English  

كتب ilkhanate state

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الدولة الإلخانية (معلومة)


الدَّولَةُ الإِلخَانِيَّةُ أو الدَّولَةُ الإيلخَانِيَّةُ أو دَولَةُ مَغُولِ فَارِسَ (بِالفارسيَّة: دولت ایلخانی؛ بِالمغوليَّة: ᠬᠦᠯᠢᠭ ᠦᠨ ᠤᠯᠤᠰ) هي دولةٌ قامت بدايةً كإحدى خانيَّات إمبراطوريَّة المغول، واحتلَّت الرُكن الجنوبي الغربي منها، وحكمها آل هولاكو، تيمُنًا بِمُؤسس هذه السُلالة هولاكو خان، وذلك خلال القرن الثالث عشر الميلاديّ. شكَّلت البلاد الإيرانيَّة المُعاصرة لُبَّ هذه الدولة، التي ضمَّت أيضًا أجزاءً واسعة من البلاد المُجاورة لِإيران، كالعراق وأذربيجان وأرمينيا وأواسط تُركيَّا وشرقها، إضافةً إلى أفغانستان وبعض پاكستان وتُركمانستان. بدأت الإلخانيَّة تتشكَّل بُعيد الغزو المغولي لِخوارزم في عهد جنكيز خان، إلَّا أنها لم تُصبح دولة قائمة وفعليَّة إلَّا في عهد حفيده هولاكو بن تولي خان، ومع بداية تفتت الإمبراطوريَّة المغوليَّة سنة 1259م أصبحت الدولة الإلخانيَّة دولةً مُستقلَّةً بِنفسها بِحُكم الأمر الواقع، على أنَّ حُكَّامها استمرُّوا يُقدمون فُرُوض الولاء والطاعة إلى الخاقان الأكبر في خان بالق، واتخذوا لِأنفسهم لقب «إلخان» أو «إيلخان» بِمعنى «الخان الصغير» أو «الخان الخاضع» لِلدلالة على هذه التبعيَّة وإن كانت إسميَّة.

اشتهر مغول فارس بقساوتهم الشديدة مع جيرانهم المُسلمين، وقد استغلُّوا التنازع والتصادم بين القوى الإسلاميَّة، الذي أدَّى إلى أن تسعى بعض هذه القوى إلى تأييد المغول ومُساندتهم، فاستطاع هؤلاء أن ينفذوا إلى ديار الإسلام ويُقهروا هذه القوى جميعها، الواحدة تلو الأُخرى، هذا في الوقت الذي كان فيه المشرق الإسلامي في صراعٍ آخر مع القوى الصليبيَّة في المنطقة؛ فشكَّل المغول في بداية عهدهم خطرًا على الوُجُود الإسلامي ذاته. تمكَّن هولاكو خان من إبادة طائفة الحشاشين الإسماعيليين بدايةً، ثُمَّ أنزل بِالمُسلمين ضربةً مُزلزلة عبر قضائه على الخِلافة العبَّاسيَّة وقتل الخليفة وأهل بيته وتدمير دار الخلافة بغداد، ثُمَّ واصل تقدُّمه في بُلدان المشرق الإسلامي، فسيطر على الجزيرة الفُراتيَّة وديار بكر وآسيا الصُغرى، واستمرَّ بِالزحف على الشَّام فاستولى على حلب وفتحت دمشق أبوابها أمام جُيُوشه، حتَّى بات يُسيطر على بلاد إيران والعراق وآسيا الصُغرى وأرمينية والشَّام، فكوَّن منها الدولة الإلخانيَّة. شرع المغول يطرقون أبواب مصر بعد ذلك في مُحاولةٍ لاحتلالها حتَّى يسهل عليهم تثبيت أقدامهم في الشَّام، لكن ظهرت في البلاد المصريَّة آنذاك قُوَّة إسلاميَّة فتيَّة هي قُوَّة المماليك، الذين استطاعوا بِقيادة السُلطان سيف الدين قُطُز من كسر المغول في معركة عين جالوت، فأوقفوا الزحف المغولي غربًا وتمكنوا من طرد المغول من الشَّام وإعادتها إلى حظيرة الإسلام. وتحالف المماليك مع مغول القبيلة الذهبيَّة المُسلمين لِقتال الإلخانيين، ممَّا أدَّى إلى اندلاع حُروبِ عديدة بين هؤلاء الأنسباء. وشكَّل هذا الوضع التاريخي عامل إغراءٍ لِلغرب الأوروپي لِمُحاولة تكوين حلف مغولي - صليبي لِتطويق العالم الإسلامي الشرقي وإنهاء الوُجُود الحضاري والسياسي لِلأُمَّة الإسلاميَّة، لكنَّ مشروعات التحالف فشلت لِأسبابٍ مُتنوعة.

تعاقب على عرش إلخانيَّة فارس بعد وفاة هولاكو أبناؤه وأحفاده وغيرهم من غير سُلالته، لكنَّ أفراد هذه الأُسرة عجزوا عن مد نُفُوذهم إلى المناطق الجنوبيَّة الغربيَّة، إذ تعرَّضوا لِهزائم مُتكررة على يد المُسلمين تحت راية المماليك، الذين عملوا على نبذ الخلافات في سبيل التصدي والصُمُود لِلخطر الكبير المُجاور لهم، هذا في الوقت الذي تعرَّضت فيه الأُسرة الإلخانيَّة لانشقاقاتٍ داخليَّةٍ صدَّعت كيانها. وكان من أهم آثار الحُروب التي قامت بين المماليك والإلخانيين المُستقرين بِفارس أن ظهرت فجوة قامت سدًا منيعًا بين العالمين الإسلامي والمغولي، وأخذ التأثير العربي يخف ويتراجع في البلاد الإيرانيَّة، ويحل مكانه تأثيرٌ فارسيٌّ ممزوج بِالصبغة المغوليَّة، ممَّا مهَّد الطريق أمام إيران لِتتغيَّر وتتميَّز عن جيرانها بعد بضعة قُرُون، خلال العصر الصفوي. تناغم المغول - رُغم قساوتهم - مع جميع الأديان في البلاد الخاضعة لهم، في زمن السلم، وأخذوا مُنذُ أواخر القرن السابع الهجري المُوافق لِلقرن الثالث عشر الميلادي، يعتنقون الإسلام بِتأثيرٍ مُزدوجٍ من النسبة العالية لِلسُكَّان المُسلمين الذين خضعوا لهم، وبِدافع التُرك الذين تمازجوا معهم وانصهروا في بوتقتهم، وقد برهن الإلخانيين عن تساهُلٍ كبيرٍ أمام جميع الأديان والمُعتقدات من دون أن يُفرِّقوا عند اعتناقهم الإسلام بين المذاهب الإسلاميَّة، وكان الإلخان محمود غازان أوَّل حُكَّام المغول الذي أعلن الإسلام دينًا رسميًّا لِدولته.

لم ينتج عن الغزو المغولي أي تغييرٍ يُذكر في البلاد التي سيطر عليها المغول من الوجهة الإثنيَّة، لكن برزت بعض الخصائص والمُميزات التي حملها هؤلاء معهم من مواطنهم الأولى، إلَّا أنَّ النظام الذي وضعته الدولة الإلخانيَّة يصعب التمييز فيه بين ما هو من أصلٍ إيرانيّ وما هو من أصلٍ مغوليٍّ أو صينيّ، وما هو من إبداعٍ أصيل. وشهدت الدولة الإلخانيَّة حركة تجاريَّة نشطة على الطُرق التجاريَّة القديمة، إلَّا أنها عجزت عن إعادتها إلى نشاطها السابق لِقيامها، بعد أن أخذت الدولة المملوكيَّة تُسيطر عليها تدريجيًّا. وكغيرها من الدُول المغوليَّة الأُخرى، باستثناء القبيلة الذهبيَّة وسلطنة مغول الهند، لم تتجاوز الدولة الإلخانيَّة القرن الثامن الهجري المُوافق لِلقرن الرابع عشر الميلادي. فإلى جانب الانقسامات الداخليَّة التي وقعت في قلب هذه الدولة فعطَّلت كُل نشاطٍ فيها، وشلَّت كُلَّ حركة، برزت المطالب القوميَّة في الولايات يُغذيها فريقٌ من ذوي الأطماع، وسُرعان ما تجزَّأت ولاياتها إلى دُويلات وإمارات وتوزَّعت بين أبناء البلاد وأُمراءٌ أتراك ومغول. فقد سيطر التُرك على الولايات الغربيَّة، وأضحى شماليّ العراق وأذربيجان وأرمينية، طوال أكثر من قرن، مسرحًا لِنزاعاتٍ بين إمارتين تُركمانيتين مُتخاصمتين: القره قويونلويَّة الشيعيَّة، والآق قويونلويَّة السُنيَّة، واحتدمت المُنافسة بينهما واستطالت، فأثَّرت في بعض النواحي على تكوين الدولة العُثمانيَّة وعلى إنشاء إيران الحديثة على يد السُلالة الصفويَّة. أمَّا ما تبقَّى من إيران فقد ظلَّ سائرًا وفقًا لِلتقاليد التي عُمل بها من قبل، ولم يخرج عن الحُدُود التي رسمتها له الدولة الإلخانيَّة إلَّا في التقسيم السياسي الذي أصاب البلاد آنذاك.

أدَّى احتكاك المغول الإلخانيين بِالحضارة والثقافة الإسلاميَّة إلى اقتباسهم الكثير من عادات وتقاليد المُسلمين، بالإضافة لِغيرهم من الشُعُوب التي أخضعوها كالأرمن والكرج، ولكنَّهم، وبِفعل بداوتهم، لم يُسخِّروها لِرفع مُستواهم الحضاري وإنما اندفعوا نحو استنزاف خيراتها الماديَّة، في حين تركوا ما فيها من تُراثٍ علميٍّ وقيمٍ روحيَّةٍ بِأيدي أبنائها، ونشأ نتيجة ذلك، أن ارتفع المُستوى المادي لِلمغول بِعامَّة بينما بقي تكوينهم الحضاري على ضعفه، فلم ينبغ من بينهم عالمٌ واحد في أي علمٍ من العُلُوم سوى الحرب، واقتصر اقتباسهم من الحضارات التي استوعبوها على أسباب المُتعة فقط، مما كان له دورٌ بارزٌ في إضعافهم وانهيار دولتهم بسُرعة. كذلك، ممَّا قصَّر عُمر هذه الدولة أنَّ الحُكَّام المغول لم يستطيعوا كسب ثقة المحكومين المُسلمين، فالمُسلمون لم ينصاعوا لِلحُكم المغولي بِسُهُولة ولم يرضوا عنه بسبب وثنيَّة المغول (في البداية) التي لا تُبيح لهم مُوالاتهم، فضلًا عن التفاوت الحضاري بين الطرفين وانعكاس ذلك على سُلُوك كُلٌ منهما. وأمَّا المغول، من جهتهم، فقد اتصفوا بِالعنجهيَّة والغُرُور بعد انتصاراتهم الساحقة على جميع الشُعُوب التي هاجموها والتي جعلتهم يعتقدون بأنَّهم يملكون من المزايا التي رفعتهم فوق مُستوى هؤلاء، ودعم هذا الاعتقاد تهالك بعض الوُصوليين من أبناء البلاد الخاضعة لهم وتملُّقهم لِلحُكَّام، فكانت النتيجة أن بقي المغول يُمثلون طبقة عسكريَّة حاكمة مُنعزلة عن المحكومين الذين لا يهُمها منهم سوى الطاعة ودفع الضريبة، ولم يُؤدِّ اعتناق المغول الدين الإسلامي إلى إزالة هذه النظرة وإذابة الفوارق بين الحاكمين والمحكومين.

تعريف الإلخانيَّة أو الإيلخانيَّة

تعود تسمية الدولة الإلخانيَّة أو الإيلخانيَّة(1) إلى هولاكو خان الذي لُقِّب بِـ«إيلخان»، وهى كلمة مُكوَّنة من مقطعين: «إيل» بمعنى تابع أو مُطيع، و«خان» بمعنى ملك أو حاكم، والمقصود أنَّ حاكم الدولة الإلخانيَّة تابع للخاقان الأعظم الذي كان يُقيم في قراقورم ثُمَّ انتقل إلى خان بالق في الصين. وبِذلك يكون معنى «إيلخان» أو «إلخان»: الملك التابع أو الخان التابع وفق أكثر الآراء شُيُوعًا، وقد أصبح علمًا مُميزًا لِحُكم أُسرة هولاكو التي توارثت الحُكم بعد وفاته. قيل أيضًا أنَّ «إيلخان» لقبٌ تُركيّ مُركَّب من لفظين هُما: «إيل» بِمعنى «قبيلة»، و«خان» بِمعنى سيِّد، وبِذلك يكون معنى «إيلخان»: سيِّد القبيلة أو رئيس العشيرة. وقال باحثون آخرون إنَّ هذا اللقب يعني «قائد السلام» أو «خان السلام» أو «قائد بلاد فارس»، وذهبت الباحثة دوروتيا كرافولسكي أنَّ المُصطلح يجب أن يُترجم بمعنى «الخان الذي يجلب السلام». وقد بقي هذا الاسم قائمًا حتى قطعت الرابطة وثيقة الصلة بين الإلخانيَّة والخاقان المغولي بِدُخول حُكَّام إيران المغول في الإسلام نهائيًّا سنة 695هـ المُوافقة لِسنة 1296م، إذ حُذف اسم الخاقان المغولي من السكَّة الإلخانيَّة، وحلَّ لقب «الخان» بدلًا من لقب إلخان أو إيلخان، ومع ذلك فقد جرت العادة أن يُقال لِخُلفاء هولاكو الذين حكموا إيران، منذ ذلك الوقت وحتَّى وفاة آخر حُكَّام هذه الأُسرة سنة 736هـ المُوافقة لِسنة 1335م، اسم سلاطين مغول فارس أو دولة إلخانيَّة فارس.

التاريخ

قيام إمبراطوريَّة المغول وتوسُّعها غربًا

قامت إمبراطوريَّة المغول على يد القائد الكبير جنكيز خان، الذي نجح في توحيد جميع القبائل المغوليَّة تحت رئاسته سنة 1206م، وجمع شتات بلاد المغول في دولةٍ مُوحدةٍ قويَّة، ثُمَّ تطلَّع لِلتوسُّع على حساب جيرانه، فبدأ بِالصين أولًا ثُمَّ تطلَّع إلى الغرب حيثُ امتدَّت أراضي الدولة الخوارزميَّة، القائم على عرشها آنذاك السُلطان علاءُ الدين مُحمَّد بن تُكُش خوارزمشاه (مُنذُ سنة 596هـ المُوافقة لِسنة 1199م)، الذي اتصف بِالطُمُوح والشره، وانتهج سياسةً قائمةً على الشقاق والنزاع مع الدُول الإسلاميَّة المُجاورة ومُحاولة ضمِّها الواحدة بعد الأُخرى. وكان الخورازميَّون قد أخذوا، في عهد السُلطان سالف الذِكر، يتدخَّلون في شُؤون الخِلافة العبَّاسيَّة لِلسيطرة عليها، لكنَّ الخليفة العبَّاسي أبو العبَّاس أحمد الناصر لِدين الله تصدَى لِطُمُوحاتهم، وهداه تفكيره إلى الاستعانة بِالمغول، فكتب إلى جنكيز خان يعرض عليه مُهاجمة الدولة الخوارزميَّة من الشرق في الوقت الذي يُهاجمها هو من الغرب، والواقع أنَّ جنكيز خان قرَّر - في ذلك الوقت - أن لا تكون علاقاته بِجيرانه الخوارزميين قائمة على القُوَّة، ورأى أنَّ مُشكلاته في آسيا الشرقيَّة، واضطراره إلى توطيد نُفُوذه في الصين، تحول بينه وبين إشعال الجبهة الغربيَّة، لِذلك رفض العرض العبَّاسي، وتوجَّه إلى عقد مُعاهدةٍ تجاريَّةٍ مع الدولة الخوارزميَّة، يُمليها على الخوارزميين، وتتضمَّن بعض نُصوصها معاني التبعيَّة لِلمغول. قبل السُلطان الخوارزمي أن يعقد مُعاهدة تحالف وصداقة مع جنكيز خان، فاتخذت العلاقة بين الطرفين اتجاهًا إيجابيًّا، لكنَّ الأطماع السياسيَّة لِمُحمَّد خوارزمشاه، المُتمثلة بِالتوسُّع على حساب جيرانه - بما فيهم المغول - ووراثتهم، سُرعان ما بدَّلت العلاقة الطيِّبة بِأُخرى عدائيَّة. فإنَّ خوارزمشاه كان يهدف من وراء السفارات المُتبادلة بينه وبين المغول إلى التجسس والاستطلاع على أحوال جيرانه، ولم يرغب بأي حال الدُخُول في علاقاتٍ تجاريَّةٍ مع مغولستان. وفي ظل هذه النظرة السياسيَّة قام ثلاثة من التُجَّار الخوارزميين من سُكَّان بُخارى بِرحلةٍ إلى ممالك المغول لِلتجارة، فأكرمهم جنكيز خان، ولمَّا عزموا على العودة، أرسل معهم قافلة تحمل أمتعة مُختلفة لِتصحبهم إلى ممالك السُلطان لِتبادل التجارة هُناك، وقد بلغ عدد أفرادها أربعمائة وخمسين رجلًا بِقيادة أربعة من كبار تُجَّار المُسلمين، وعندما وصلت القافلة إلى مدينة فاراب (أوترار) على الساحل الغربي لِنهر سيحون، أجهز عليهم «ينال خان» حاكم المدينة وابن خال السُلطان، وقتل جميع أفراد البعثة التجاريَّة بِتُهمة أنهم جواسيس، وسلب البضاعة. لم يكن بِوسع جنكيز خان أن يتجاهل هذا الاستفزاز، غير أنَّ ما اتصف به من الاتزان والتعقُّل، حمله على أن يُرسل سفارةً مُؤلَّفةً من ثلاثة رجال، إلى مُحمَّد خوارزمشاه لِلاحتجاج على الغدر، وطلب منهُ تسلم حاكم فاراب، لكنَّ السُلطان رفض الطلب ورأى به تعبيرٌ عن الضعف والاستسلام، فتماسك وتجلَّد وأبى وأمر بِقتل أولئك الرُسل فقُتلوا، ويقول ابن الأثير إنَّ السُلطان الخوارزمي لم يقتل الرُسل الثلاث بل قتل زعيمهم وأطلق صراح الاثنين الآخرين بعد أن حلق لحيتهما، حتَّى يرويا قصَّة مصرع الرسول المغولي لجنكيز خان كما شاھدھا، فقطع بذلك كُل أمل في التفاهم مع المغول، وأضحت الحرب بين الطرفين أمرًا لا مفرَّ منه.

تحرَّكت الجُيُوش المغوليَّة، التي بلغ عديدها نحو مائتيّ ألف جُندي مُقسَّمة على أربعة جُيُوشٍ، في خريف سنة 615هـ المُوافقة لِسنة 1218م، نحو بلاد ما وراء النهر. ولمَّا لم يتمكَّن السُلطان مُحمَّد خوارزمشاه من معرفة المكان الذي ستتوجَّه إليه، وزَّع جيشه البالغ أربعمائة ألف جُندي على المُدن الهامَّة مثل بُخارى وسمرقند، وعلى القلاع الرئيسيَّة المُنتشرة على طول نهر سيحون شرقًا وممرَّات فرغانة في الغرب، وقد أضعف هذا التوزيع قدرة الجيش الخوارزمي على الرُغم من تفوَّقه العددي. كانت مدينة فاراب أوَّل مدينةٍ هاجمها المغول، فقد ضرب الجيش الأوَّل، بِقيادة إبنيّ جنكيز خان جغطاي وأوقطاي، حصارًا مُركزًا عليها، وكان يُدافعُ عنها حاميةً مُؤلَّفةً من خمسين ألف جُندي بِقيادة ينال خان سالف الذِكر، بِالإضافة لِعشرة آلاف آخرين بِقيادة قراجة، حاجب السُلطان مُحمَّد. وعلى الرُغم من أنَّ هذه القُوَّة المُدافعة كانت على جانبٍ كبيرٍ من الكفاءة القتاليَّة والقُدرة على الصُمُود، إلَّا أنَّ الذُعر الذي استولى على السُكَّان حين ظهر المغول، بِالإضافة إلى نُشُوب الخلاف بين القادة بشأن استمرار المُقاومة؛ أضعف القُدرة على الصُمُود. فقد غادر قراجة المدينة مع أتباعه، وذهب إلى المُعسكر المغولي، فشكَّ كُلٌ من جغطاي وأوقطاي بِنواياه وقتلاه مع جُنُوده جميعًا. استمرَّ حصار المدينة خمسة أشهُرٍ تخلَّلته مُناوشاتٍ بين الطرفين كانت عنيفةً أحيانًا، غير أنَّ المغول ما لبثوا أن استولوا عليها عنوةً، فنهبوها وقتلوا جميع سُكَّانها انتقامًا، ووقع ينال خان في أيدي جغطاي وأوقطاي، فاقتاداه إلى مُعسكر أبيهما أمام سمرقند، فنكَّل به تنكيلًا حتَّى مات. تساقطت مُدن وبلدات ما وراء النهر الواحدة تلو الأُخرى بِيد المغول بِقيادة أبناء جنكيز خان، فاستولى الجيش الثاني بِقيادة جوجي خان على سغناق الواقعة على بُعد أربعة وعشرين فرسخًا من فاراب، ثُمَّ زحف باتجاه مدينة جند وحاصرها أُسبُوعًا حتَّى سقطت في يده، فذبح أهلها ودمَّرها، ثُمَّ سار قاصدًا إقليم خوارزم، فيما تابعت بقيَّة الجُيُوش المغوليَّة الاستيلاء على بلاد ما وراء النهر.

دُخُول المغول إلى خوارزم وخُراسان وفارس

    لم يكد منكو خان يعتلي عرش المغول ويقضي على الفتن الداخليَّة التي اندلعت بين أفراد أُسرة جنكيز خان بعد وفاة الخاقان الأخير گُيوك، ويتخلَّص من المُعارضين لِحُكمه، حتَّى قرَّر، في السنة التالية لاعتلائه العرش، استئناف التوسُّع باتجاه غربيّ آسيا والصين الجنوبيَّة من واقع تنفيذ سياسة المغول العامَّة التي وضع أُسسها جنكيز خان. ففي اجتماع القورولتاي في سنة 649هـ المُوافقة لِسنة 1251م، عيَّن منكو خان أخاه الأصغر هولاكو حاكمًا على فارس وكلَّفهُ بِالقضاء على طائفة الحشَّاشين في مازندران، والخلافة العبَّاسيَّة في بغداد، فضلًا عن الاستيلاء على الشَّام ومصر. وجرى إرسال جيش لِتمهيد الطريق، بِقيادة أحد القادة المُقرَّبين من هولاكو، هو كتبغا النسطوري الذي ينتمي إلى قبيلة النايمان، فأصلح الطُرق التي تجتاز تُركستان وفارس لِتسهيل حركة الجيش وآليَّاته، وشيَّد الجُسُور على الأنهار ومجاري المياه السريعة، ووفَّر العربات اللازمة لِنقل أدوات الحصار، كما جرى توفير المراعي لِخُيُول العساكر بِإجلاء الرُعاة من البراري، وأعاد هذا القائد سُلطة المغول على المُدن الكُبرى في الهضبة الإيرانيَّة، كما استولى على بعض معاقل الحشَّاشين. وأوصى منكو خان أخيه هولاكو بأن يُعامل من يُطع أوامره بِلُطفٍ، ويقتُل من يُعصيه مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكُل ما يتعلَّق به، وأن يُخضع قبائل اللُّر والكُرد، وأن لا يتعرَّض لِلخليفة العبَّاسي إذا قدَّم الأخير فُرُوض الطاعة، أمَّا إذا رفض فعليه أن يتخلَّص منه. غادر هولاكو عاصمة المغول قراقورم على رأس جيشه في شهر جُمادى الأولى سنة 650هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) 1252م، مُتوجهًا إلى الأقاليم الغربيَّة لِديار الإسلام، فعبر بلاد ما وراء النهر حتَّى دخل خُراسان ثُمَّ فارس، ولم يُصادف مُقاومةً تُذكر لأنَّ قسمًا من البلاد كان تحت حُكم المغول، بِالإضافة إلى أنَّ حُكَّام النواحي كانوا في حال ضعف، وفضَّلوا انتهاج سياسة المُسالمة والخُضُوع لِلمغول. ووفقًا لِلخطَّة التي وضعها منكو خان، كان على هولاكو أن يُهاجم الحشَّاشين في معاقلهم البالغة نحو خمسين قلعة مُنتشرة في قومس وقهستان، أشهرها كردكوه وميمون دز وآلموت التي اتخذوها قاعدةً لِمُلكهم بِفعل مناعتها. وإذ استولى على مُعظم القلاع، الواحدة تلو الأُخرى، فإنَّ ميمون دز وآلموت وكردكوه استعصت عليه، فأرسل إلى شيخ الحشَّاسين الإمام ركن الدين خورشاه، الذي كان في قلعة ميمون دز، يُهدِّده ويُنذره بالاستسلام، وإذ أدرك زعيم الحشَّاشين أنَّهُ لا سبيل إلى المُقاومة وأنَّ اليأس والفزع تطرَّق إلى نُفُوس رجاله المُحاصرين، نزل على حُكم هولاكو وسلَّم نفسه إليه مُظهرًا الخُضُوع والطاعة، يوم الأحد 1 ذو القعدة 654هـ المُوافق فيه 20 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1256م. توجَّه هولاكو، بعد ذلك، إلى قلعة آلموت، وحاصرها طيلة ثلاثة أيَّام بعد أن رفض قائدها الانصياع لِنصائح ركن الدين خورشاه وأصرَّ على المُقاومة، ولم ينزل منها إلَّا بعدما أرسل هولاكو منشورًا يُؤمِّن الحامية والسُكَّان على حياتهم إذا ما استسلموا. ودخل المغول إلى القلعة وحطَّموا ما فيها من الأسلحة والعتاد واستولوا على الكُنُوز والأموال، وتمكَّن المُؤرِّخ والعالم المُسلم عطاء مُلك الجويني، الذين كان أمينًا لِهولاكو، من إنقاذ مجموعة قيِّمة من المصاحف والكُتب وآلات رصد النُجُوم من آلموت قبل أن يحرق المغول القلعة ويدكُّونها دكًّا. أمَّا ركُن الدين خورشاه وجماعة الحشَّاشين فقد قتلهم هولاكو عن آخرهم، وقيل أنهم كانوا اثنيّ عشر ألفًا، لتنتهي بذلك دويلات الحشيشيَّة الإسماعيليين في فارس.

    بعد أن حقَّق هولاكو هدفه الأوَّل بِالقضاء على الحشَّاشين، التفت إلى تحقيق هدفه الثاني وهو القضاء على الخِلافة العبَّاسيَّة. والواقع أنَّ أوضاع هذه الخِلافة كانت مُتردية عشيَّة الغزو المغولي، وأنَّ الوضع الداخلي في بغداد كان مُزعزعًا تشوبه حال من الفوضى وعدم الاستقرار وذلك بِفعل عدَّة عوامل، منها ما تعلَّق بِالخليفة أبي عبد المجيد عبد الله بن منصور المُستعصم بِالله، ومنها ما تعلَّق بِالناس الذين نخرتهم الصراعات السياسيَّة والمذهبيَّة الناجمة عن صراع الساسة والقادة والأُمراء المُتخاصمين والمُتقاتلين على النُفُوذ، ممَّا جعل مراكز القوى في بغداد مُتعدِّدة ومُتخاصمة. كما شهدت الحالتان الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة ترديًا ملحوظًا بِفعل سيطرة المغول على طُرق التجارة البريَّة من جهة، وبسبب انغماس العبَّاسيين في الترف واللهو وابتعادهم عن الجديَّة في إدارة شؤون البلاد والعباد، مما أدَّى إلى تفشِّي الكثير من الآفات الاجتماعيَّة مثل عادة التحاسد والتباغض وإثارة الفتن وإشاعة الفساد. بادر هولاكو بالاتصال بِالخليفة العبَّاسي عندما كان يُحاصر قلاع الحشَّاشين، فأرسل إليه يطلب منه أن يمُدُّه بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ تُعاونه في القضاء على هذه الطائفة. استشار الخليفة مُستشاريه وأركان حربه، فنصحوه بِعدم الإقدام على هذا العمل، لِأنَّ هولاكو يُريد بِهذه الوسيلة إفراغ بغداد من المُدافعين عنها حتَّى يسهل عليه الاستيلاء عليها عندما يُهاجمها، فوافق على رأيهم وامتنع عن إرسال المدد إلى هولاكو. ولمَّا فرغ القائد المغولي من القضاء على الحشَّاشين، أرسل إلى الخليفة رسالة عتاب تتضمَّن تهديدًا ووعيدًا لامتناعه عن إرسال المدد المطلوب، وطالبه بِأن يهدم حُصُون بغداد وأسوارها ويردم خنادقها، وأن يأتي إليه بِشخصه ويُسلِّم المدينة له، وأوصاه بأن يستجيب حتَّى يحفظ مركزه ومكانته ويضمن حُريَّته وكرامته، وإن أبى واستكبر فسيحلُّ بِأهله وبلاده الدمار والخراب، ولن يدع أحدًا حيًّا في دولته. ردَّ الخليفة بِالرفض الذي اتَّسم بِالتهديد والوعيد، ظنًّا منه أنَّ ذلك سوف يُثني هولاكو عن عزمه، ويجعله يُفكِّر مليًّا قبل أن يُقدم على خطوته، كما يبدو أنَّه اعتقد بإمكانيَّة تلقِّي المُساعدة من السلاطين والأُمراء المُسلمين في الشَّام ومصر والأناضول، غير أنَّ هذا لم يحصل لانشغال قسمٍ من هؤلاء الأُمراء والسلاطين بِمُشكلاتهم الداخليَّة وخوف بعضهم الآخر من جبروت المغول. وكان من الطبيعيّ ألَّا تُجدي تلك التهديدات التي وجَّهها الخليفة لِهولاكو، بل على العكس، كان لها أسوأ الأثر في نفس القائد المغولي، ما دفعهُ على الزحف باتجاه بغداد. وعلى أثر ذلك أصدر هولاكو أوامره بِأن تتحرَّك الجُيُوش من أطراف الأناضول عن طريق أربيل والموصل مُتجهةً نحو بغداد لِتُحاصرها من الجهة الغربيَّة، وتنتظر حتَّى تصل إليهم جُيُوش هولاكو من الناحية الشرقيَّة. حوصرت بغداد يوم 13 مُحرَّم 656هـ المُوافق فيه 20 كانون الثاني (يناير) 1258م، واستمرَّ الحصار قائمًا حتَّى آخر الشهر الهجري، وكان المغول خِلال ذلك يضربون المدينة بقذائف المناجيق ويقتحمون الأسوار حتَّى استولوا على القسم الشرقي. أحسَّ الخليفة بِالخطر، وأنَّ الأمر قد خرج من يديه؛ فسعى في التوصُّل إلى حلٍّ سلميٍّ مع هولاكو، لكنَّ جُهُوده باءت بِالفشل؛ فاضطرَّ إلى الخُرُوج من بغداد وتسليم نفسه وعاصمة الخلافة إلى هولاكو دون قيدٍ أو شرط، وذلك في يوم الأحد 4 صفر 656هـ المُوافق فيه 10 شُباط (فبراير) 1258م، ومعه أهله وولده بعد أن وعده هولاكو بالأمان. عندئذٍ دخل الجُنُود المغول إلى المدينة وعاثوا فيها مُدَّة أُسبُوع، فهدموا معالمها واستولوا على الأموال والكُنُوز والتُحف النادرة، وأتلفوا عددًا كثيرًا من الكُتُب القيِّمة في مكتباتها، وأهلكوا كثيرًا من رجال العلم فيها، وهلك في نحو أربعين يومًا ثمانون ألفًا من سُكَّان بغداد.(2) وانتهت هذه الأحداث بِقتل الخليفة المُستعصم ومعه ابناه وخمسة من رجاله المُخلصين الذين بقوا معه.

    وبعد أن فرغ هولاكو من الاستيلاء على بغداد تأذَّى من عُفُونة جوِّها بسبب تكدُّس الجُثث في الطُرقات والأزقَّة، فغادرها إلى خانقين، بعد أن نظَّم شًؤونها، ومن ثُمَّ تراجع إلى بعض نواحي خُراسان، واختار مدينة مراغة الواقعة في شماليّ أذربيجان عاصمةً لِمُلكه، وكان يُفضِّل الإقامة في إقليم بُحيرة أرومية، فكلَّف الملك مجد الدين التبريزي بِبناء قصرٍ عالٍ شديد الإحكام، على جبلٍ يقع على ساحل البُحيرة، ونقل إليه الخزانة التي تحوي الغنائم والأموال والنفائس التي أُخذت من بغداد وقلاع الحشَّاشين والروم والكرج والأرمن وغيرها من البلاد، وأرسل إلى أخيه منكو كثيرًا من التحف والأموال التي غنمها. وكان قد وزَّع أعمال بغداد على رجاله، فعيَّن ابن العُلقُمي وزيرًا، وفخر الدين الدامغاني صاحبًا لِلديوان، ونظام الدين الينجدهي قاضي القُضاة، وهي وظائفهم السابقة نفسها، ويُساعدهم في الإدارة عدد من أعيان المدينة، كنجم الدين بن الدربوس وابن الدوَّامي وابن المخرمي، كما عيَّن عليّ بهادُر على شحن

    المصدر: wikipedia.org