English  

الخلافة الراشدة (21,695 كتاب)

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الخلافة الراشدة (معلومة)

الخِلافةُ الرَّاشِدَة، أو الخِلافةُ الراشِدِيَّة، أو دولةُ الخُلَفاءُ الرَّاشِدين، هي أولى دُول الخِلافة الإسلاميَّة التي قامت عقِب وفاة الرسول مُحمَّد يوم الاثنين 12 ربيع الأوَّل سنة 11هـ، المُوافق فيه 7 يونيو سنة 632م، وهي دولةُ الخِلافة الوحيدة التي لم يكن الحكم فيها وراثيًّا بل قائمٌ على الشورى، عكس دول الخِلافة التالية التي كان الحُكمُ فيها قائمًا على التوريث.

توالى على حكم الدولة أربع خُلفاء من كِبار الصحابة، وجميعهم من العشرة المُبشرين بالجنَّة وِفق المُعتقد الإسلامي السُنّي تحديدًا، وهم: أبو بكر الصدّيق وعُمر بن الخطَّاب وعُثمان بن عفَّان وعليّ بن أبي طالب، يُضاف إليهم الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب الذي يعدّ البعض عهده القصير في الحكم مُتممًا لعهد الأربعة الذين سبقوه. اشتهر الخُلفاءُ الراشدون بالزُهد والتواضع وعاشوا حياتهم دون أي أبَّهة وبشكلٍ مُماثل لباقي الناس، ويتَّفقُ عُلماء أهل السنَّة والجماعة أنَّهم أفضل حكَّام المُسلمين وأعدلهم، وأنَّهم كلَّهم سواسية ولا فضل لأحدٍ على آخر، بينما ينقسم الشيعة حول هؤلاء الخلفاء إلى رأيين: رأي الشيعة الاثنا عشريَّة والإسماعيليَّة الذين يعتبرون أنَّ عليّ بن أبي طالب هو الأحق بالخِلافة وأنَّ النبي مُحمَّد أوصى له بها، فهي من حق أهل بيت مُحمَّدٍ فقط وقد اغتُصبت منهم، ولهذا فهم يتخذون موقفًا سلبيًّا من الراشدين الثلاثة الأوائل؛ ورأي الشيعة الزيديَّة القائل بخِلافة المفضول مع وجود الأفضل، أي أنَّ عليًّا أحقُ بالخِلافة لكنَّهم يقرّون بصحَّة خلافة أبو بكر وعُمر وعُثمان. كذلك ظهرت خِلال أواخر هذا العهد طوائف أخرى بفعل الانقسام الذي حصل بين المُسلمين، منها من بالغ في حب عليّ بن أبي طالب ومنها من بالغ في كرهه.

بلغت الخِلافةُ الرَّاشِدة أوج اتساعها خلال عهد الخليفة الثالث عُثمان بن عفَّان، فامتدت أراضيها من شبه الجزيرة العربيَّة إلى الشام فالقوقاز شمالًا، ومن مصر إلى تونس غربًا، ومن الهضبة الإيرانيَّة إلى آسيا الوسطى شرقًا، وبهذا تكون الدولة قد استوعبت كافَّة أراضي الإمبراطوريَّة الفارسيَّة الساسانيَّة وحوالي ثُلثيّ أراضي الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. وقد وقعت أغلب الفتوحات الإسلاميَّة في عهد الخليفة الثاني عُمر بن الخطَّاب، وأخذت القبائل العربيَّة تتوطن في البلاد الجديدة وتعمل على نشر الإسلام بين أهلها، فأصابت في ذلك نجاحًا كبيرًا حيث اعتنقت الأغلبيَّة الساحقة من أهالي تلك البلدان الإسلام خلال السنوات اللاحقة، وقد برز في عهد الخِلافة الراشدة أسماء عدد من القادة العسكريين الذين احتلّوا منذ ذلك الحين مكانةً مرموقة في عالم الفاتحين التاريخيّن، ومنهم: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقَّاص. وكان اتساع الدولة سببًا في جعل العرب يقتبسون لأوَّل مرَّة النظم الإداريَّة الأجنبيَّة، فاتبعوا التنظيمات والتقسيمات الإداريَّة البيزنطيَّة والفارسيَّة وأبقوا على بعضها كما هو وأدخلوا تعديلاتٍ على أخرى حتى تتناسب مع الظروف المُعاصرة.

أخذت المشاكل تدبُّ في جسم دولة الخِلافة الراشدة خلال عهد عُثمان بن عفَّان، عندما وقع الانقسام بين المُسلمين لأوَّل مرَّة وأدّى إلى مقتل عثمان، وتفاقمت المشاكل لاحقًا في عهد علي بن أبي طالب، وقد انتهى العهد الراشِدي واقعيًّا بعد أن تحاكم عليّ ومُعاوية بن أبي سُفيان بعد رفع المصاحف في معركة صفين وانقسمت الدولة على إقليمين، أحدهما خاضعٌ لعليّ والآخر لمُعاوية، وانتهت تمامًا بعد أن تنازل الحسن بن علي عن الخِلافة لمُعاوية في عام الجماعة حقنًا لدماء المُسلمين، وبعد وفاة الحسن ثبَّت مُعاوية الحكم في البيت الأموي وجعلها وراثيَّة، فكان بذلك المؤسس للدولة الإسلاميَّة الثانية؛ الدولة الأموية.

التاريخ

الخُلفاءُ الرَّاشدون (661 → 632)

خلفيَّة تاريخيَّة

  • طالع أيضًا: سقيفة بني ساعدة

توفي النبي مُحمَّد ضحى يوم الاثنين في 12 ربيع الأوَّل سنة 11هـ، المُوافق فيه 7 يونيو سنة 632م في بيت زوجته عائشة بنت أبي بكر بالمدينة المنوَّرة، وقد تمَّ له 63 سنة، فأحدثت وفاته صدمة عنيفة فاجأت المُسلمين عامَّةً، فتجمهروا خارج دار عائشة يريدون التأكد، وقام عُمر بن الخطَّاب من هول صدمته يخطب الناس ويتوعَّد من قال "مات" بالقتل والقطع، حتى أقبل أبو بكر الصدّيق من السنح على دابَّته ونزل بباب المسجد ودخل بيت عائشة وكشف عن جثمان النبيّ وجثا عليه يُقبِّله ويبكي ثمَّ قال: «بأبي أنت وأُمِّي، طِبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يُذيقك الله الموتتين أبدًا، أمَّا الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها»، ثمَّ خرج سريعًا إلى المسجد حتى أتى المنبر. وجلس عُمر وجلس باقي الصحابة والناس، فتشهَّد أبو بكر وحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: «أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»، وقرأ عليهم الآية 144 من سورة آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. وعندما تلا أبو بكر هذه الآية أيقن عُمر بن الخطَّاب والمُسلمون أنَّ مُحمَّدًا قد توفي بحق، وقد غُسل جثمانه في بيت عائشة وليس فيه إلَّا أهله: عمّه العبَّاس بن عبد المطلب وابن عمَّه عليّ بن أبي طالب، والفضل بن العبَّاس وقثم بن العبَّاس وأسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه، ثُمَّ كُفِّن ودُفن حيث كان فراشه بعد أن قال أبو بكر: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ"». خلقت وفاة النبي مُحمَّد وضعيَّة خاصَّة ذات ملامح مُتفرِّدة ومصيريَّة، وبرزت فورًا مسألة الحِفاظ على إنجازاته من دين ودولة، وبالتالي مسألة خِلافته. وساهمت غيبته في إبراز الطابع الدُنيوي للأحداث، حيث أخذت المصالح الاجتماعيَّة للقبائل المُختلفة التي ما زالت ضمن الحظيرة الإسلاميَّة، تُعبِّرُ عن نفسها بأشكالٍ مُباشرةٍ وصريحةٍ تتلائم ُ مُباشرةً مع محتواها. والواضح أنَّ مسألة قيادة المُسلمين بعد وفاة النبي، كانت المسألة الرئيسَّة والحاسمة التي ارتبطت بها كل المسائل الأخرى على أن تتلازم مع الأُسس التي وضعها لإقامة دولة. ففي الوقت الذي أُعلن فيه خبر الوفاة، برزت لدى كِبار الصحابة من الأنصار، الأوس والخزرج، قضيَّة اختيار خليفة للنبي، ذلك أنَّه وفقًا لعلماء أهل السنَّة لم يرد في القرآن نصٌّ صريح يُحدد أُسس انتخاب خليفة للرسول، لكنَّه دعا إلى الشورى في سورةٍ تحملُ ذات الاسم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وفي سورة آل عمران: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، وكان النبيّ قد أمر بالشورى فيما لا نص فيه، وكان يتخذ من أهل الرأي والبصيرة مجلسًا للشورى، وكان يُكثر من مُشاورة الصحابة وبالأخص كبارهم السبَّاقين إلى الإسلام. بالمُقابل يرى عُلماء الشيعة أنَّ مسألة اختيار خليفة للمُسلمين كانت محسومة بنصٍ قرآنيّ وبعددٍ من الأحاديث النبويَّة، وأنَّها كلّها تُشير إلى أحقيَّة آل بيت الرسول بالخِلافة وفي مُقدِّمتهم عليّ بن أبي طالب، ومن ذلك الآية 55 من سورة المائدة: ﴿إنَّمَا وَليّكم اللّه وَرَسوله وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يقيمونَ الصَّلاَةَ وَيؤتونَ الزَّكَاةَ وَهم رَاكعونَ﴾، حيث ذهب المُفسرون والعُلماء إلى أنَّها نزلت في حق عليّ حينما تصدَّق بخاتمه في أثناء الصلاة؛ وقول النبي مُحمَّد لعليّ: «أَمَا تَرضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى؟»، وقوله أيضًا: «عَلِيُّ وَليُّ كُلَّ مُؤمِنٍ بَعدِي».

وفي جميع الأحوال فإنَّ ما جرى بعد ذلك كان اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للنبيّ، وقد تمَّت الدعوة للاجتماع على عجلٍ دون إعلام المُهاجرين بسبب عدَّة عوامل لعلَّ أبرزها هو أنَّ أهل المدينة كانوا يرون أنَّهم أحق بالخِلافة لأنَّهم أوَّل من ناصر النبي مُحمَّد واستقبلوه مع أصحابه المُهاجرين وجاهدوا معه في سبيل الله،(1) واتفق الأنصار على مُبايعة سعد بن عبادة الخزرجي، فأجلسوه وعصبوه بعصابة وثنوا له وسادة. بالمُقابل كان المُهاجرون آنذاك أكثر بُعدًا عن هذا المُناخ السياسي، بعضهم قد شُغل بوفاة النبيّ مُحمَّد وجهازه ودفنه، وبعضهم ما تزال الصدمة تملأ نفسه، وبعضهم لم يُفكّر في اختيار خليفة مُعتقدًا أنَّ هذا الأمر هو آخر ما يقع الاختلاف فيه، وهم على يقين أنَّ ما من طائفة من المُسلمين سوف تُنازعهم في هذا الأمر. ولمَّا بلغ خبر اجتماع السقيفة أبا بكر الصدّيق وعُمر بن الخطَّاب بعد ليلة الاثنين يوم وفاة الرسول مُحمَّد، مضيا إلى هُناك مُسرعين بفعل أهميَّة وخطر الموضوع المطروح من مُشكلة الحُكم، وانطلق معهما أبو عُبيدة بن الجرَّاح ودخلوا سقيفة بني ساعدة حيث شقَّ أبو بكر طريقه إلى صدر الاجتماع، وألقى خِطبة في المُجتمعين بيَّن فيها وجهة نظر المُهاجرين عامَّة من قضيَّة اختيار خليفة للنبيّ، فجرت مُناقشة هادئة انتهت إلى القول بالثنائيَّة في الحكم: "منَّا أمير ومِنكم أمير"، وكان صاحب هذه النظريَّة هو الحبَّاب بن المنذر. لكنَّ أبا بكر ومن معه كانوا يُفضلون وحدة الأمَّة التي أسسها النبي، وحدَّد أبو بكر الأولويَّة بالأقدميَّة في حياة الإسلام، وبالعذاب في سبيل العقيدة والإيمان دون أن يُغمط حق الأنصار من التكريم ودون التغافل عن مزاياهم، فتطوّرت المواقف المُتباينة التي عُرضت في الاجتماع نحو التأزّم، ولم تنفرج إلّا بعد أن أيَّد بشير بن سعد بن النعمان الأنصاري موقف المُهاجرين، فتحرَّك أبو بكر في تلك اللحظة مُستغلًّا تحوّل الموقف لصالح المُهاجرين وبعد أن رأى أنَّ الفرصة سانحة لإقفال باب المُناقشة، فدعا المُجتمعين إلى مُبايعة عُمر بن الخطَّاب أو أبي عُبيدة بن الجرَّاح، لكنَّ عُمر أبى إلَّا أن يتولَّاها أبو بكر، فقال أنَّ لا أحد أحق بالخلافة من أفضل المُهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار، فطلب منه أن يبسط يده ليُبايعه، فسبقه بشير بن سعد وأُسيد بن حضير، ثمَّ أقبل الأوس والخزرج على مُبايعته باستثناء سعد بن عبادة بسبب حراجة وضعه كزعيم رشحته الخزرج، وصحَّة جسمه حيث كان عليلًا. وصبيحة الثلاثاء 13 ربيع الأوَّل سنة 11هـ، المُوافق فيه 8 يونيو سنة 632م، تمَّت في المسجد البيعة العامَّة من المُهاجرين والأنصار قاطبةً، حيث خطب عُمر بن الخطَّاب على المنبر ثمَّ أصعد أبو بكر فبايعه عامَّة الناس.

جرت هذه الوقائع في الوقت الذي كان فيه عليّ بن أبي طالب والزُبير بن العوَّام، ونفر من بني هاشم، وطلحة بن عُبيد الله، مشغولين بجهاز النبي ودفنه، فغابوا عن اجتماع السقيفة. وعليه، لم يكن لعليّ رأي مُباشر في النقاش إلَّا أنَّه بايع أبا بكر في نهاية المطاف، واختلف رأي العُلماء والباحثين السُنَّة مع رأي العُلماء والباحثين الشيعة في هذا المجال،(2) فقال السنَّة أنَّ عليًّا عتب على أبو بكر لأنَّه لم يأخذ مشورته قبل بيعة السقيفة والبيعة العامَّة، ثمَّ بايعه البيعة العامَّة في المسجد بعد أن طلبه حين لم يراه بين الجمهور، وأنَّ مُبايعة عليّ لأبي بكر كانت بملء إرادته، بينما قال الشيعة أنَّ عمرًا وجماعة من الصحابة أرغموا بني هاشم والزُبير على مُبايعة أبي بكر في حين امتنع عليّ ستَّة أشهر من المُبايعة.

عهد أبي بكرٍ الصدِّيق (11-13هـ/632-634م)

  • طالع أيضًا: أبو بكر الصدّيق
  • حروب الردَّة
  • جمع القرآن
  • معركة ذات السلاسل
  • معركة اليرموك

كان أوَّل عمل قام به أبو بكر بعد مُبايعته هو التصدّي لأهل الردَّة ومُدعي النبوَّة، فلم يكد نبأ وفاة النبي مُحمَّد ينتشر في بلاد العرب حتى اشتعلت الفتنة في كل أنحاء شبه الجزيرة العربيَّة بأشكالٍ مُختلفة، ولأسبابٍ مُتباينة، وبرزت ظاهرة التنبؤ (إدعاء النبوة) كإحدى الإنعكاسات للنجاح الإسلامي في الحجاز، وإن كان بعض المُتنبئين قد أعلنوا دعوتهم في أواخر حياة النبي. فتنبأ الأسود العنسي في اليمن، ومُسيلمة بن حبيب الحنفي في اليمامة، وطليحة بن خويلد الأسدي، وسجاح بنت الحارث التميميَّة، وذو التاج لقيط بن مالك الأزدي في عمان. والراجح أنَّ مقتل الأسود العنسي تمَّ قبل وفاة النبي بيومٍ أو بليلة، ولكن الرُسل وصلت في خلافة أبي بكر في آخر شهر ربيع الأوَّل عام 11هـ المُوافق لشهر يونيو عام 632م. ولكن قبل أن يحوِّل نظره شطر الأنحاء التي أعلن أهلها ارتدادهم عن الإسلام، قرر أبو بكر تلبية رغبة النبيّ مُحمَّد قبل وفاته، وهي إرسال سريَّة أسامة بن زيد إلى مشارف الشام للإغارة على القبائل الشاميَّة على الطريق التجاري بين مكَّة وغزَّة، ولمُحاربة الروم. وقد أشار المُسلمون وفي مُقدمتهم عُمر بن الخطَّاب على أبي بكرٍ ألّا يُرسل حملة أسامة بن زيد حتى لا تضعف قوَّة المدينة المنوَّرة بحال هاجمتها قبائل الأعراب المُرتدَّة، ولحاجته إليها في قتالهم وغزوهم، لكن أبا بكر أبى أن يُخالف وصيَّة النبي، وكان جوابه إلى الصحابة صريحًا، فقال: «وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَخَطَفُنَا، وَالسِّبَاعَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ أَنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لَأُجَهِّزَنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ». ثمَّ نهض أبو بكر بنفسه، في أواخر ربيع الأوَّل سنة 11هـ الموافقة لسنة 632م، واستعرض جيش أسامة بن زيد وأمره بالمسير، وسار معه ماشيًا وأسامة راكبًا، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة أبي بكر حتى اطمأن على توجه الحملة في طريقها نحو مشارف الشام، وقفل عائدًا إلى المدينة المنوَّرة ومعه عُمر بن الخطَّاب. وبخروج أسامة بن زيد، قلَّ عدد المُجاهدين في المدينة وتشتَّت القوَّة الإسلاميَّة النامية، مما شجَّع الخارجين وبخاصَّة قبائل عبس وذبيان على مهاجمة المدينة، فعسكروا حولها وأرسلوا وفدًا إلى أبي بكر ليُساوموه على موقفهم بعدم دفع الزكاة، وانتهت المُفاوضات بالفشل بسبب التصلّب في المواقف، فشنَّ المُحاصرون هجومًا ليليًّا بعد ثلاثة أيَّام، غير أنَّهم لم يُحققوا أي نصر على الرغم من قلَّة المُدافعين وارتُدّوا على أعقابهم. ثمَّ لاحقهم أبو بكر وفاجأهم عند الفجر ليُنزل فيهم هزيمة فادحة، وقُتل خلال المواجهة حبَّال بن طليحة الأسدي على يد عُكاشة بن مُحصن. ونزل أبو بكر في ذي القصَّة، وكان ذلك أوَّل الفتح في حروب الردَّة. ثمَّ عاد أبو بكر إلى المدينة المنوَّرة، وفي هذه الأثناء عادت حملة أسامة بن زيد بعد سبعين يومًا من خروجهم، فأبقاه أبو بكر في المدينة حتى يستريح هو وجنده، ثمَّ جهَّز من الجيوش أحد عشر لواء تتناسب في عديدها وفي إماراتها، وفي وجهتها، مع قوَّة القبائل التي وجهها إليها ومدى إلحاحها في ردِّتها.

وجَّه أبو بكر خالد بن الوليد إلى بزاخة لمُحاربة طليحة بن خويلد الأسدي، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن قام له. وأرسل عكرمة بن أبي جهل نحو مُسيلمة بن حبيب (الكذَّاب) في اليمامة، وعمرو بن العاص إلى قضاعة ووديعة وبنو الحارث في شمال الحجاز، وشرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل لمُحاربة مُسيلمة الكذَاب في اليمامة، وأمره إذا فرغ من اليمامة أن يلحق بعمرو بن العاص إلى قضاعة. كما أرسل المُهاجر بن أبي أُميَّة لمُحاربة جنود الأسود العنسي في اليمن، ومساعدة الأبناء ضد قيس بن مكشوح ومن تبعه من أهل اليمن، فإذا فرغ يتوجَّه إلى كِندة بحضرموت. أيضًا بعث بخالد بن سعيد بن العاص إلى الحمقتين من مشارف الشام، وعرفجة بن هرثمة إلى مهرة، على أن يلحق أولًا بحُذيفة بن محصن بعُمان الذي أمره بدوره أن يلحق بحُذيفة إن فرغ قبله، وطريفة بن حاجز إلى بني سُليم ومن معهم من هوزان، وسويد بن مقرن إلى تهامة اليمن، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين لمُحاربة من ارتدَّ بها من ربيعة. ويُضيف البلاذري أميرًا آخر هو يُعلى بن مُنبِّه، حليف نوفل بن عبد مُناف، إلى خولان باليمن. وأوصى أبو بكر قادة جيوشه بالحيطة والحذر ممن قد يندس بينهم، وعدم مُقاتلة من يُجيبهم إلى الإسلام، والرفق واللين بجند المُسلمين. تمكَّن القادة العسكريّون المسلمون من القضاء على حركة المُرتدين في كامل أنحاء شبه الجزيرة العربيَّة، وقتلوا عددًا من مُدعي النبوَّة فيما تاب عددٌ آخر، فهزم خالد بن الوليد طليحة الأسدي وحلفائه وأرغمه على الفرار إلى الشام (حيث أسلم فيما بعد)، وأعدم الأشخاص الذين نكَّلوا بالمُسلمين قبل مجيئه، وأرسل آخرين إلى أبي بكر وهم موثوقي الأيدي، فتابوا فحقن دمائهم. كما قتل خالد بن الوليد امرأة يُقال لها "أم زمل" بعد أن تزعَّمت جيشًا كبيرًا من المرتدين. وانسحبت سجاح بنت الحارث إلى قومها بني تغلب لمَّا عرفت بجحافل المسلمين الزاحفة إليها، ثمَّ أسلمت في زمن عمر بن الخطَّاب، وقام المُسلمون بأسر مالك بن نويرة مع أصحابه ثمَّ قتله ضرَّار بن الأزور، واختلفت الروايات في قتله. وتعرَّض شرحبيل بن حسنة للهزيمة على يد قوَّات مُسيلمة الكذَاب، فلحق به خالد بن الوليد وقاتلوا مُسيلمة ومن معه من بني حنيفة فقتلوا منهم الشيء الكثير، وسقط مُسيلمة نفسه قتيلًا بعد أن أرداه وحشي بن حرب بحربته. وبعد القضاء على أخطر اثنين: طليحة الأسدي ومُسيلمة الكذَّاب، أخذت حركات الردَّة الأخرى تتساقط الواحدة تلو الأخرى، حتى انتهت كليًّا، وأخذ أبو بكر يستعد لمواجهة الروم والفرس في الشام والعراق بعد أن أعاد توحيد العرب تحت راية الإسلام.

كان العمل الآخر الأبرز الذي قام به أبو بكر قبل توجيه الجيوش نحو الشام والعراق هو جمع القرآن. فقد أدَّت حروب الردَّة إلى مقتل عدد كبير من الصحابة من قرَّاء القرآن وحفَّاظه، فأشار عُمر بن الخطَّاب على أبي بكر أن يجمع الآيات المكتوبة على الورق وعلى الجلد وعلى ورق الشجر وعلى الحجر الأبيض وعلى العظام، وتلك المحفوظة في صدور الصحابة، في مُصحفٍ واحد خوفًا من موت صحابة آخرين فتضيع بعض الآيات. استغرق العمل على جمع القرآن ووضع النسخة الأولى الكاملة منه حوالي سنتين أو ثلاث، وقد تولّى زيد بن ثابت هذه المُهمَّة بمُساعدة عدد من الصحابة في مُقدمتهم عليّ وعُمر. وبذلك جُمع القرآن في مُصحفٍ واحد ظلَّ عند أبي بكر حتى وفاته. خلال تلك الفترة قدِم إلى المدينة المنوَّرة المُثنّى بن حارثة الشيباني، وهو أحد القادة العرب الذين كانوا يُقارعون الفُرس في العراق، يطلب الدعم من أبي بكر، فأجابه الأخير وأسرع إلى نصرته، فأرسل خالد بن الوليد في أوَّل حملة عسكريَّة إسلاميَّة خارج شبه الجزيرة العربيَّة. خرج خالد بن الوليد من اليمامة في ألفين من المسلمين، ثمَّ انضمَّ إليه ثمانية آلاف من المسلمين من ربيعة ومضر، وتوجَّه نحو العراق في شهر مُحرَّم سنة 12هـ. وما أن بلغ خالد بن الوليد العراق حتّى اشتدَّ نضال قبائل العرب ضد الفُرس وانضمَّ عددٌ منهم إلى صفوف المُسلمين، وجرت مع الفُرس وقعة شديدة انتصر فيها المُسلمون وعُرفت بغزوة ذات السلاسل لكثرة من سُلسِل فيها من فرسان فارس حتّى لا يفرّوا من القتال. وتابع خالد بن الوليد انتصاراته فتمكَّن من الحيرة وأطراف العراق وصالح أهلها من المسيحيّين العرب على أن يدفعوا الجزية، ثمَّ تحرَّك ففتح الأنبار وعين التمر ودومة الجندل وبلغ الغراض على تخوم الشام حيث هزم الروم لأوَّل مرَّة عن طريق الخدعة،(3) ثمَّ عاد إلى الحيرة، لكن أبا بكر كتب إليه يأمره بالتوجه نحو الشام لقتال الروم فيها، بعد أن كان قد أرسل أربع ألوية في مطلع صفر، نحو دمشق والأردن وحمص وفلسطين، يُقدّرُ عدد رجالها بأربعة وعشرين ألفًا، وقيل واحد وعشرين ألفًا، وكذلك سبعة وعشرين ألفًا، وبعد أن حشد الروم جيشًا أعظم بأشواط يُقدّر عدد أفراده بأكثر من مائتيّ وأربعين ألفًا من الرجال. وولَّى أبو بكر خالد بن الوليد قيادة الألوية كُلَّها، فسار بجيوشه حتى فتح بصرى صلحًا، ثم قابل الروم شمال اليرموك في سهلٍ فسيح واشتبك معهم في معركةٍ كبيرة حاسمة.

خلال تلك الفترة وقع أبو بكر الصدّيق بالحمَّى، واستمرَّ مرضه طيلة خمسة عشر يومًا، ولمَّا أحسَّ بدنوّ أجله عهد بالخِلافة إلى عُمر بن الخطَّاب خوفًا من تجدد الخلاف بين المُسلمين كما حصل في سقيفة بني ساعدة. ولئن اختلفوا هذه المرَّة فيكون اختلافهم أشد خطرًا ورُبما أدَّى إلى الفتنة، وقد تشمل كافَّة العرب، إذ لم يعد الأمر محصورًا بين المُهاجرين والأنصار، وقد استشار في هذا كبار الصحابة من أهل الحل والعقد فلم يجد مُعارضة لدى أغلبهم، فيما تردد آخرون مثل طلحة بن عُبيد الله خشيةً أن تتفرَّق وحدة المُسلمين بفعل غلظة عُمر وشدَّته، لكن سُرعان ما تلاشى ذلك. وقد كتب عُثمان بن عفَّان عهد أبي بكرٍ إلى عُمر، وأوصى أبو بكر خليفته باستكمال الفتوح وذكَّره بما يجب أن يكون عليه وليّ أمر المُسلمين، وفي يوم الاثنين 22 جمادى الثانية سنة 13هـ المُوافق فيه 23 أغسطس سنة 634م، توفي أبو بكر في منزله بالمدينة المنوَّرة عن 61 سنة.

عهد عُمر بن الخطَّاب (13-24هـ/634-644م)

  • مقالات مفصلة: عُمر بن الخطَّاب
  • فتح الشام
  • فتح فارس والعراق
  • فتح مصر

هو أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي ويلقب أيضاً بالفاروق، ولد بعد عام الفيل، وبعد مولد الرسول محمد بثلاث عشرة سنة. استدعى أبو بكر قبل وفاته بأيام كبار الصحابة وطلب منهم أن يختاروا خليفتهم بأنفسهم، وعندما ناقش الصحابة الأمر أخذ كل منهم يتعفف من المسؤولية، فعادوا إلى أبي بكر وطلبوا منه أن يرشِّح لهم أحداً، فطلب إعطاءه وقتاً للتفكير. وقد استشار أبو بكرٍ بعدها عدداً من الصحابة في عمر، ثم أمر بجمع أهل المدينة، فعرض عليهم ترشيح عمر خليفة لهم، وسألهم إن كان لهم اعتراض، ووصَّاهم بالسمع والطاعة، فقالوا: "سمعنا وأطعنا". وقد أحسن عمر بن الخطاب الحكم وإدارة الدولة، فاتِّسعت في عهده بسرعةٍ كبيرة، وبات أحد أشهر القادة في التاريخ الإسلامي.

بدأ الفتح الإسلامي لبلاد الشام في عهد أبي بكر الصديق، حيث أرسل أربعة جيوش قوام كل منها نحو 8,000 مقاتل، وأمر قادتها بأن يحاربوا بشكل مستقل، فإن اقتضت الضرورة يجتمعون تحت لواء أبي عبيدة بن الجراح، لكنهم عندما وصلوا اجتمعت لهم جيوش الروم من كل جهة، فاجتمعوا وخاضوا معها معركة أجنادين، التي كانت بقيادة خالد بن الوليد بعد سيره إلى الشام قادماً من العراق. توفي أبو بكر بعد المعركة، فتابع عمر إدارة الجيوش، وكان أول قرارٍ اتخذه هو عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش الفاتحة، وأبلغ أبا عبيدة سراً بنبأ وفاة أبي بكر وعزل خالد، وتعيينه مكانه لقيادة الجيوش، إلا إنَّ الأنباء لم تصل لخالد إلا بعد فترة. سارت الجيوش الإسلامية بعد أجنادين إلى دمشق، فتمكَّنت من فتحها، ثم خاضت معركة بيسان بعد محاولة فاشلة للتفاوض مع الروم عام 13 هـ (634م)، وفتحت بعدها حمص وسهل البقاع. ثم التقى المسلمون مع الروم في معركة اليرموك، فاستمرت لستة أيام كاملة، وهزم فيها الروم هزيمة كبيرة. وبعد اليرموك انقسمت جيوش المسلمين من جديد إلى أربعة أقسام، فتولت فتح ما تبقَّى من بلاد الشام.

وكان من بين المدن التي حاصرتها الجيوش القدس، فاستمرَّ حصارها شهوراً طويلة، حتى قررت الاستسلام، فأرسل قائدها يطلب الأمان، شرط أن يُسلِّم المدينة للخليفة عمر بنفسه، فتردَّد عمر، وانقسم الصحابة في رأيهم بين مؤيد ومعارض لذهابه، إلا إنَّه قرر الذهاب، فاستلم مفاتيح المدينة في عام 15 هـ، ودخل المسجد الأقصى وأم المسلمين فيه. شهدت الدولة الراشدية في عهد عمر نكبتين عام 18 هـ (639م)، حيث انتشرت المجاعة والقحط في المدينة واسودَّت الأرض من قلَّة المطر لتسعة شهور، حتى عُرِفَ باسم عام الرمادة، وانتشر من جهةٍ أخرى الطاعون في الشام بدءاً من مدينة عمواس، فعرف بطاعون عمواس. بعد انتهاء فتح الشام، توجه عمرو بن العاص منها إلى مصر لفتحها بعد الحصول على إذنٍ من عمر، ففتح عدة حصون، ثم سار إلى حصن بابليون، فضرب عليه الحصار لستة شهورٍ كاملة حتى تمكَّن من فتحه. وبعدها اختُطَّت الفسطاط ثم الإسكندرية، وسار بعدها إلى برقة (حالياً شرق ليبيا) ففتحها دون مقاومة كبيرة، ثم فتح طرابلس الغرب بعد حصار شهرٍ واحد، وأراد بعدها فتح إفريقية (حالياً تونس) إلا أنَّ عمر لم يأذن له خوفاً من توسُّع المسلمين السريع في بلاد مجهولة.

عندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة، كان المسلمون قد انتصروا بالفعل في عدة معارك بالعراق وفارس، من أهمِّها ذات السلاسل والولجة وعين التمر، إلا أنَّ قائد جيوش الفتح خالد بن الوليد استُدْعِيَ بعد ذلك للسير إلى الشام، وأخذ معه نصف الجيوش الفاتحة، فتولَّى القيادة من بعده المثنى بن حارثة عام 12 هـ. لكن بعد ذلك بعامٍ واحدٍ قام والٍ يدعى رستم فرخزاد بانقلاب في الدولة الساسانية واستولى على الحكم، فتمكَّن من إنهاء فترةٍ طويلة من الصِّراعات الداخلية في الدولة، وبدأت موازين القوى بالتغير. فخرج المثنى في أواسط عام 13 هـ من العراق قاصداً المدينة، ليحدِّث أبا بكرٍ عن أحوال القتال ويطلب منه المدد لاستكمال الفتح، لكن عندما وصلها كان أبو بكر على فراش الموت، فلما حدثه المثنى عن أحوال فارس استدعى عمر، ووصَّاه بأن يندب الناس (يدعوهم إلى الخروج للقتال) مع المثنى كل يوم، وتوفي أبو بكر بعد ذلك بأيام. فعل عمر ما أوصاه به أبو بكر، وتمَّكن من حشد جيشٍ من 1,000 رجل من أهل المدينة، فأرسله إلى فارس، وبدأ عمر بعد ذلك يحشد للحرب على الفرس، فأعلن النفير في الجزيرة العربية، وأخذ يتنقل بين قبائل العرب ليجمع المقاتلين، ويحمِّس الناس، ويرسل الإمدادات تباعاً إلى فارس، واستعمل الوجهاء والخطباء والشعراء للتحريض على الفرس قائلاً: «والله لأضربنَّ ملوك العجم بملوك العرب». ومن كبرى المعارك التي خاضتها الجيوش التي حشدها عمر معركة القادسية عام 15 هـ، وفتح المدائن عاصمة الدولة الساسانية عام 16 هـ، وأخيراً معركة نهاوند المعروفة باسم فتح الفتوح عام 21 هـ، وكان النصر فيها جميعاً من نصيب المسلمين، وبعد نهاوند لم تقم للفرس قائمة، فتوالت فتوحات فارس حتى وقعت بالكامل في أيدي المسلمين.

في شهر ذي الحجة عام 23 هـ (أكتوبر 644م) توجَّه عمر لأداء الحج في مكة، حيث كان ذلك آخر حجٍّ له. وبعد عودته من الحج إلى المدينة المنورة بفترةٍ قصيرة، وبينما كان يؤم المسلمين في صلاة الفجر، طعنه رجل فارسي يُدعَى أبو لؤلؤة، فحمل إلى منزله وهو ينزف، وتوفي عمر بعد ذلك بثلاثة أيامٍ عن عمر 65 عاماً، وبعد خلافةٍ دامت 10 سنين، ودفن في أول شهر محرم عام 24 هـ (644م).

عهد عُثمان بن عفَّان (24-35هـ/644-655م)

  • طالع أيضًا: عُثمان بن عفَّان
  • فتح المغرب
  • معركة ذات الصواري
  • مُصحف عُثمان
  • فتنة مقتل عُثمان

عندما كان عمر يحتضر لم يرغب بأن يولّي على المسلمين بعده أحداً بعينه، فقد قال: «أن أعهَدَ فقد عهد من هو خيرٌ مني، وإن لم أعهد فلم يعهد من هو خير مني» (يقصد أبا بكرٍ الذي عهد به، والرسول الذي رفض أن يعهد لأحد). رغم ذلك، فقد اختار عمر ستة من كبار الصَّحابة، وطلب منهم أن ينتخبوا خليفةً من بينهم، دون أن يرشح لهم أحداً بعينه، وكان هؤلاء عثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف. وأمهلهم ثلاثة أيَّامٍ بعد وفاته لكي يختاروا الخليفة الجديد. ولكي لا يعتقد أحدٌ أن عمر أراد ترشيح شخص معين من الستة، فقد أمر بأن يؤمَّ الناس في الصلاة صهيب الرومي. جلس الصحابة الذين عيَّنهم عمر يتشاورون، وعند بدء المشاورة قرَّر عبد الرحمن بن عوف النأي بنفسه عن الترشُّح ليشرف على العملية، فأخذ يخلو بكلّ واحدٍ من الباقين ليسأله من يرشح من زملائه للخلافة، ورشَّح علي وسعد عثمان، بينما رشح عثمان والزبير علي، وأما طلحة فقد غاب، ولم يشأ عبد الرحمن أن يحسم الأمر بنفسه، فأخذ يسأل الناس لأيام، حتى وجد أن معظمهم يؤيّدون عثمان، وكانت بيعته في نهاية ذي الحجة أو مطلع محرَّم عام 24 هـ (بداية نوفمبر عام 644م).

ما إن انتشر نبأ وفاة عمر حتى بدأت الأقاليم المفتوحة بنقض العهود التي أبرمتها مع المسلمين، فأمر عثمان على الفور بإرسال الجيوش إليها. فقد نقضت العهد معظم أقاليم فارس، فأمر عثمان أمير الكوفة الوليد بن عقبة والبصرة عبد الله بن عامر بإعادة فتحها، ونقضت الإسكندرية العهد في عام 25 هـ، فأعاد ضمَّها عمرو بن العاص أمير مصر. وكان عمر قد منع عمرو من التوغُّل في المغرب أبعد من طرابلس، إلا أنَّ عثمان أذن له، فدخل إفريقية وخاض معركة في سبيطلة، وكذلك غزا بلاد النوبة، إلا أنَّه لم يستول على أيّ منهما، بل عاود الانسحاب. أذن عثمان كذلك لمعاوية بأن يبني أسطولاً بحرياً بعد أن كان عمر قد منعه، ففتح به قبرص وخاض معركة ذات الصواري مع الدولة البيزنطية، وانتصر المسلمون فيها نصراً كبيراً. شهد عهد عثمانٍ أيضاً عدة غزوات ضدَّ البيزنطيين في الشام والأناضول، إضافةً إلى غزوات أخرى في القوقاز بأذربيجان وأرمينيا بعد نقضهما العهد، ووصلت الغزوات في المشرق إلى نهر السند وكابل وفرغانة. من جهةٍ أخرى، من أهمّ الإنجازات غير العسكرية التي قام بها عثمان في عهده جمع المصحف بأول نسخةٍ مكتوبة في تاريخ الإسلام.

سار النصف الأول من خلافة عثمان على ما يرام، وكانت الدولة خلاله مستقرَّة، لكن بحلول عام 31 هـ بدأت القلاقل والتوترات تظهر وتتصاعد، واستمرَّت حتى نهاية عهده ونهاية دولة الخلافة الراشدة بأكملها. من بين الاضطرابات الأولى التي واجهها عثمان في خلافته حادثة مقتل الهرمزان وجفينة الجهني وابنة أبي لؤلؤة على يد عبد الله بن عمر، قصاصاً لأبيه، إلا أنَّه قام بذلك دون أمرٍ من الخليفة، وطالب البعض بقتل ابن عمر قصاصاً لأنه تجاوز القانون، بينما صعب على البعض ذلك، وسوَّى عثمان الأمر بأن دفع الديَّة لابن الهرمزان من ماله الخاص وانتهت المشكلة هكذا.

لاحقاً، بدأت الاضطرابات تنشب في الدولة. وكان من الأسباب الرئيسة لذلك أقارب عثمان، الذين كان يقربهم إليه أكثر من الآخرين، ويعطيهم الأموال والمناصب، وحابا بعض أقربائه ونسبائه بمنحهم منصب الولاية، فتوالت الاعتراضات والشكَّاوى من ظلم أقربائه، والمطالبة بخلعهم، وأصبح يبدل ولاة الأقاليم مرَّة تلو الأخرى. كما اعترض آخرون على الترف الذي استشرى في مجتمع المدينة المنورة، حيث انقلب مجتمعها من حياة الفقر والتواضع في عصر الرسول إلى الغنى واللهو في عصر عثمان، وذلك نتيجة الأموال والغنائم الكبيرة التي أتت بها الفتوحات. بحسب بعض المؤرخين، فقد كان أول من أشعل الثورة على عثمان رجلاً يهودياً في اليمن يدعى عبد الله بن سبأ، الذي أخذ يُحرِّض الناس - خصوصاً في العراق - على عثمان وعمر وبعض الصحابة، ويُمجِّد علياً بصفته أحقَّ بالخلافة. انتشرت الفتنة واشتدَّت في الولايات والأقاليم، وفي نهاية عام 34 هـ جاءت إلى المدينة وفودٌ من الأقاليم بدعوى الحج، فتفاوضوا مع عثمان، ولانوا، لكن يقال أنهم بينما كانوا عائدين إلى أقاليمهم قابلوا رسولاً من عثمان، فأمسكوه، ووجدوا معه رسالة يأمر فيها والي مصر بقتلهم، فعادوا إلى المدينة وبدأوا الثورة عليه. ضرب الثوار الحصار على منزل عثمان، وبينما الحال كذلك جاء يوم الجمعة، فخرج إلى المنبر ليخطب، وخاطب الثوار في كلامه، وقام أحد الصحابة يشهد على قوله، بينما قام آخر يعترض، ونشب قتالٌ في المسجد، وضُرِبَ عثمان خلاله، فأغمي عليه وحمل إلى منزله. ظلَّ عثمان محاصراً في منزله أياماً، ومعه عددٌ من الصحابة يحرسونه، بينهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص، حتى بدأ الثوار يحاولون اقتحام منزله نفسه، فأحرقوا الباب، ودخلوا المنزل، وضرب أحدهم عثمان بحديدةٍ على رأسه، ثم ضُرِبَ بسيفٍ وقتل ونهب منزله في 18 ذي الحجة عام 35 هـ (20 يونيو عام 656م)، وعمره اثنان وثمانون عاماً وبعد خلافةٍ دامت اثني عشر سنة.

عهد عليّ بن أبي طالب (35-41هـ/655-661م)

  • طالع أيضًا: عليّ بن أبي طالب
  • معركة الجمل
  • معركة صفّين
  • معركة النهروان
  • الخوارج

بعد مقتل عُثمان بن عفَّان اتخذ الانقسام الذي أفرزته الثورة عليه طابعًا نهائيًّا بفعل عمق الجرح واتساع الهوَّة بين الفئات مُتناقضة التوجهات في المُجتمع الإسلامي، وخَلَق فرزًا اجتماعيًّا جذريًّا بين الجمهور القبلي من جانب، وبين النخبة القُرشيَّة من جانبٍ آخر، بالإضافة إلى ولادة الفِرق السياسيَّة، ونُشوء الفكر السياسي في تاريخ الإسلام. كان الخيار المطروح بعد مقتل عُثمان هو إمَّا العودة إلى نظام عُمر بن الخطَّاب الذي اعتمد أساسًا على المصالح القبليَّة وقيمها، وإمَّا الاستمرار على نهج عُثمان من واقع النظام الجديد الذي يعتمد على أولويَّة المصالح القُرشيَّة، وقد توزَّعت مواقف الصحابة بخاصَّة والمُسلمين بعامَّة بين هذين الخيارين، وقد تبنّى عليًّا مطالب الثائرين في حين جسَّد مُعاوية بن أبي سُفيان الاستمراريَّة الحيَّة المُباشرة لنهج عُثمان. كان الثائرون ما يزالون يُسيطرون على المدينة، ويملكون ناصية القرار السياسي والعسكري، إلَّا أنهم لم يُمارسوا السلطة فعليًّا وافتقروا إلى الرؤية الواضحة للخروج من المأزق الذي خلقته حركتهم، هذا في الوقت الذي أخذ فيه مُعظم الصحابة يتوارون عن الأنظار في عاصمة الخِلافة، مُفضِّلين الابتعاد عن التطوّرات التي أفلتت من أيديهم، وكان الفراغ في السُلطة يُنذر بأسوأ النتائج، واشتدَّت الحاجة إلى مُنقذ يتمتَّع بتأييد الأغلبيَّة في التوجهات السياسيَّة وبخاصَّة المُمثلة لجماعة الثائرين. بناءً على هذا توجَّه بعض الصحابة من المُهاجرين والأنصار نحو عليّ وخاطبوه قائلين: «إنَّ هذا الرجل قد قُتل ولا بُدَّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدًا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله»، والواضح أنَّ معالم شخصيَّة عليّ وحياته العامَّة جعلته آنذاك رجل الإسلام المُهم، وكان اسمه يفرض نفسه، فهو الأكثر نشاطًا من خلال الأزمة، والذي بدا من خلال هذا الموقع المُحاور الوحيد بعد انكفاء طلحة والزُبير واعتزال سعد بن أبي وقَّاص، وهم الأربعة الذين بقوا من أهل الشورى، ومثَّلوا النخبة السياسيَّة في المدينة، كما أنَّه لم يكن موضع اتهام. ولم يكن عليّ في البداية راغبًا في تولّي الخِلافة، وخاطب الذين رشّحوه قائلًا: «لا تفعلوا فإني أكون وزيرًا خيرٌ من أن أكون أميرًا». عندئذٍ صعَّد أهل الأمصار ضغوطهم، فهدَّدوا أهل المدينة بقتل هؤلاء الثلاثة: عليّ وطلحة والزُبير وناسٌ كثير، مما دفع عليّ بقبول البيعة خوفًا من الفتنة، وخشيةً على الدين والمُسلمين من مزيدٍ من التمزّق، وهدف إلى وأد الفتنة وإعادة تجميع جسم الأمَّة المُتناثر وترميم النظام القائم للسُلطة، وتعزيز التواصل بين القوى الاجتماعيَّة الأكثر اعتدالًا والأقل تورُّطًا في قتل عُثمان.

كانت أوَّل مُشكلة اعترضت الخليفة الجديد هي العُمَّال الذين عيَّنهم عُثمان على الأمصار، ثمَّ مُشكلة المُطالبة بأخذ الثأر من قتلة الأخير. وكان التغيير الأكثر إلحاحًا من وجهة نظر عليّ، هو إعادة النظر في الجهاز الإداري المسؤول مُباشرةً، بوصفه الأداة التنفيذيَّة للخِلافة، وذلك من واقع تغيير العُمَّال والموظفين. غير أنَّ التصدّي لرواسب النظام السابق كان يعني المُواجهة مع قوى نافذة بلغت مبلغًا كبيرًا من القوَّة، بالإضافة إلى الاصطدام مع عدد من كِبار الصحابة الذين وقفوا موقفًا سلبيًّا، لذلك كان من الضروري أن يسبق هذا القرار بالتغيير اتخاذ خطوات تُمهّد لتنفيذه من أجل تجنّب إثارة المُعترضين، وهذا ما أشار به عبد الله بن عبَّاس، وهو الإبقاء على عُمَّال عُثمان وبالأخص مُعاوية،(4) ونصحهُ المُغيرة بن شُعبة بالتريّث في هذا الأمر حتى تهدأ الأوضاع وتستقر، وتتوطَّد له أسباب الحُكم، ثمَّ ينظر ما يكون. والرَّاجح أنَّ عليًّا أدرك ذلك، إلَّا أنَّ موقف الثائرين في المدينة، والجوّ العام في الأمصار المشحون بالنقمة؛ كان ضاغطًا، بالإضافة إلى ذلك فإنَّ مبدأ التغيير كان يعني الشموليَّة وعدم التجزئة، أضف إلى أنَّ عليًّا كان شديدًا في الحق لا يستطيع أن "يُراهن في دينه"، ولم يكن بوسعه أن يلجأ إلى مُهادنة وُلاة عُثمان، والمعروف أنَّ خلع وُلاة عُثمان كان أحد مطالب الثائرين والمُعارضين في الكوفة والبصرة ومصر، لهذا كان إبعاد عمَّال عُثمان عن الوظائف العامَّة مسألة مبدئيَّة تصعب المُساومة عليها. لذلك بادر عليّ إلى تعيين عُمَّاله على الأمصار المُختلفة وعزل عُمَّال عُثمان سنة 36هـ المُوافقة لسنة 656م، وكان أكثر هؤلاء العُمَّال الجُدد من الصَّحابة الذين اتصفوا بأعلى درجات الزُهد والتَّقشّف، والتفَّ حول عليّ كِبار أعلام بني طالب وبني هاشم، مثل عبد الله بن عبَّاس ومحمد بن جعفر ومحمد بن الحنفيَّة، بالإضافة إلى شخصيَّات صحابيَّة كُبرى مثل محمد بن أبي بكر وسُليمان بن صرد الخزاعي وأبي قتادة بن ربعي وأبي أيّوب الأنصاري وعمَّار بن ياسر وغيرهم.

لم يُصادف الوُلاة الجُدد عقبات تُذكر، باستثناء ما كان مُنتظرًا من مُعاوية بن أبي سُفيان والي الشام الذي رفض الدخول في طاعة عليّ ولم يسمح لسهل بن حنيف أن يدخل الشام ويستلم منصبه كوالٍ عيَّنه عليّ، وكان مُعاوية قد استمال أهل الشام إليه، فالتفّوا من حوله، وشكَّلوا قوَّة يُناصرونه ويأتمرون بأمره، ويُوافقونه في عدم الهدوء حتى توقيع الحدّ على قتلة عُثمان. وفي المُقابل نجح عليّ في الحصول على تأييد أغلبيَّة المُسلمين في الأمصار، فعلى الرغم من أنَّهم كانوا يستنكرون مقتل عُثمان لكنَّهم حاولوا الحفاظ على وحدتهم من خلال الوقوف الحذر وراء الخليفة. بيد أنَّ موقف مُعاوية الرافض لم يكن الشاغل الوحيد للخليفة، إذ نمت في أواسط بعض الصحابة أنَّ عليًّا يتهاون في مُعاقبة قتلة عُثمان. فقد ذهب كُلٌّ من طلحة والزُبير مع نفر من أهل المدينة المنوَّرة إليه بعد أربعة أشهر من مقتل عُثمان وطلبوا منه إقامة الحد على القتلة، فاعتذر إليهم بأنَّ القتلة لهم مدد وأعوان وأنَّ الوقت لم يحن لذلك بعد، فالأولويَّة هي تهدئة الأجواء والنفوس واستقرار الأوضاع، ويبدو أنَّهما لم يقتنعا بوجهة نظره، فخرجا إلى مكَّة لأداء العُمرة، وهُناك لقيا عائشة بنت أبي بكر زوجة الرسول مُحمَّد التي كانت تُندد بمقتل عُثمان ولا تُطيق رؤية المدينة وقد وقعت تحت "سُلطة غوغاء الأمصار وبدو نهَّابين وعبيد آبقين" الذين "سفكوا الدمَّ الحرام، واستحلّوا البلد الحرام، وأخذوا المال الحرام، واستحلّوا الشهر الحرام"، وأنَّ الأمر لن يستقيم طالما لهذه الغوغاء أمر، فلا بُدَّ من المُطالبة بدمِّ عُثمان. وسُرعان ما استقطبت دعوة عائشة كل الذين كانوا يُعارضون مقتل عُثمان بن عفَّان أو يُحاولون إسقاط عليّ بن أبي طالب، وبخاصَّة أفراد الأسرة الأمويَّة، فانضمَّ إليها الكثيرون وساروا إلى المدينة المنوَّرة، وهُناك رفض بعض الصحابة وباقي أمَّهات المؤمنين السير معها أبعد من ذلك، فخرج الثائرون بعدد كبير من الجنود إلى البصرة لإنزال العقاب بالقتلة هُناك أوَّلًا، فتمكنوا من السيطرة على المدينة وهزيمة عاملها. في ذلك الحين كان عليّ قد قرر الخروج نهائيًّا من المدينة المنوَّرة وجعل الكوفة مقرًّا له، فهي في نظره مُستقر أعلام ورجال العرب، وقد اتخذ هذا القرار من واقع استحالة البقاء في الحجاز الذي أفرغته الفتوح من طاقاته البشريَّة والاقتصاديَّة، وانتقال محاور الصراع الأساسيَّة إلى مناطق الأطراف البعيدة عنه، فخرج من المدينة في الأيَّام الأخيرة من شهر ربيع الثاني عام 36هـ. وما أن بلغ عليّ ومن معه من الصحابة الرُبذة حتى بلغته تفاصيل ما جرى في البصرة، فسار بسرعة حتى بلغ موضع ذي قار حيثُ انضمَّ إليه الآلاف من أهل الكوفة، وقد حاول عليّ حقن الدماء ودعا إلى الصُلح حتى لا يُقاتل المُسلمون بعضهم بعضًا، فاقتنع الزُبير وانسحب من المُواجهة ومضى نحو البصرة بقصد العودة إلى الحجاز، لكنَّه قُتل غدرًا بوادي السباع. ووقعت المعركة بين التيَّارين الهاشمي والعُثماني في آخر شهر جمادى الآخرة سنة 36هـ الموافقة لسنة 656م، وانتهت بانتصار عليّ بن أبي طالب في يومٍ واحد، ثمَّ أعطى عليًّا أمره إلى محمَّد بن أبي بكر بأن يوصل اخته عائشة إلى المدينة المنوَّرة بعد أن جهَّزها بالزاد والمتاع وسيَّر معها سبعين امرأة من عبد القيس في ثياب الرجال، وقيل أربعين امرأة، وكان طلحة قد أُصيب بسهمٍ في المعركة، فاعتزل القتال ثمَّ توفي جرَّاء النزيف. ودخل عليّ البصرة بعد المعركة حيثُ بايعه البصريّون طائعين.

بعد ذلك كان على عليّ أن يُدخل مُعاوية بن أبي سُفيان في الطاعة مُجددًا، وظلَّ يأمل بحصول ذلك سلميًّا وأن يستقطب مُعاوية باللين ويُجنّب المُسلمين مزيدًا من إراقة الدماء، فأرسل إليه رسولًا من الكوفة هو جُرير بن عبد الله البجلي ليدعوه إلى الجماعة ويحمله على البيعة، لكنَّ مُعاوية أمسك الرسول سالف الذِكر وأبقاه إلى جواره لحين وصول عمرو بن العاص من فلسطين بعد أن استدعاه لمُشاورته في الأمر نظرًا لما عُرف عنه من الدهاء وسعة الحيلة. ولمَّا وصل الأخير إلى دمشق أغراه مُعاوية بولاية مصر مدى الحياة في حال انتصاره، فدبَّر له عمرو حيلةً مُحكمة يستغلَّها في حال الفشل في مواجهة عليّ بن أبي طالب، وتقضي هذه الحيلة برفع المصاحف على الرماح والدعوة لأن يكون القرآن حكمًا بينهما، الأمر الذي من شأنه أن يضع عليًّا في موقفٍ حرج سواء قبل بالتحكيم أو رفضه، لأنَّ أي موقفٍ له سيُحدث انقساماً في جيشه حيثُ سيكونُ هناك فريقٌ رافض لكلِّ موقفٍ على حدٍ سواء، فيتحوَّل الأمر لصالح مُعاوية. وهكذا أمر مُعاوية أصحابه بحمل مئات النسخ من المُصحف حدَّدها المسعودي بخمسمائة، وسار بجيشه حتى بلغ صفّين قرب الفُرات حيث احتكَّ بجيش عليّ في معركةٍ طاحنة استمرَّت عشرة أيَّام رجحت فيها كفَّة عليّ على مُعاوية، ولمَّا أحسَّ الأخير باقتراب الهزيمة عمد إلى الحيلة المُدبَّرة، فرُفعت المصاحف عاليًا ونودي بالتحكيم.

قبِل عليٌّ بالتحكيم رغم أنَّه فطن للحيلة بحسب الظاهر، لكنَّه تاق لإنهاء الصراع بين المُسلمين، وفي شهر رمضان سنة 37هـ، المُوافق فيه شهر فبراير سنة 658م، اجتمع الحكمان: عمرو بن العاص عن مُعاوية وأبو موسى الأشعري عن عليّ في دومة الجندل، وهُناك خدع عمرو بن العاص أبا موسى فأقنعه بوجوب خلع عليّ ومُعاوية وترك الخلافة شورى بين المُسلمين ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم، وتركه يتقدَّم عليه بإصدار الحُكم نظرًا لكبر سنّه، فأعلن خلع عليّ ومُعاوية، فتقدَّم عمرو بن العاص وأعلن خلع عليّ وتثبيت مُعاوية. ونتيجة قبول عليّ بالتحكيم وخداع مُعاوية خرج عن الهاشميَّة فئة أنكرت على عليّ قبوله بتحكيم الناس مُعتبرةً أنَّ الحكم لله وحده وطالبت المضيّ بالقتال حتى القضاء على مُعاوية، وهكذا انقسم أهل العراق الذين اعتمد عليهم عليّ وكثُر خصومه، وأصبح لازمًا عليه قتال الخوارج الذين خرجوا على طاعته من أهل العراق، ليتفرَّغ لقتال أهل الشام بزعامة مُعاوية الذي اعتبر نفسه الخليفة بعد صدور قرار التحكيم، فأصبح الأمر شبيهًا بحروب الردَّة التي خاضها أبو بكر وأنقذ المُسلمين من التفكك، لكن عليًّا لم يتسنَّى له ذلك، فعلى الرغم من إنزاله الهزيمة بالخوارج في النهروان سنة 38هـ المُوافقة لسنة 658م، تمكَّن مُعاوية من ضم مصر وأطراف العراق وشمال الجزيرة والحجاز واليمن حيث أرغم الناس على مُبايعته، فاضطرَّ عليّ إلى مُهادنته على أن يكون لعليّ مُلك العراق ولمُعاوية مُلك الشام. وفي أثناء ذلك اتفق ثلاثة من الخوارج هم: عبد الرحمن بن ملجم الحميري، والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي على قتل عليّ ومُعاوية وعمرو في وقتٍ واحد أثناء صلاة الفجر في 17 رمضان سنة 40

المصدر: wikipedia.org
إغلاق الإعلان
تصفح بدون إعلانات
إغلاق الإعلان
تصفح بدون إعلانات