اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ولد سنة 80 هـ على أرجح الأقوال، وتوفى سنة 150 هـ وقد اشتهر أبو حنيفة بالفقه وهو أحد أئمة الفقه الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة والمنتشرة في كافة بقاع الأرض، وهو أول متكلم سني في الإسلام، وأول ممثل حقيقي لمذهب أهل السنة والجماعة. درس علم الكلام بالبصرة وكانت ملتقى النِحَل والآراء وبلغ فيه مبلغاً عالياً. وقد أطلق أبو حنيفة اسم الفقه الأكبر على الاعتقادات مقابلاً للفقه الأصغر الذي أطلقه على العبادات. والشك تطرق إلى كتاب الفقه الأكبر في صحة نسبه إلى أبي حنيفة لأنه يحتج على الأشعري والأشعرية وهي متأخرة عن أبي حنيفة قرنين من الزمان. وفي بعض الروايات أن الفقه الأكبر ليس ما بين أيدينا، إنما هو كتاب في الفقه حوى نحو ستين ألف مسألة. وكانت أقوال مقاتل بن سليمان (150 هـ) في التشبيه والتجسيم قد انتشرت في هذا الوقت في خراسان، فأعلن أبو حنيفة تنزيهه - سبحانه وتعالى - عن مشابهة المخلوقات لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء). وأبو حنيفة أول من وضع الفروق الدقيقة بين صفات الذات وصفات الفعل. ومسألة خلق القرآن قد أثيرت في عهده، وقد صرح في الفقه الأكبر أن كلام الله غير مخلوق وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق والقرآن كلام الله وهو قديم. وقد كان أبو حنيفة أول القائلين بالمذهب الكسبي الذي سيكون سمة لأهل السنة والجماعة، ويورد الملا علي القاري نصوصاً متعددة عن الإمام أبي حنيفة من كتاب الوصية تثبت إيمانه بنظرية الكسب وأنه أول من وضعها، فيقول القاري: "...وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خالقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره".
وهناك موقفان لأبي حنيفة من علم الكلام، الموقف الأول هو اشتغاله بعلم الكلام، والموقف الثاني هو رجوعه عن الاشتغال بعلم الكلام، ونهيه عن الاشتغال به، ومعظم الروايات قد ذكرت هذين الموقفين، منها ما ذكره الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في "الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان". يذكر في موقف أبي حنيفة من علم الكلام أنه في بداية طلبه للعلم، اشتغل بعلم الكلام، وبلغ فيه مبلغاً يشار إليه فيه بالبنان، وأعطى فيه جدلاً، فمضى عليه زمن به يخاصم، وعنه يناضل، حتى دخل البصرة لأن أكثر الفرق كانت بها، يقيم في بعض المرات سنة أو أكثر ينازع تلك الفرق من الخوارج والمعتزلة والروافض وأهل الإرجاء، لأنه كان يعد علم الكلام أرفع العلوم وأفضلها وأشرفها لكونه في أصول الدين. وهذا الموقف يبين تأييد أبي حنيفة لعلم الكلام واشتغاله به. ولقد ناظر الخوراج، وعارض الآراء المخالفة لأهل السنة، ولقد ذكر عنه قوله: "قاتل الله جهم بن صفوان، ومقاتل بن سليمان، هذا أفرط في النفي وهذا أفرط في التشبيه". وهذا يدل على مناصرة أبي حنيفة لآراء أهل السنة، ونقرأ أيضاً في مصنفات أبي حنيفة كـ"العالم والمتعلم" دفاعاً عن علم الكلام، وأيضاً كان مذهبه الفقهي ذو صبغة عقلية يغلب فيه الأخذ بالرأي والقياس وربما كان هذا نتيجة لاشتغاله بعلم الكلام حقبة من الزمن في أول اشتغاله بالعلم. أما الموقف الثاني: وهو معارضة أبي حنيفة لعلم الكلام ونهيه عن الاشتغال به، ويرجع موقف معارضة أبي حنيفة لعلم الكلام إلى كرهه التعمق في الجدل وأن يكون الجدل من أجل الجدل، وأن يقصد به تكفير المخالف، ويتضح ذلك عندما نهى أبو حنيفة ابنه حماد عن الاشتغال بعلم الكلام، فقال له حماد: "رأيتك وأنت تتكلم، فما بالك تنهاني"؟! فقال: "يا بني كنا نتكلم وكل واحد منا كأن الطير على رأسه مخافة أن يزل صاحبه، وأنتم اليوم تتكلمون وكل واحد يريد أن يزل صاحبه ومن أراد أن يزل صاحبه فكأنه أراد أن يكفر، ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه". وعلى هذا يمكن القول بكراهية أبو حنيفة لنوع معين من علم الكلام، وأنه لا يعارض أن يكون الجدل على قدر الحاجة، أما ما وراء الحاجة فإنه منهي عنه.
نجد فريقا من المسلمين أيد الاشتغال بعلم الكلام، ويقف على رأس هؤلاء المؤيدين المتكلمين أنفسهم، وهؤلاء رأوا ضرورة النظر في أصول الدين وإثباتها بالعقل، إذ أن الإيمان القائم على العقل أقوى من الإيمان الذي يقوم على التقليد، وساقوا الأدلة والبراهين على صحة موقفهم وأشاروا إلى ضرورة النظر في مصنفاتهم، بل وأفرد بعضهم كتبا خاصة لأهمية النظر، منها على سبيل المثال استهلال الماتريدي كتابه التوحيد ببيان أن سبيل معرفة الدين تتم بالنظر بجانب العقل، وفي ثنايا كتابه الضخم تأويلات أهل السنة في مواضع كثيرة تأييد لاستخدام النظر في الدين، بل إن هذا الكتاب يقوم على أساس هذه الفكرة، ونجد لأبو الحسن الأشعري كتاب استحسان الخوض في علم الكلام يبين فيه ضرورة النظر في الدين، وأن النظر مأمور به وليس منهياً عنه، ومن بعده نجد الأشاعرة أمثال: الباقلاني والجويني وغيرهما يوضحون أهمية النظر في الدين، وفي فريق المعتزلة نجد دعوة واضحة وصريحة لأهمية النظر، بل تقديمه على النقل والسمع، إذ عليه يتوقف صحة النقل، ونجد ذلك في مؤلفاتهم كما ذكرها القاضي عبد الجبار في "المحيط بالتكليف" و"شرح الأصول الخمسة" وأفرد جزءاً من كتابه "المغني" بعنوان "النظر والمعارف" على بيان أهمية النظر وأنه أول الواجبات على المكلف. ولقد قدم هذا الفريق أدلته العقلية والنقلية منها ما ذكره عضد الدين الإيجي في المواقف:
وهذا الفريق يرى أن علم الكلام هو أعلى مرتبة في العلوم، إذ أن موضوعه أعم الأمور وأعلاها وغايته أشرف الغايات وأجداها ودلائله يقينية يحكم بها صريح العقل، وقد تأيدت بالنقل وهي الغاية في الوثاق وهذه هي جهات شرف العلم لا تعدوها، فهو إذن أشرف العلوم. واستند هذا الفريق إلى ما ورد في القرآن في أكثر من موضع في الحث على النظر، وإقامة البرهان والدليل، والتماس العلم والبعد عن الظن.
وقد عقد ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري فصلاً في الكلام على من زعم أن علم الكلام بدعة وردوده عليه. وفيه يذكر أن الإمام الشافعي كان يكره كلام أهل الأهواء والبدع، أما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضّح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عنده وقد كان الشافعي يحسنه وبلغ فيه مبلغاً عظيماً. وكراهية الشافعي لعلم الكلام لم تكن تنصرف إليه كعلم، وإنما تنصرف إلى كلام القدرية وأهل الأهواء والبدع. وقد روي عنه أنه ناظر حفص الفرد في الإيمان وخلق القرآن. ويروي ابن عساكر عن الشافعي أنه كان يجيد علم الكلام بقوله: "لقد دخلت فيه حتى بلغت منه مبلغاً وما تعاطيت شيئاً إلا وبلغت فيه مبلغاً حتى الرمي كنت أرمي بين الغرضين فأصيب من عشرة تسعة". وهذا دليل على أنه تعلم الكلام وبلغ فيه مبلغاً عظيماً، ثم استحب ترك المناظرة فيه لأنه خشى أن يحل الكلام والجدل محل الكتاب والسنة خاصة وأن علم الكلام في عصره كان على طريقة المعتزلة من المبالغة القصوى في استخدام العقل في أمور العقيدة، فكان يخشى أن يتحول الدين إلى قضايا عقلية فلسفية وبراهين منطقية وهذا ما حدث بالفعل. والشيخ محمد أبو زهرة يقول عن الإمام الشافعي: "وليس الشافعي العاقل هو الذي ينهي عن أمر لا يعرف موضوعه ولا يتصوره، إذ الحكم على شيء فرع عن تصوره".
وقد أورد الشيخ محمد أبو زهرة بعض آراء الشافعي في مسائل الكلام باختصار في قوله عن الشافعي: "كان يقول أن القرآن كلام الله غير مخلوق ويعتقد برؤية الله يوم القيامة ويؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره وأن الإيمان تصديق وعمل ولذلك يزيد وينقص ويرى أن الإمامة لابد منها وأنها في قريش وكان يرى أبا بكر أحق بالخلافة من علي رضي الله عنه ويرى أن معاوية وأصحابه كانوا الفئة الباغية وقد أخذ بسيرة علي في معاملة البغاة في كتابه الأم". ويرى محمد أبو زهرة أن الشافعي إذا كان كره الكلام وذم المتكلمين فلم يكن ذلك إلا أنه أراد المعتزلة بالذم لمغالاتهم في الكلام وتطرفهم في استخدام العقل في الدين، فيقول أبو زهرة في كتابه عن الشافعي: "إذا سمعت الشافعي وابن حنبل وغيرهما يذمون علم الكلام ومن يأخذ العلم على طريقة المتكلمين فإنما أرادوا المعتزلة بذمهم".
هذا ويرى أهل السنة والجماعة أن سند مذهبهم إنما يعود إلى علي بن أبي طالب ويعتبرونه أول متكلميهم ويذكرون أنه ناظر الخوارج في مسألة الوعد والوعيد وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة، ثم عبد الله بن عمر وقد ورد عنه أنه تبرأ من معبد الجهني في نفيه القدر. ويتدرج الدكتور علي سامي النشار من عبد بن عمر إلى عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ)، فالحسن البصري (ت 110 هـ)، فزيد بن علي (ت 122 هـ)، ويذكر كذلك عامر الشعبي (ت 105 هـ)، ثم ابن شهاب الزهري (ت 124 هـ)، ويلي هذه الطبقة مباشرة الإمام جعفر الصادق (ت 148 هـ). ويجعل عبد القاهر البغدادي أول المتكلمين من الفقهاء أبو حنيفة النعمان ثم محمد بن إدريس الشافعي، ويذكر أن لكل منهما كتاباً في الرد على القدرية. وما ذهب إليه البغدادي من اعتبار أبي حنيفة والشافعي أصحاب كلام صحيح لأننا نستطيع أن نجد عندهما مذهباً كلامياً متناسقاً.
وفي مقابل هؤلاء برزت طائفة من العلماء نادت بمنع الخوض في علم الكلام كراهة أو تحريماً، مثلما هو مذهب بعض الفقهاء وأهل الحديث الذين عللوا ذلك بأنه مثار للشبهات والفتن، وطريق للابتداع، ومن أبرزهم:
ونجد فريقا آخر توسط بين المعارضة المطلقة والتأييد المطلق لعلم الكلام وهؤلاء يميزون بين موضوعات علم الكلام، فمنه الكلام المحمود ومنه الكلام المذموم، وأيضا من حيث المشتغلين به والممنوعين من الاشتغال به. والكلام المحمود هو المباحث الخاصة بإثبات الواجب لله تعالى وصفاته والنبوة والمعاد على قانون الإسلام، وهذه المسائل أصل العلوم الشرعية وأساسها وهي تفصيل الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر على الإيقان والإتقان. وهذه المباحث المذكورة لتقوية الكتاب والسنة لا لمخالفتها فلا حرمة ولا كراهة فيها، بل هي فرض، فمعرفة هذه المباحث على وجه الإجمال فرض عين على كل مسلم وعلى وجه التفصيل من فروض الكفاية. وأيضا فيه حراسة العقيدة على العوام، وحفظها عن التشويشات المبتدعة وهذه من فروض الكفايات، ولقد رأى الغزالي أن دراسة علم الكلام من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما، وليس في مجرد الطباع كفاية تحل شُبه البدعة ما لم تتعلم، فينبغي أن يكون التدريس فيه من فروض الكفايات، لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام كتدريس والفقه والتفسير فإن الكلام مثل الدواء، والفقه والتفسير مثل الغذاء، وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور. أي أن علم الكلام مباح عند الحاجة إليه في إزالة الشكوك في أصول العقائد والدفاع عن الدين ضد شبه المبتدعين ورد حججهم والكشف عن أمور مخالفة للسنة فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة أهل الحق على أهلها، فأنشأ الله طائفة المتكلمين وحرك دوافعهم لنصرة السنة المأثورة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ الكلام وأهله. وعلى هذا فإن علم الكلام مباح عند الحاجة، ويجب أن يؤخذ منه بقدر الحاجة وأن يقتصر فيه على الجلي الظاهر وعدم التعمق في الأبحاث والتفريعات.
أما المذموم من علم الكلام فهو الكلام المخالف للكتاب والسنة كإدخال مسائل لا توافق الكتاب والسنة أو إثبات مسائل على وجه لا يوافق الكتاب والسنة.
ويذكر سعد الدين التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية طوائف أربعة تمنع من الاشتغال بعلم الكلام وهي تمثل الكلام المذموم:
وعلى هذا فإن علم الكلام عند هؤلاء ليس محموداً لذاته أو مذموماً لذاته بل هو كما يقول الغزالي: "إن فيه منفعة وفيه مضرة فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام".
هو ما كان من أجل تقرير الحق وهو مهنة الأنبياء في الدفاع عن العقيدة، قال تعالى: قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى مخبراً عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} أي: حاججتنا، فأكثرت من ذلك". ويقول الله أيضاً: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وهذا النوع من الجدل هو أول خطوات الحوار، فقد وردت لفظتا الجدل والحوار في آية واحدة في سورة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، فالمرأة هنا تجادل الرسول وتراجعه وتشتكي إلى الله.
فهو ما يتعلق بالباطل وطلب المغالبة فيه، وقد أشار إليه القرآن في قوله تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ، وقوله تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا .
"الكلام المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المردية، فأما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد كان الشافعي يحسنه ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع".
– ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري
وقد قدم لنا ابن حزم الأندلسي في نهاية كتابه "التقريب لحد المنطق" عرضاً مسهباً لأهم قواعد الجدل وآداب المناظرة، فبيّن الفارق الكبير بين الجدل والسفسطة، وأظهر ضرورة التمييز بين الجدل الممدوح والجدل المذموم. والجدل الممدوح في رأيه واجب الأداء لمن يكون قادراً عليه إحقاقاً للحق، وإقامة للحجة الإسلامية، وهو ذلك الذي أوصانا به الله تعالى في قوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} فأمر الله عز وجل بضرورة المناظرة، مع الرفق والإنصاف في الجدال، وترك التعسف والبذاء والاستطالة. وأما الجدل المذموم فقد عبر عنه ابن حزم في موضع آخر في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، وهو الذي يجادل فيه المجادل من غير علم ولا حجة، أو يجادل بعد أن ظهر الدليل واستقامت الحجة، ولذلك يقسم ابن حزم الجدل المذموم إلى قسمين، فيقول: "المذموم وجهان: أحدهما من جادل بغير علم، والثاني من جادل ناصراً للباطل بشغب وتمويه بعد ظهور الحق إليه وفي هذا بيان أن الحق في واحد وأنه لا شيء إلا ما قامت عليه حجة العقل وهؤلاء المذمومون هم الذين قال الله تعالى فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ وبقوله تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ فبين تعالى كما ترى أن الجدال المحرم هو الجدال الذي يجادل به لينصر الباطل ويبطل الحق بغير علم".
وابن حزم يحدثنا في موضع آخر عن هذا النوع من الجدال فيقول إنه ليس أبعد عن جادة الصواب من أولئك الذين يتبجّحون بقدرتهم في الجدل، فيقرر الواحد منهم أنه قادر على أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وأمثال هؤلاء - في رأي ابن حزم - سفلة أرذال، أهل كذب وشر ومخرقة، لأنه ليس في قدرة مخلوق أصلاً أن يحيل الخطأ صواباً، والصواب خطأ، إلا أن يكون من ضعف العقل وقلة العلم بحيث يختلط عليه الحق بالباطل والباطل بالحق، ولعل هذا هو السر في كل تلك الجدليات الفاسدة والشغبيات الساقطة التي طالما حفلت بها مجالس المتناظرين. وأما الشرط الأول لقيام المناظرة - في رأي ابن حزم - فهو أن يكون المتناظران طالبي حقيقة، لا مجرد متصارعين يريد كل واحد منهما أن يكون هو الغالب لا المغلوب! فإذا اتفق أن يكون المتناظران هكذا، فتلك مناظرة فاضلة حميدة العاقبة يوشك أن تنحل عن خير مضمون. وأما إذا كان المتناظران غالطين أو مغالطين، أو كان أحدهما جاهلاً مكابراً، والثاني غالطاً أو مغالطاً، فتلك مناظرة يكثر فيها الشغب والصخب والغضب، ولا يكون فيها منفعة. ومعنى هذا أنه لا بد للمتجادلين من أن يكونا مخلصين في طلب الحق، بحيث لا يبغي واحد منهما بجدله مجرد الانتصار على خصمه، أو الاستطالة عليه بلسانه، بل طلب الحق لذاته، والتزام الإنصاف الذي هو غاية العدل في المناظرة. وابن حزم نفسه يسارع إلى الاعتراف بأنه على استعداد للتخلي عن رأيه، إذا تبيّن له خطأ ما استمسك به، أو صواب ما قال به مُخالفه.
تجددت في العصر الحديث دعوات تُلحق علم الكلام بالبدع المنكرة، وأن الاشتغال به حرام لأنه مبني على غير الكتاب والسنة، وأن استمداده من آراء الفلاسفة والوثنيين، وأن الاكتفاء بالكتاب والسنة هو الحصن لطالبي العقيدة الصحيحة. ومن ثم رُمى أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية بأنهم أهل التعطيل أو أهل التأويل المذموم أو أنهم جهمية، إلى غير ذلك من ألقاب، في محاولة لصرف المسلمين عامة وطلبة العلم خاصة عن مذهب أهل السنة والجماعة، وتعلقت هذه الدعوات بشبهات يحاولون أن يصوٌروا بها علم الكلام كأنه من العلوم المذمومة التي لا تحل دراستها، ولا تحل القراءة فيها، وأن الاكتفاء بنصوص الكتاب والسنة المجردة هي الأصل الأصيل الذي لا بديل عنه ولا سبيل سواه. وينقلون بعض عبارات للسلف الصالح فيها النهي عن الخوض في علم الكلام، ويحملونها على غير وجهها إما لجهل أو لإضلال الناس عن المقاصد الصحيحة لهذه النصوص والعبارات. ومن أمثلة الأقوال التي يستدلون بها قول الإمام الشافعي: "لو عَلِمَ الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه كما يفرون من الأسد، ولأن يلقى الله تعالى العبد بكل ذنب سوى الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام". وكلام الإمام الشافعي هنا محمول - كما يقول الإمام البيهقي - على كلام المبتدعة كحفص الفرد، وهو من الجبرية، بدليل أن الإمام الشافعي نفسه قد ناظرهم وجادلهم وأقام الحجة عليهم. ويقول الإمام ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري ما صورته: "كان الشافعي يحسن الكلام، وقد قال: أحكمنا ذلك قبل هذا، أي الكلام قبل الفقه، وتكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليهم وقطع". وكذلك كل ما ورد عن السلف من أمثال هذه الأقوال محمول على كلام من خالف أهل السنة من القدرية والجبرية والمشبهة والمجسمة وغيرهم.
وعلم الكلام قد اشتمل في بعض مباحثه وأبوابه على الفلسفة، وهذا شيء طبيعي إذا نظرنا إلى ظروف نشأة هذا الفن. وحول هذا يقول الإمام التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية: "ثم لما نُقلت الفلسفة إلى العربية، وخاض فيها الإسلاميون، حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من إبطالها وهلم جرّا، إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات، وخاضوا في الرياضيات، حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات، وهذا هو كلام المتأخرين. وبالجملة هو أشرف العلوم، لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية، وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية. وما نُقِل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين. وإلا فكيف يتصور المنع عما هو من أصل الواجبات وأساس المشروعات".
فلم يكن اشتغال علماء الكلام واطلاعهم على مباحث الفلسفة من باب الانصراف عن الكتاب والسنة أو الإعراض عنهما ولكنه من باب استعمال الأدلة العقلية (الفلسفة والمنطق) في إثبات الشريعة والاحتجاج على المنكرين من أهل الفلسفة أنفسهم. لذلك أسس علماء المسلمين هذا الفن، لكي يدفعوا به شبهات المعارضين والمشككين في الإسلام، والذين لا يؤمنون بالكتاب ولا يقرون بنبوة النبي محمد، ولا البعث ولا الحساب.
وقد اشتغل بعلم الكلام كبار علماء الأمة، مثل: أبو حنيفة، والشافعي، والأشعري (وله رسالة بعنوان "استحسان الخوض في علم الكلام")، والماتريدي، والبيهقي، والقشيري، والباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، وحجة الإسلام الغزالي، وفخر الدين الرازي، وناصر الدين البيضاوي، وسيف الدين الآمدي، وعضد الدين الإيجي، وسعد الدين التفتازاني، وفخر الدين الخبيصي، وأبو قاسم الأنصاري، وأبو المعين النسفي، وأبو الوليد الباجي، وأبو إسحاق الإسفراييني، وأبو المظفر الإسفراييني، وعبد القاهر البغدادي، وابن فورك، وابن الجوزي، وابن حزم، وابن خمير السبتي، ومحمد بن يوسف السنوسي، وأحمد الدردير، وإبراهيم اللقاني، وإبراهيم الباجوري، وغيرهم من أئمة المسلمين. فعلم الكلام شأنه شأن سائر علوم الشريعة، يجب على المسلمين وجوباً كفائياً أن يتعلموه حتى يتمكنوا من دفع شبهات المشككين. وقد صنّف الإمام البخاري إمام الحفاظ والمحدثين (ت 256 هـ) كتاب (خلق أفعال العباد)، وصنَّف المحدث نعيم بن حماد (ت 228 هـ) كتاباً في الردّ على الجهمية وغيرهم، وصنَّف المحدّث محمد بن أسلم الطوسي (ت 242 هـ) - وهو من أقران الإمام أحمد - أيضاً في الردّ على الجهمية. وقد ردّ على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنّة من أقران الإمام أحمد بن حنبل، وهم: الحارث المحاسبي، والحسين الكرابيسي، وعبد الله بن سعيد بن كلاب.
وقد عقب الشيخ سعيد فودة على كلام الإمام الإخميمي فقال:
"وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن قالوا: إن المحذور من الكلام إن كان هو لفظ الجوهر والعرض وهذه الاصطلاحات الغريبة التي لم تعهدها الصحابة رضي الله عنهم، فالأمر فيه قريب، إذ ما من علم إلا وقد أُحدِثَ فيه اصطلاحات لأجل التفهيم، كالحديث والتفسير والفقه، ولو عُرِضَ عليهم عبارة: النقض، والكسر، والتركيب، والتعدية، وفساد الوضع.. إلى جميع الأسئلة التي تُورَد على القياس لما كانوا يفقهونه، فإحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح، كإحداث آنيةٍ على هيئة جديدة لاستعمالها في مباح. وإن كان المحذور هو المعنى: فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم، ووحدانية الخالق وصفاته، كما جاء في الشرع، فمن أين تحرم معرفة الله تعالى بالدليل؟! وإن كان المحذور هو التشغُّب والتعصب والعداوة والبغضاء وما يفضي إليه الكلام، فذلك محرَّم ويجب الاحتراز عنه، كما أن الكِبْر والعجب والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه، وهو محرَّم يجب الاحتراز عنه، ولكن لا يَمنع من العلم لأجل أدائه إليه. وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة بها والبحث عنها محظوراً وقد قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم...) [البقرة: 111]....
وخلاصة البحث في هذه المسألة هو ما لخَّصه العلامة الزبيدي من كلام الإمام الشافعي رحهمها الله تعالى، فقال في "إتحاف السادة المتقين": قال الشافعي: "كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجد وما سواه الهذيان". فكل كلام يخالف الكتاب والسنة فهو هذيان، وكل كلام يوافقهما فهو الجد، وكلام أهل السنة كما علمت موافق للكتاب والسنة، فهو الجد بلا شك، انتهي. وقد أشار العلامة السعد في "شرح العقائد النسفية"، إلى أن ذم العلماء المتقدمين - كالشافعي - لعلم الكلام إنما هو متوجه على من يتكلم مخالفاً للكتاب والسنة، أو من يكون قاصراً عن الفهم، أو من يتكلم في هذه الموضوعات والمباحث قاصداً هدم الدين ونشر الضلالات، فانظر هذا الكلام في "شرح السعد" بعبارته المتينة.
ملاحظة: إن مسألة ذم علم الكلام من المسائل التي وقع فيها الخبط والخلط المتعمد من ابن تيمية، قاصداً التشغيب على الناس، وخلط الحابل بالنابل، والمحققون يعلمون أن ما ذكره العلامة الإخميمي هنا هو خلاصة الحق الحقيق بالقبول، ومن أراد الاستزادة، فليرجع إلى كتابنا "تدعيم المنطق"، فقد عقدت فيه فصلاً خاصاً بمناقشة بعض الكلمات التي وردت عن المتقدمين من الأعلام اعتمد عليها من قصر فهمه، وظن أنهم يذمون علم الكلام مطلقاً.وعليه فإن ما ورد عن السلف من نصوص تنهى عن الاشتغال بعلم الكلام محمولة على من استخدم هذا العلم على طريقة أهل الأهواء والبدع الذين غَلَّبوا جانب العقل، وتركوا الكتاب والسنة، وليس النهي الوارد على الإطلاق، كما أنه قد يتحتم -على سبيل الكفاية- للرد على غلو الملاحدة ونحوهم. وبهذا يعلم المذموم من علم الكلام والواجب منه. وما قيل عن رجوع علماء علم الكلام في آخر حياتهم عن علم الكلام، معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، كما ذكر الإمام تاج الدين السبكي في طبقاته.