اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ذهب الأمير سعيد برفقة ثلاثة من أقربائه إلى مبنى السراي ليجدوه خالياً تماماً من أي وجود عثماني. اتجه نحو مكتب الوالي في الطابق العلوي من البناء ووجد مقعد الحكم شاغراً، فجلس عليه عامداً، معلناً نفسه حاكماً عربياً مستقلاً على ولاية الشام، قائلاً: "اعتبرت نفسي مسؤولاً عن دمشق." اعلن الحكم باسم الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، بالرغم أن الأمير سعيد لم يكن قد حصل على أي تكليف، لا من الشريف حسين أو من الحكومة البريطانية الداعمة له. بدأ الأمير سعيد بترتيب البيت الداخلي واختيار فريق عمله لحكم العاصمة أولاً ومن ثم سوريا كلها، وطلب من صديقه الصحافي والروائي معروف الأرنأؤوط إحضار راية الثورة العربية من منزله بحي العمارة، لرفعها فوق دار الحكومة، بعد إنزال العلم العثماني. قيل يومها إن هذه الراية أعطيت لشقيقه الأمير عبد القادر الجزائري الصغير من الشريف حسين نفسه لتُرفع فوق دار الحكومة بدمشق بعد خروج آخر جندي عثماني من المدينة. اختلف المؤرخون وشهود العيان على تاريخ رفع العلم العربي في دمشق، فيقول الأمير سعيد في مذكراته أنها رفعت في 28 أيلول 1918، ويؤكد لورنس العرب أن الحدث تم في الثلاثين من الشهر ذاته، بفارق ثمانية وأربعين ساعة. أما جريدة المقتبس الدمشقية فقد نفت كلتا الروايتين، وأكدت في عددها الصادر يوم 27 أيلول 1918، أن العلم العربي رفع في 26 من شهر أيلول. في اليوم التالي، أقيمت الصلاة في الجامع الأموي باسم الشريف حسين، وأمّ بالمصلين الأمير سعيد نفسه، بصفته ولياً عن الأمة.
باشر الأمير حكمه باختبار رجال العهد الجديد، من معاونين ووزراء. ذهبت إدارة البرق والبريد مناصفةً بين معروف الأرنأؤوط وصديقه عثمان قاسم، وطُلب منهما الإبراق إلى المدن والقرى السورية كافة للإعلان عن تأسيس حكم وطني في دمشق تحت إمرته. جاء في نص البيان: "بناء على تسليمات الدولة التركية، فقد تأسست الحكومة العربية الهاشمية على دعائم الشرف. طمأنوا الجميع وأعلنوا الحكومة باسم الحكومة العربية." وُقِّعت الرسالة باسم "الأمير سعيد،" من دون تحديد الأسرة أو النسب، فكلاهما كان معروفاً لدى الناس. بعدها أمر الأمير بمصادرة ما تبقى من الأموال العثمانية ووضعها تحت مراقبة صديقه شكري التاجي، فقام الأخير بجرد الممتكلات العامة للدولة وسلمها بدوره للضابط الدمشقي ممدوح العابد. ثم عيّن الأمير سعيد الضابط الدمشقي سعدي كحالة قائداً للدرك، والفلسطيني أمين التميمي مديراً للأمن العام، كما عيّن الوجيه عمر بيهم حاكماً لمدينة بيروت، وأحمد مختار بيهم قائداً لأمنها. وشكل الأمير سعيد بعدها حكومة مصغرة لإدارة شؤون البلاد، مؤلفة من خمسة وزراء، هم: فارس الخوري وعطا الأيوبي وشاكر الحنبلي وجميل الإلشي وبديع مؤيد العظم.
إلا أن هذه الحكومة لم تدوم طويلاً، ففور وصول القوات البريطانية إلى دمشق، برفقة الأمير فيصل بن الحسين يوم 3 تشرين الأول 1918، قام الضابط توماس لورنس بعزل الأمير سعيد عن منصبه، وأمر باعتقال شقيقه الأمير عبد القادر الجزائري الحفيد، معتبراً أن في تسلمهم للحكم تجاوز صريح لمكانة بريطانيا العظمى ومخططاتها في الشرق الأوسط. سلّم الأمير سعيد مقاليد الحكم ومفاتيح السراي، منهياً بذلك أقصر فترة حكم عرفته مدينة دمشق في تاريخها المعاصر.