوضوح، حينما عهد إلى ابنه الأمين بولاية العهد من بعده سنة 175 هـ، وذلك تحت تأثير الحزب العربي الممثل في زوجته زبيدة بنت جعفر وحاجبه الفضل بن الربيع، وكان الأمين في الخامسة من عمره مما يدل على أنها كانت لها دلالة خاصة، وهي ضمان الخلافة للعصبية العربية، ولم يرض الجانب الفارسي، وعلى رأسه البرامكة بهذا الوضع، فأخذوا يسعون لدى الرشيد حتى نجحوا في جعله يعهد إلى ولده المأمون بولاية العهد بعد الأمين سنة 182 هـ، على أن يتولى المأمون ولاية المشرق بعد وفاة أبيه بمعنى أن خلافة الأمين بعد وفاة والده تصبح على بلاد المشرق خلافة صورية، والمعروف أن المأمون كان من أم فارسية ولهذا أيده البرامكة.

    في سنة 186 هـ، حج الرشيد ومعه أبناؤه الأمين والمأمون، وهناك في البيت الحرام (أي الكعبة)، أخذ عليهما المواثيق المؤكدة بأن يخلص كل منهما لأخيه وأن يترك الأمين للمأمون كل ما عهد إليه من بلاد المشرق، ثغورها وكورها وجندها وخراجها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشورها وبريدها، وسجل الرشيد هذه المواثيق على شكل مراسيم وعلقها في الكعبة لتزيد في قدسيتها، ويؤكد تنفيذها كما كتب منشورًا عامًا بهذا المعنى للآفاق. وبذلك ضمن العرب الخلافة للعربي النسب والعجم بزعامة البرامكة ضمنوا الشرق لرجل أخواله عجم.

    لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذ العرب يوغرون صدر الرشيد ضد البرامكة ويحذرونه من استبدادهم بالأمر وخلعهم له، وصار الرشيد يتلقى رقاعًا غفلا من التوقيع تصور خطورة الحالة، أدت كثرة الدسائس إلى إفزاع الرشيد وجعلته يشعر بأنه صار مغلوبًا على أمره، وأن البرامكة شاركوه في سلطانه بشكل أخل بتوازن الدولة وسلامتها، مما اضطره إلى التخلص منهم، والعباسيون عمومًا كانوا حساسين من هذه الناحية السياسية ولهذا قتلوا كل من شكوا في إخلاصه.

    عاقب الرشيد البرامكة جميعًا، وزج بهم في السجن، وصادر أموالهم ومنع الشعراء من رثائهم، وتوفي يحيى والفضل في السجن قبل وفاة الرشيد، أما سائر البرامكة فقد عفا عنهم الأمين بعد ذلك. وهكذا تنتهي نكبة البرامكة بانتصار العرب هذه المرة، وقد تولى الوزارة بعدهم الفضل بن الربيع نصير الحزب العربي كما تولى الرشيد أمور الحكم بنفسه حيث كان يتنقل في أرجاء دولته ويقود الجيوش ضد الثائرين وضد البيزنطيين.

    يقول المؤرخ مصطفى جواد في موقفه من البرامكة: "لعل أغرب ما وهم فيه المؤرخون، فعمى عليهم سبب تدمير هارون الرشيد للبرامكة أنهم عدوا بني برمك دعاة للعلويين، والمشكلة التاريخية إذا استبهم جانب منها تشعبت فيها الظنون واختلفت الآراء واضطربت الأحكام. ولو علم المؤرخون أن البرامكة تقربوا إلى الرشيد بالسعي على العلويين والسعي بهم وتبغيضهم لوجدوا إلى سبب تلك الفتكة الهامشية سبيلًا، وعلى الجلية دليلًا، وعلموا أنهم إنما حق عليهم العذاب ودمرهم الله تدميرًا، بل وإن السبب الحقيقي وراء قضاء هارون الرشيد عليهم، هو تدبيرهم لقتل موسى بن جعفر، وولوغهم في دماء بني علي، وطلبوا الزلفى بتعذيبهم وأعلوا مراتبهم بخفض العصبية الهاشمية واجتثاث الشجرة النبوية. ولقد جرؤوا بإلحادهم وسوء سيرتهم أن جعفرهم حز رأس حبيسه العلوي عبد الله الشهيد بن الأفطس، في يوم النوروز وأهداه إلى الرشيد في طبق الهدايا، فلما رفعت المكبة من فوق الطبق ورأى الرشيد رأس بن عمه استعظم ذلك، فقال له جعفر: ما علمت أبلغ في سرورك من حمل رأس عدوك وعدو آبائك إليك. وكان الرشيد قد حبسه عند جعفر وأمره بأن يوسع عليه. وقال ذات يوم: اللهم أكفنيه، على يد ولي من أوليائي وأوليائك. فلم يجد هذا الشقي الكفاية إلا بقتله صبرًا، لا سيف يذود به عن نفسه ولا بنو علي حوله يحوطونه ويكلآونه ولا شفيع يرد عنه بؤم الزنادقة، وهو الذي شهد وقيعة "فخ" متقلدًا سيفين يذود بهما عن سيده. فلما أسر، أخذه الرشيد وحبسه عند جعفر، فضاق صدره بالحبس، وكتب إلى الرشيد رقعة يشتمه فيها شتمًا قبيحًا، فلم يلتفت الرشيد إلى ذلك، لأنه عالم بالعزة العلوية والاستبسال الهاشمي، ولم يأمر إلا بالتوسع عليه والترفيه عنه فكان من أمره مع جعفر البرمكي ما كان"، ويقول المؤرخ فاروق عمر فوزي في تبعات هذه التفصيلة "ويظهر أن الرواة خلطوا في رواياتهم بين يحيى الحسني وموسى الكاظم، حيث نسبت المناظرات وظروف القتل مرة إلى الأول ومرة إلى الثاني، ولعل معاصرتهما للرشيد وتقارب زمن وفاتهما أدت إلى هذه الشبهات بين الرجلين".

    المصدر: wikipedia.org