If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أحيانا يملّ الإنسان من عالمه ، يعافه وتنفر منه نفسه ،تضيق عليه دنيا الإنسانية بما رحبت ويشعر أن البشر من حوله ليسوا إنسا ولا أُنسا ! حينها يلتمس الإنسان عالما آخر يعيش فيه ، هو عالم خاص به لا يشاركه فيه أحد ولا يقطع خلوته إنسان، إنه عالم خيالي تسبح فيه الروح بعيدا عن سجن الجسد وتحلق في آفاق الحقيقة التي غابت عن ذلك العالم الموحش! ، واختلفت أساليب هذا الانكفاء، بين عاكف على كتاب لا يبرحه ولا يجد عنه متحوّلا ، وبين ملازم لقلمه يدوّن به أسراره وخبايا نفسه المعقدة ، وبين من يعيش في أعماق التاريخ يلتمس من الماضي العظة والعبرة هاربا فارّا من حاضره الأليم ، وبين مَن فكّر فكرة جديدة ومختلفة بأن عاش مع كائن آخر غير بني الإنسان تبادل معه الحب والإخلاص ، وتناسى معه المناخ المحيط به ليعيش في عالم الحيوان يتأمل أسراره ويتدبر أعماقه ينسى ذاته فيه وينسى نوعه كذلك ! ، إنه إنسان يحيى مع هرّته الأليفة يتبادل معها الحاجات بأسلوب المقايضة ، هي تنال منه الطعام والشراب والدفء وهو ينال منها كسر وحشته والبعد عن عالمه والتماس صديق مخلص يعوضه عن صداقة الآخرين، إنهما ينتفع بعضهما ببعض إلى أن يبلغا أجلهما الذي اختاره الله لهما ، وفي ظل تلك العلاقة النفعية الظاهر الزكية الباطن، يعيش الإنسان في عالم الحيوان ويقارنه بعالم الإنسان فيجد اختلافات ويجد مشتركات فيلتمس الحكمة والموعظة من تلك الموازنات، هي موازنات من نوع جديد ، يرى فيها الإنسان ما لا يراه غيره، وهو عين الحكمة التي هي استنباط بواطن الأمور الخفية عن بقية الناس، حيث يجد المرأُ الإنسانَ أحيانا يشبه الحيوان فتتدنى الإنسانية مع علوها إلى الحيوانية ، وأحيانا يسمو الحيوان فوق بعض أنواع البشر فتعلو الحيوانية مع دونيتها فوق الإنسانية ! وحين يهبض الإنسان لمستوى الحيوان يستحق حينها الكره والطرد والزجر وحين يعلو الحيوان فوق مستوى الإنسان يستحق حينها الاحترام والتبجيل ، إنه عالم اضطراب الموازين واختلال المعقولات وانبهار العقول القويمة والقلوب الطاهرة، وحين يفقه الإنسان من قطته العجماء ما لم يفقهه من البشر الدهماء تستحق تلك الهرة الجميلة أن يقول عنها صاحبها : (قطتي علمتني !) ، وهذا هو الفصل الأول من كتابي حيث غُصت في أعماق عالم هذا الحيوان الطيب، وتغلغلت في نفسية هذا الحيوان حتى سترى حين تقرأ هذه الصفحات كأنك تعيش معه وتعي رغباته وتفهم بواطن قلبه! ولا أخفي عليكم أن ما ذكرتُ في هذا الفصل نقلته من الواقع حولي ، فكل ما عايشته مع عالم الهررة نقلته لكم ،أقول ذلك لئلا يخال أحد القراء أن هذه الفصول من وحي الخيال، هي أحداث حقيقية في مجملها صورتها بصورة أدبية، أما الفصل الثاني فقد تجوّلت فيه في أنحاء الأدب العربي وانتقيت من بين أزاهيره كل ما اطلعت عليه متعلقا بالهرة التي تناولها الناظمون في أشعارهم وأراجيزهم بين متناول لها بالتخصيص بالحكاية وبين مستخدم سيرتها لتكون في إطار لون بياني بديع يخلب الألباب ويشد العقول وبين من غاص مثلي في عالم الحيوان ونسج القصص القصيرة حول موضوع الهرة ومن معها من بقية الحيوانات ليجذب انتباه رائمي الحكمة في صورة أدبية رائعة قليلة النظير، بينما الفصل الثالث يتناول موضوع الهرة في كتب الأدب العربي التي تغنّت بذكرها بين طياتها فجمعتُ شتات ما ورد وجمعته وبوّبته في صورة أنيقة، وخصصت الجاحظ بالذكر لأنه أكثر من اهتم بشأن الهرة وتكلم عنها في كتاباته الماتعة ،وعموما الهرة موضوع أدبي ثري لم أجد كثيرا من الكتاب والأدباء تناولوه فعزمت أن أكتب هذا العمل لعلي أكون قد أضفت جديدا إلى المكتبة العربية التي جفت منابعها وأجدبت أراضيها منذ فترة كبيرة من الزمن، والله الموفق والمستعان....