اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عني ابن تيمية بدراسة علم الكلام، وكان على اطلاع واسع على جميع ما ألفه علماء الكلام المتقدمين والمتأخرين. وكان هدفه من هذه الدراسة أن يتمكن من نقدها. فهو يعتقد أنهم أدخلوا في أصول الدين ما يخالف القرآن الكريم، ومالم يأذن به الله، وأنهم أوقعوا الناس في إشكالات وضلالات جعلتم يضلون عن الطريق الصحيح. ويذكر أن الرسول قد بين أصول الدين، وأنه دل الناس إلى الأدلة العقلية والبراهين التي يعلمون بها إثبات ربوبية الله ووحدانيته وصفاته، وينتقد هؤلاء بصفتهم معرضين عن الكتاب والسنة، فيقول: «وهؤلاء الغالطون -يقصد رجال علم الكلام- الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية، والبراهين اليقينية، صاروا -إذا صنفوا في أصول الدين- أحزاباً يتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام اختلط فيه الحق بالباطل.» وقد أكثر ابن تيمية في كتبه نقد المتكلمين والفلاسفة والتجريح بهم ونقدهم وتحذير الناس منهم، ويبين لماذا يذم علماء الكلام فيقول: «أنه من تأمل كلام فحول النظر، علم أن النفاة ليست معهم حجة عقلية بينة على المثبتين، فهم يقابلون فاسداً بفاسد، وأكثر كلامهم في إبداء مناقضات الخصوم.» فهو يرى أنهم لا يدافعون عن الدين، بل أن جد جدلهم يدور حول مناقضة ما يجيء به الطرف الآخر، ويقول أيضاً: «الردود على المعتزلة والقدرية، وبيان تناقضهم فيها قهر المخالف، وإظهار فساد قوله، هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: "الذب عن السنة أفضل من الجهاد".»
ويستمر في نقدهم بقوله أنهم أهملوا في مقالاتهم ذكر الأصول الصحيحة المأثورة عن السلف، وأنهم تكلموا في أصل من أصول الدين معتمدين بذلك على ما يعرفونه، وأنهم لا يبحثون عن القول الصحيح ولا عن قائله. ويقول: «فالشهرستاني صنف الملل والنحل، وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره، والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو الحسين البصري ومحمد بن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحداً منها والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم.» ويذهب ابن تيمية مذهباً أكثر تصلباً في دعوته إلى التمسك بالأصول، وحصر العلم الصحيح بأحمد بن حنبل فيدعو إلى موافقته، ويعتبره مقياساً يقاس عليه مدى تعلق الناس بالسنة، فيقول عنه: «وقوله هو قول سائر الأئمة فعامة المنتسبين إلى السنة يدعون متابعته والاقتداء به سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا فإن أقوال الأئمة في أوصول الدين متفقة ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى السنة كانت موافقته لأحمد أشد.» ويعتبر أن أبا الحسن الأشعري أقرب المتكلمين إلى السنة من غيره، ويقول أن انتسابه إلى أحمد أكثر من غيره كما هو معروف في كتبه.
ينتقد ابن تيمية المتكلمين في تقديمهم العقل على النقل، إذا تعارضا في مسألة إثبات العقائد، ويعتقد أن أصول الدين التي يكفر مخالفها، هي علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل، ثم يهاجم بعض من يدخلون في أصول الدين ما ليس فيها، فيقول: «وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخلت فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة، مثل: نفي الصفات، والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها.» ويبين ابن تيمية أن ما يستدل علماء الكلام به من الأدلة العقلية، هو على نقيض قولهم، فيقول: «أن عامة ما يحتج به النفاة من المعقولات هي أيضاً على نقيض قولهم، أدل منها على قولهم، كما يستدلون به على نفي الصفات ونفي الأفعال.» ويقول أن علماء الكلام مخالفون للكتاب والسنة، وقد ذمهم السلف والأئمة، وأنهم لم يقوموا بواجب الإيمان ولا بواجب الجهاد.