اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
انقسمت بلاد القفجاق، بعد مقتل إديگو إلى أربعة أقسام مُستقلَّة ومُنفصلة وبِحالة عداءٍ دائم، نتيجة الصراع بين الأُمراء والقادة المُتوثبين على العرش، وسعي كُلٌ منهم إلى إعادة توحيد البلاد تحت رايته. فاستقلَّ بُراق خان بن قويرجق بِالشطر الشرقي من البلاد - خانيَّة القبيلة البيضاء - وراح يتطلَّع إلى ضم الشطر الغربي، الذي انقسم بِدوره إلى ثلاثة أقسام. ففي الشمال، أي في ولاية البُلقار، حكم أولوغ مُحمَّد، ونافس كُجُك مُحمَّد، الذي هو ابن إيجلكي حسن بن جغاي، أخي توقتمش، وقد اختارهُ الأُمراء والقادة خانًا بِالضرورة في المعركة ضدَّ إديگو لئلَّا ينفرط عقد الجيش. وفي الجنوب الغربي، أسَّس فرعٌ من المغول خانيَّة القرم، وحكم سيِّد أحمد بن توقتمش الغرب والمناطق الواقعة بين نهريّ الدون والدنيبر. واشتدَّت، في غُضُون ذلك، حدَّة الصراعات الداخليَّة، فاصطدم أولوغ مُحمَّد ببُراق في سنة 832هـ المُوافقة لِسنة 1429م، وانتصر عليه وقتله وضمَّ أراضيه إلى خانيَّة سراي ووحَّد بلاد القبيلة الذهبيَّة، لكن نازعهُ كُجُك مُحمَّد الذي لم يرضَ عن تعاظم نُفُوذ خصمه، فهاجم سراي واستولى عليها وطرده منها، وذلك في سنة 841هـ المُوافقة لِسنة 1437م، فهرب أولوغ مُحمَّد إلى مسكوب، لكنَّ أميرها ڤاسيلي الثاني رفض استقباله وأمره بِالمُغادرة، فذهب إلى البُلقار واستقرَّ فيها، وبنى مدينة قازان، وأسَّس دولةً مُستقلَّةً ومُنفصلةً عن سراي عُرفت باسم «خانيَّة قازان». تفرَّد كُجُك مُحمَّد بِالحُكُم في سراي بعد طرد أولوغ مُحمَّد، وخلفه بعد وفاته ابنه أحمد، الذي عُرف عنه عداوته لِلروس، وبِخاصَّةً المسكوبيين، لِأنَّهُ كان مُصرًّا على طلب الأتاوة والخِراج من ڤاسيلي الثاني، ويُهدِّده بِاجتياح بلاده إن رفض أداءهما، لكنَّ الأخير لم يعبئ بِالتهديدات المغوليَّة، فكان يُؤدِّي جُزءًا ممَّا عليه ويتباطأ في ذلك بِسبب أوضاع المغول الداخليَّة المُضطربة، فجرت بينه وبين جُيُوش أحمد خان بضعة معارك كانت الغلبة فيها لِلروس غالبًا. وتمكَّن ڤاسيلي الثاني من بناء دولته وتمكينها، بحيث عندما توفى ترك لِإبنه وخليفته إيڤان الثالث دولةً قويَّةً إلى درجةٍ تضع معها حدًا لِحُكم المغول وتقدر أن تستقل عنهم. ونظر إيڤان المذكور إلى نفسه كوريثٍ لِكُلِّ بلاد الروس وليس كأميرٍ لِمسكوب، لِأنَّ إمارته أصبحت تملك في ذلك الوقت الرُمُوز القوميَّة لِعُمُوم الروسيا. وضمَّ إيڤان الثالث الإمارات الروسيَّة المُتناثرة في الشمال المُتجمِّد والأورال، وراح يضرب المغول المُنقسمين على بعضهم كُلٌ منهم بِالآخر، فتحالف مع خان القرم حاجي كراي ثُمَّ خليفته منكلي كراي، ضدَّ أحمد خان، وعقد مُعاهداتٍ مع الأُمراء الروس الآخرين يُجبرهم بها أن يُسلِّموا الجزية التي كانوا يدفعونها لِلخان في سراي، له بدلًا من الخان. وجرت بين إيڤان الثالث وأحمد خان، وبين الأخير وخانيَّة القرم، عدَّة وقعات، إلى أن قُتل أحمد خان سنة 885هـ المُوافقة لِسنة 1480م، أثناء انسحاب جيشه من إحدى المعارك.
انقسمت خانيَّة القبيلة الذهبيَّة، بعد وفاة أحمد خان، إلى قسمين: تضمَّن القسم الأوَّل الأراضي الشماليَّة والوُسطى الواقعة بين نهريّ الدون ويايق، وحكمه أولاد أحمد خان، ودعى التُرك هذا الفرع من المغول بِاسم «تاختيل»، أي «القبيلة الكُبرى» أو «القبيلة الأولى»، وعُرف عند الروس والبولونيين باسم «ڤولگنسيس»، أي أهل ما وراء الڤولغا. واقتطع فرعٌ صغيرٌ من الأُسرة، ممن نزح عن سراي، الأراضي الجنوبيَّة وأسَّس فيها خانيَّة أستراخان الصغيرة واستقلَّ عن الدولة الأُم، وقد شكَّل هؤلاء القسم الآخر. واستمرَّت في هذه الفترة العداوة بين خانيَّة القرم وسراي، ولعلَّ لِذلك علاقة بِمدى تدخُّل إيڤان الثالث بين الطرفين وتأجيج الخلافات بينهما لِيقضي كُلٌ منهما على الآخر، وقد حرَّض منكلي كراي على مُهاجمة سراي والقضاء نهائيًّا على القبيلة الذهبيَّة. وكان القرميُّون قد دخلوا تحت تحت جناح الدولة العُثمانيَّة خِلال عهد السُلطان مُحمَّد الفاتح مع احتفاظهم بِشيءٍ من الاستقلاليَّة الإداريَّة، ولمَّا تُوفي السُلطان مُحمَّد سالِف الذكر وخلفه ابنه بايزيد، سارع منكلي كراي إلى عقد مُحالفاتٍ وإبرام علاقاتٍ سياسيَّةٍ معه، كما عقد صُلحًا مع الغراندوق الليتواني إسكندر ياغيلون، وغايته من وراء ذلك إحكام الطوق على سراي. أمام الحماية العُثمانيَّة لِخانيَّة القرم، لم يجرؤ خان سراي «شيخ أحمد» أن يُهاجم أنسباؤه، وتناقص عديد جيشه بعدما هربت منه عدَّة فرق عسكريَّة والتحقت بِمنكلي كراي. ووقعت المعركة الأخيرة بين شيخ أحمد ومنكلي كراي في ذي الحجَّة 907هـ المُوافق فيه حُزيران (يونيو) 1502م، فقد هاجم الأخير سراي بِجيشٍ تعداده خمسة وعشرين ألف فارس، وقدَّم له إيڤان الثالث عددًا من المدافع المُتطوِّرة لِقصف أسوارها، فاقتحمها وقتل كثيرًا من سُكَّانها وأسر من بقي على قيد الحياة، ثُمَّ هدمها وسوَّاها بِالأرض، قاضيًا بِذلك على هذه الخانيَّة الكُبرى التي عمَّرت مائتين وثمانية وستين سنة، وفرَّ شيخ أحمد ناجيًا بحياته، وهام على وجهه لِفترةٍ من الزمن، وحاول الالتجاء إلى الغراندوق الليتواني، فقبض عليه وزجَّه في السجن، وبقي أسيرًا إلى أن أدركه الموت سنة 911هـ المُوافقة لِسنة 1505م، فانقرض بِوفاته خوانين القبيلة الذهبيَّة، وزال كُلُّ أثرٍ لِهذه الدولة المغوليَّة الإسلاميَّة.