اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أن اجتاز لبنان عهدًا طويلاً من الركود الفكري، دبّ في القرن التاسع عشر نشاط ظاهر في مختلف العلوم والآداب، وشهد عهد المتصرفية نهضة أدبية كان من أبرز أسبابها العوامل التالية:
تجلّت النهضة الأدبية والعلمية في عهد المتصرفية في عدد من المظاهر، وكان أهمها: تأسيس المدارس الوطنية، فقد كان إنشاء المدارس الأجنبية حافزًا للوطنيين والحكّام على تأسيس مدارس وطنية، وعلى إنعاش المدارس القديمة وتقويتها. وكان من أشهر المدارس التي تأسست في بيروت في هذا العهد المدرسة البطريركية سنة 1865، ومدرسة الثلاثة أقمار سنة 1866، ومدرسة الحكمة سنة 1872، ثم مدرسة زهرة الإحسان للبنات والمدرسة الداودية في عبيه. وجميع هذه المدارس لا تزال مزدهرة حتى الآن. ولم يمض وقت طويل حتى كان في كل قرية كبيرة من قرى المتصرفية مدرسة وطنية أو أجنبية، وحتى أصبحت بيروت أغنى مدن المشرق العربي بالمدارس. ومع أن بيروت كانت خارج حدود المتصرفية فإن قسمًا كبيرًا من تلاميذها كان من أبناء المتصرفية. وقد أدّت هذه المدارس قسطها في نشر العلم في لبنان والأقطار المجاورة.
وفي عهد المتصرفية انتشرت المطابع في أنحاء جبل لبنان بعد أن كانت منحصرة في مطبعتيّ الشوير ودير قزحيا. فأنشئت مطبعة في بيت الدين وأخرى في دير القمر، ثم لم تلبث المطابع أن عمّت مختلف بلاد المتصرفية كبعبدا وجونية وعاليه وعبيه وحمّانا والبترون وجبيل وحاريصا وزحلة. وتدل كثرة المطابع على انتشار وسائل الثقافة، ويدل توزيعها في مختلف أنحاء البلاد على أن العناية بأسباب الثقافة لم تكن مقصورة على المدن فحسب وإنما كانت تشمل مراكز الأقضية وبعض القرى الصغيرة أيضًا.
تبوأ لبنان مركز الصدارة في عالم الصحافة، فقد صدر خلال عهد المتصرفية عدد كبير من الصحف والمجلاّت كان من أشهرها: جريدة "لبنان" التي ظهرت سنة 1867 بأمر من داود باشا، وجريدة البشير للآباء اليسوعيين سنة 1870، و"الجنينة" لبطرس البستاني سنة 1871، و"ثمرات الفنون" لعبد القادر القبّاني سنة 1875، وجريدة "لسان الحال" لخليل سركيس سنة 1877، وجريدة "بيروت" لمحمد الدنا سنة 1886. هذا بالإضافة إلى الصحافة اللبنانية التي ظهرت وازدهرت في خارج لبنان، وخصوصًا في مصر، مثل جريدة الأهرام لسليم وبشارة تقلا سنة 1875، و"المقتطف" سنة 1876، وجريدة مصر لأديب إسحق سنة 1877، وجريدة المقطّم ليعقوب صرّوف وفارس نمر سنة 1889، ومجلة الهلال لجرجي زيدان سنة 1892، والضياء لإبراهيم اليازجي سنة 1898. وكانت الصحافة العربية من أهم مظاهر النهضة وأسباب انتشارها وتقدمها.
ومن مظاهر النهضة الثقافية أيضًا ظهور الجمعيات الأدبية، وكان من أشهرها جمعية العلوم التي كان يرأسها الأمير محمد أرسلان، وجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية التي أنشأها في بيروت مدحت باشا والي سوريا سنة 1880، والمجمع العلمي الشرقي الذي ترأسه الدكتور ڤانديك، وجمعية زهرة الآداب برئاسة أديب إسحق، وغيرها. ومن المظاهر الأخرى للنهضة الثقافية ظهور عدد من أعلام الأدباء والعلماء الذين برزوا في مختلف الحقول، منهم: في حقل اللغة وآدابها؛ الشيخ ناصيف اليازجي، وعبد الله البستاني، والشيخ يوسف الأسير، وأحمد فارس الشدياق. وفي حقل التاريخ المطران يوسف الدبس. وفي حقل التأليف العلمي الدكتور يوحنا ورتبات واضع كتابيّ "مبادئ التشريح" و"صناعة الجرّاح"، والدكتور أمين الجميّل واضع كتاب "الصحة". والمعلّم بطرس البستاني ناشر "دائرة المعارف" وواضع قاموس "محيط المحيط".