If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
حرص رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على تعليم القرآن الكريم لصحابته؛ فكان لا يتوانى عن تبليغهم الآيات القرآنية التي تنزل عليه، وتعليمهم إيّاها؛ امتثالاً لقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، ولأنّ القرآن الكريم أفضل الكُتب وأشرفها كان حَرِيّاً بأمّة القرآن ألّا تدّخر جُهداً في تعلُّمه، وتعليمه، ومَن صاحبَ القرآن؛ سواء كان مُعلِّماً، أو مُتعلِّماً، أو تالياً، أو حافظاً، فإنّ نفسه تصفو، وأخلاقه تسمو، والأفضل من ذلك كلّه أنّه يصبح من أهل القرآن، وخاصّته؛ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، من هُم ؟ قالَ: هم أَهْلُ القرآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ)، ومَن لم يكن له نصيب من القرآن، فحاله كحال البيت التالف؛ لقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ الذي ليس في جوفِه شيءٌ من القرآنِ كالبيتِ الْخَرِبِ).
ويُعَدّ تعلُّم القرآن الكريم من أشرف أبواب الدعوة إلى الله -تعالى-؛ فالشرائع والأحكام التي تسير عليها الأمّة إنّما تُعرَف من خلاله؛ ولذلك أخذ الله -تعالى- عهداً من كلّ أمّة أَنزلَ عليها كتاباً أن تتعلّمه، وتُعلِّمه؛ فقد قال في كتابه العزيز: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)، وليس هذا فحسب، وإنّما توعَّدَ مَن تعلَّم القرآن، فكتمه، ولم يُعلّمه، أو يُبيّن أحكامه للأمّة بالطَّرد من رحمته؛ لقوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)، ولهذا كان لتعلُّم القرآن الكريم فوائد عديدة أشار إليها العلّامة السعدي -رحمه الله-، ومنها ما يأتي:
ورد الفَضل العظيم لتعليم القرآن الكريم في العديد من الأحاديث الصحيحة، ومن أشهرها قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ)، كما أنّ بعض العلماء، كسفيان الثوريّ، فضَّلَوا إقراء القرآن وتعليمه على الجهاد في سبيل الله -تعالى-؛ مُستدلّين بالحديث السابق، وقد ورد عن أبي عبدالرحمن السلمي التابعيّ الجليل وقد كان مُعلّماً للقرآن الكريم منذ خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إلى عهد الحجّاج بن يوسف، أنّه جلس لتعليم القرآن، وكان الحديث السابق هو الذي حمله على ذلك؛ للأفضليّة التي أشار إليها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، والخاصّة بمُعلِّم القرآن، ومُتعلِّمه.
ويُعَدّ تعليم القرآن الكريم أشرف العلوم، وأفضلها؛ لأنّ كلام الله -تعالى- أفضل العلوم، والداعي إلى الخير هو الذي يعمل بالقرآن، وهو مأجور من عند ربّه، كما أنّ النَّفع المُتحصِّل من تعليم القرآن الكريم يُعَدّ من النَّفْع الجاري الذي يصل ثوابه إلى صاحبه ولو بعد مَماته؛ لقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (من علَّم علمًا فله أجرُ من عمِل به، لا ينقصُ من أجرِ العاملِ). ولأنّ أمّة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- خيرُ الأُمَم كما أخبر الله -تعالى- في قوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، ومُعلّم القرآن من خيار الأمّة؛ فيكون الأفضل من الأفضليّة.
يُجيدُ الأطفال التقليد والمُحاكاة؛ ولذلك تُعَدّ القُدوة الصالحة من أفضل أساليب التربية التي يُمكن اتِّباعها معهم؛ فما يراه المُربّي حَسَناً، استحسنَه الطفل، وما يراه المُربّي قبيحاً، استقبحَه الطفل، وهكذا، وإن تعوّد على رؤية الخير أمامه اعتاده؛ فما الخير إلّا عادَة، وهذا ما أشار إليه عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه-، وأفضل الخير الذي يُمكن تعليمه للطفل هو القرآن الكريم، خاصّة أنّ التعليم حال الصِّغَر أكثر ثباتاً، ورسوخاً، ولا بُدّ أن يكون القرآن هو الأساس الذي يُعتَمَد عليه في بناء المَلَكات، والمَعارف لدى الأطفال؛ لأنّ حال ما يُبنى على الأساس يكون كحال الأساس، فيَنشأ الطفل على معرفة عَظَمة الخالق، والخوف منه، ويتعرّف على آياته في الأنفُس، والآفاق، ويتعلّم تدريجيّاً أركان الإسلام، وبعض الواجبات، والآداب، وبذلك يَنشأ على الفِطرة السليمة السويّة قبل أن تُكدِّرها المعاصي، والذنوب، ولتحفيظ القرآن الكريم للأطفال العديد من الأهداف، ومنها ما يأتي: