اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خلال الفترة المُمتدَّة بين سُقُوط الأندلُس وحُرُوب العُثمانيين ضدَّ البولونيين ثُمَّ البُندُقيَّة، بدأ الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلَّا حملة اضطهادٍ مُنظَّمةٍ بِهدف تنصير من بقي من المُسلمين واليهود الأندلُسيين أو ترحيلهم عن البلاد، بِهدف تحقيق الوحدة الدينيَّة لِلإمبراطوريَّة الإسپانيَّة الوليدة، بِوصفها مُلازمة لِلوحدة السياسيَّة. ومُنُذُ أن فُرض التنصير والطرد على هؤلاء، أطلق النصارى على المُسلمين منهم مُصطلحًا جديدًا استُبدل به مُصطلح المُدجَّنين القديم، وهو اسم «المورسكيين» (بالإسبانية: Moriscos) أي المُسلمين الصغار، وهو تصغير لِلفظ «مورو» الذي كان يعني المُسلم بِوجهٍ عام، وقد قُصد به التحقير. وعلى الرُّغم من تحولُّهم إلى المسيحيَّة، إلَّا أنهم حافظوا على عاداتهم بما في ذلك لُغتهم وأسماءهم المُتميزة والغذاء واللباس وحتى بعض الاحتفالات، ومارس البعض منهم الإسلام سرًا، والمسيحية الكاثوليكيَّة علنًا. ولمَّا فشلت السياسات الحُكُوميَّة الإسپانيَّة على إرغام جميع المورسكيين على التنصُّر، لجأت السُلطات الحاكمة والكنيسة الكاثوليكيَّة إلى استعمال القُوَّة لِإجبارهم على ذلك، فاضطُهد المُسلمون وصودرت مُمتلكاتهم، الأمر الذي أدَّى إلى اندلاع الثورة في ربض البيازين في غرناطة، ولكنَّ هذه الثورة لم تزد النصارى إلَّا تشدُّدًا، فأخمدوها بِالقُوَّة والقسوة البالغة. وأجبرت وسائل القمع الوحشيَّة، التي استُعملت، المورسكيين في باقي المناطق على حمل السلاح، ولجأت جماعاتٌ منهم إلى المعاقل الجبليَّة يعتصمون بها، وأخذوا يُشنُّون الغارات الخاطفة ضدَّ القُوَّات المسيحيَّة التي كانت تُلاحقهم بِاستمرار. وفي شهر شعبان 907هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) 1502م، أصدرت الملكة إيزابيلَّا مرسومًا يُخيِّرُ المورسكيين بين التنصير والرحيل، وأمهلتهم حتَّى أواخر شوَّال المُوافق فيه نهاية نيسان (أبريل)، فرحل من غرناطة خِلال هذه المُدَّة نحو ثلاثُمائة ألف شخص، وعُدَّ من بقي مُتنصرًا بِحُكم الأمر الواقع. نتيجة التنكيل والإسراف في مُطاردة المورسكيين، استغاث بعضهم واستنجد بٍسلاطين وأُمراء المُسلمين، وفي مُقدمتهم السُلطان بايزيد الثاني، التي تنُصُّ إحدى الوثائق على أنَّ أندلُسيًّا مُتنصرًا كتبها إلى السُلطان المذكور يستغيثه ويصفُ لهُ في شعرٍ ركيكٍ ما يُصيب المورسكيين من عسف محاكم التفتيش، ويستصرخهُ لِنُصرة إخوانه المغلوب على أمرهم، وتبدأُ القصيدة، التي يبدو أنها أُرسلت حوالي سنة 1503م عقب قمع الثورة، بِديباجةٍ شعريَّةٍ طويلةٍ في تحيَّة السُلطان:
وبعد الانتهاء من الديباجة، يصفُ المُرسل ما تنزلهُ إسپانيا بِرعاياها الجُدد من المُسلمين، ويصف أنواع الاضطهاد والعسف التي نزلت بِالمُسلمين المُتنصِّرين، وكيف أنَّ النصارى خانوا كُلَّ العُهُود التي أبرموها معهم، وأهانوا الإسلام ورُمُوزه:
ومن الجدير بِالذِكر أنَّ المورسكيين أرسلوا خطاب استغاثةٍ أيضًا إلى السُلطان المملوكي قانصوه الغوري ودعوه لِيتوسَّط لدى الملكين الكاثوليكيين لِكي يحترما مُعاهدات الاستسلام ويوقفا الأعمال الهمجيَّة ضدَّهم. ويبدو من الواضح أنَّ تلك الاستغاثة لم تُؤدِّ إلى نتيجة، فلا تذكر المصادر التاريخيَّة أنَّ بايزيد الثاني فعل شيئًا يُذكر لِإنقاذ المورسكيين، إذ كان العُثمانيُّون قد انشغلوا بِمُراقبة تحرُّكات الصفويين المُتنامية على حُدُودهم الشرقيَّة. بِالمُقابل، يذكر المُؤرِّخ التُركي يلماز أوزتونا أنَّ الظُلم التعسُّفي لِلإسپان أغضب العُثمانيين، وإن كان بايزيد نفسه لم يُرسل حملة لِإنقاذ أبناء دينه في هذه المرَّة، فإنَّ ابنه الشاهزاده قورقود لعب دورًا في إنجاد المزيد من المُسلمين واليهود والأندلُسيين وفي مُضايقة الإسپان، فقد كان الشاهزاده المذكور حاميًا كبيرًا لِلبحَّارة المُسلمين، وكان يفتدي 100 أسيرٍ مُسلمٍ من الذين يقعون في أيدي النصارى في كُل سنة، ومن جُملة الذين افتداهم عرُّوج بن أبي يُوسُف يعقوب، الشهير بِـ«عرُّوج بربروس»، الأخ الأكبر لِأمير البحار المُستقبلي خير الدين، فجاء عرُّوج إلى مغنيسية حيثُ اجتمع بِالشاهزاده العُثماني وتسلَّم منهُ سفينتين حربيتين كهديَّة، وأوصاه بِالذهاب إلى الحوض الغربي لِلبحر المُتوسِّط والسير في أثر كمال ريِّس، وأن يرى بِعينيه ما يحدث لِلمُسلمين في الأندلُس، ويعمل على إنقاذهم ممَّا هُم فيه، ودعا لهُ بِالتوفيق والنصر. وبِهذا بدأت عمليَّات الجهاد البحري المُنتظم ضدَّ السُفُن المسيحيَّة.