اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في بداية كل حركة سياسية من ينجذب إليها في العادة هما صنفان الأول “المعدمون” ونقصد بالعدمية هنا كل صنوفها معدموا الأمل والمال و الذين لا يجدون في الحياة الكثير ما يغريهم، والصنف الثاني هو عكسهم تماما وهم النخبة سواء الفكرية أو الاقتصادية فهؤلاء يملكون من الطموح والرؤية ما قد يجعلهم ينخرطوا في مثل هذه الحركات كي يكتبوا أسمائهم على لوح التاريخ بماء الذهب، لكن هؤلاء الصنفان لا يمكنهما إقامة حركة توتاليتارية لذلك تلجأ الحركة التوتاليتارية إلى تسخير الدعاية وفي أحيانا كثيرة تناضل الحركة التوتاليتارية للوصول إلى السلطة عبر نظام دستوري ضامن لحرية الرأي _ولو نسبيا_ فتبدأ الحركة التوتاليتارية تمارس ألاعيبها في هذا الهامش المتروك لها وترسخ أقدامها في تربة المجتمع عبر الدعاية، وحنة أرندت تقول أن الدعاية والإرهاب في البلدان التوتاليتارية وجهان لعملة واحدة، لكن ما أن تنحل التوتاليتارية وتمسك زمام السلطة لم يعد ما تقوم به دعاية بل تحول إلى تلقين عقائدي وكان استخدامها للعنف هدفه إنما لتحقيق عقائدها الايدولوجية أكثر من هدف إخافة الناس، ومن الطريف تذكر موقف الاتحاد السوفيتي من البطالة فهم أنكروا وجودها في بلادهم ثم حينما أصبح هنالك حديث عن وجودها وووجوب صرف “رواتب للعاطلين” وجودها فرصة مهمة لترسيخ الفكرة الاشتراكية التي تقول: من لا يعمل لا ينال خبزا، وعندما أراد ستالين أن يعيد كتابة تاريخ الثورة أكتوبر عين حملة كاملة دعائية وأمرهم بإتلاف كل الكتب التاريخية القديمة بل والقضاء أيضا على مؤلفيها ومن يظن أنه قد قرأها، وعندما صدر تاريخ الحزب الشيوعي عام 1938 كانت انتهت الحملة التطهيرية الواسعة التي فعلها ستالين وحصدت جيلا كاملا من العلماء والمؤلفين لأنه لم يعد بحاجة إلى حملات تطهير بعد الآن، والدعاية في الحركة التوتاليتارية تقوم بإسباغ صفة العصمة على “القائد” لذلك تكون أفكاره وأقواله محل اهتمام الصحافة والإعلام ويروج لها بينهم وليس غريبا أن تكون معظم أفكارهم التي يطرحونها لا تتحقق في يوم ولا شهر بل يعطون لها أمدا طويلا ولذلك هتلر ادعى أن الحرب العالمية الثانية ستحدد شكل العالم للعشرين قرنا القادمة ! و حتى الكلمات العابرة التي تقال يصبح لها شأنها إذا قالها القائد فحتى لو قال ستالين: الشمس تشرق من المشرق، لكانت صحف الغد تكتظ بتحليلات عديدة ومن زوايا مختلفة لتبيين عبقرية هذه المقولة، وأما النبوءات التي يتلوها القائد فهذه لها شأن آخر فكان هتلر وستالين يعلنون عن مراميهم السياسية على شكل نبوءات، فهتلر قال في المجلس الإمبراطوري ((اليوم أقول لكم نبوءة: إذا نجح اليهود مرة أخرى في إشعال حرب عالمية ثانية.. ستكون نتيجة ذلك إبادة العرق اليهودي في أوروبا )) وبإمكاننا ترجمة هذه النبوءة من العبارات التوتاليتارية إلى عبارات سياسية واقعية فسيكون معنى العبارة: أنوي بالقيام بالحرب وإبادة العرق اليهودي في أوروبا. فهذه النبوءة إنما حققها هتلر بنفسه، وأيضا ستالين قال في مقر الحزب الشيوعي عام 1930 بما معناه: بنية الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يوجد فيها متطرفون يساريون أو يمينيون. وطبعا لو ترجمنا العبارة لكانت هكذا: أنوي إبادة المتطرفين اليمينين واليساريين، وفي كلا الحالتين يتحقق الهدف نفسه فالتصفية الجسدية تندرج ضمن مسار تاريخي حيث لا ينجز الإنسان ولا يعاني إلا ما كان ينبغي له أن يتم على أي حال وفق القوانين الثابتة، وحينما ينفذ الإعدام بحق الضحايا تصير النبوءة إثباتا للغيب بطريقة رجعية إذ ليس من شيء حادث إلا وتم التنبؤ بحدوثه. ومن الملاحظ أيضا أن مؤسسات الدعاية في الأنظمة التوتاليتارية لا تنفك عن بذر فكرة المؤامرة في عقول الشعب ففي ألمانيا كان اليهود هم من يحيكون المؤامرة العالمية وأن الشعب الألماني هو الذي تلقى على عاتقه المسؤولية التاريخية لنقض خيوط المؤامرة وإيقاف اليهود عن تدمير العالم، وأما في الاتحاد السوفيتي فمنذ قيام الثورة البلشفية كانت هنالك ثورة تحيق بها فأولا الأنظمة الرأسمالية التي تنوي إسقاط “البوليتارية” التي وصلت إلى الحكم أخيرا ثم أتت مؤامرة التروتسكيين _نسبة إلى تروسكي القائد الذي رافق لينين في الثورة لكن بعد موت لينين وتولي ستالين مناصب الحكم حدثت بينهما مشاكل وثم نفاه وكان معارضا لحكم ستالين_ و بعد الحرب العالمية الثانية رجعت إلى الاتحاد السوفيتي فكرة المؤامرة ولكن هذه المرة بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والدسائس العالمية التي تقودها الولايات المتحدة لإسقاط الاتحاد السوفيتي، إن هذه العدو حتى وإن كان حقيقيا لكنه ضروري للحملة الدعائية وللأنظمة التوتاليتارية فلا يمكن قيام نظام توتاليتاري بدون “عدو” ولذلك ينقل عن هتلر: لو لم يكن اليهود موجودين لاضطررنا إلى خلقهم. هذا العدو تستغله الأنظمة التوتاليتاري في تصفية أعدائها فكل عدو هو عميل لهذا “العدو” و بطبيعة الحال سيخسر المناوئ للنظام كل أمجاده وكل تاريخه النضالي وكل التعاطف الشعبي إذا نُسب إلى هذا العدو، وهذا النوع من الحملات الدعائية يركز على أحد خصائص الجماهير المعاصرة الرئيسية فهذه الجماهير لا تعتقد بشيء مما هو مرئي ولا بواقع اختبارها نفسه وهي لا تثق بسماعها حتى ولا أعينها وإنما تضع كل ثقتها في المخيلة التي تطلق العنان لافتتانها بكل ما هو “كوني – عالمي” و متماسك في نفسه، والواقع إن الجماهير لا تقنعها الوقائع التي تختلف مع بنية تفكيرها التي اعتنقته وتعتبره استثناءا يؤكد عقيدتها، وتميل إلى النظام المتماسك التي تشكل هي _الجماهير_ جزءا لا يتجزأ منه في الظاهر، وإذا وجد الباحث أن الجماهير لديها قابلية وتهيأ ذاتي لاستقبال كل الإيدولوجيات بسهولة فلأن هذه الإيدولوجيات تشرح الوقائع باعتبارها امثلة ناتجة عن قوانين مسبقة وتستبعد المصادفات بأن تبتدع سلطة كونية عليا تصدر عنها كل الحوادث والمجريات، وعلى هذا فإن الحملة الدعائية التوتاليتارية تزدهر في هذا الهروب من الواقع إلى الوهم ومن المصادفة نحو التماسك.