If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في نفس الوقت الذي افتُتحت فيه إقريطش، افتتح المُسلمون جزيرة صقلية وأسَّسوا بها دولةً زاهرة. وكانت صقلية، إلى جانب سردانية (سردينيا) وقُرشقة (كورسيكا)، تجذب أنظار الغُزاة بِضخامتها وغِناها، فتقصدها الحملات البحريَّة من ثُغُور إفريقية والأندلُس، وهي حملاتٌ كان ينقصها الطابع الرسمي في أغلب الأحيان، أي لم تكن مدعومة من الخِلافة أو من سُلطان أو أمير تلك الناحية من ديار الإسلام، وتألَّفت عادةً من جُمُوعٍ من المُجاهدين أو النَّواتيَّة المُغامرين، على النحو الذي اتبَّعهُ فيما بعد كثيرٌ من الملَّاحين والبحَّارة الإنگليز والإسپان خِلال عصر الاستكشاف. وكان أوَّل من غزا صقلية من المُسلمين هو مُعاوية بن خديج الكندي، وذلك في خِلافة مُعاوية بن أبي سُفيان، ولم يتمكَّن المُسلمون من فتحها فتحًا مُستدامًا مع أنَّ السرايا البحريَّة الإسلاميَّة غزتها عدَّة مرَّات طيلة العصر الأُمُوي، وذلك بِسبب ضخامة الجزيرة وبُعدها عن شواطئ إفريقية والأندلُس، ونظرًا لِصغر الحملات المُسيَّرة وطبيعة هذه الغزوات ذاتها. لِذلك، بقيت صقلية تتبع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة طيلة العصر الأُموي وبداية العصر العبَّاسي. وفي تلك الفترة كان المُسلمون قد بلغوا مبلغًا من القُوَّة البحريَّة لم يعهدوه من قبل، وكانت الأساطيل الإسلاميَّة في إفريقية والأندلُس بِالذات على درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة والاستعداد والقُدرات الحربيَّة، وذلك لِاهتمام الأُمراء الأُمويين في الأندلُس والأغالبة في إفريقية بِإنشاء قوىً بحريَّة تكفي لِحماية شواطئها من عدوان البيزنطيين والإفرنج والنورمان، الذين تكررت هجماتهم على ثُغُور الإسلام في تلك الناحية من العالم. وكان الأغالبة يُسيطرون على الحوض الأوسط لِلبحر المُتوسِّط، وكانت أساطيلهم القويَّة تجوس خلال هذه المياه فيما بين قلورية وحتَّى سردانية وقُرشقة، وتُثخن في شواطئها، وكانت صقلية نظرًا لِضخامتها وقُربها من الشاطئ الإفريقي، تبدو لهم بِالأخص غنيمة قيِّمة سهلة المنال، فكانت مطمح أنظارهم يتحيّنُون الفُرص لِافتتاحها وامتلاكها. وبِحسب الرواية البيزنطيَّة فإنَّ سيِّدًا من أشراف صقلية يُدعى «فيمي (إيفيميوس)» أحبَّ راهبةً حسناء واختطفها من ديرها، فقضى الإمبراطور ميخائيل الثاني بِجدع أنفه عقابًا له على جُرمه، ففرَّ فيمي المذكور إلى بلده سرقوسة وثار في عصبته وأنصاره على حاكم الجزيرة الرومي، وانتزع منه سرقوسة وبسط حُكمه عليها. ووقعت بِالجزيرة حربٌ أهليَّة انهزم فيها فيمي وأنصاره، فهرب إلى إفريقية واستغاث بِأميرها زيادة الله بن إبراهيم الأغلبي، ودعاه إلى فتح صقلية ووعده بمُلكها. أمَّا الرواية الإسلاميَّة فلا تأتِ على ذكر قصَّة الراهبة، وتقول فقط أنَّ الإمبراطور البيزنطي غضب على فيمي، وهو مُقدَّم أُسطُوله، وأمر بِالقبض عليه، فثار الأخير في شيعته واستولى على سرقوسة، ثُمَّ انتزعها منهُ زعيمٌ آخر يُدعى «بلاطة»، فسار فيمي في سُفُنه إلى إفريقية واستنجد بِأميرها سالف الذِكر، فاستجاب إلى دعوته.
وبجميع الأحوال، فإنَّ الأمير الأغلبي اعتزم فتح الجزيرة وأخذها لِلمسلمين، فاستنفر الناس لِلجهاد، فهرعوا لِتلبية دعوته، وجُمعت السُفُن من مُختلف السواحل، وندب قاضي القيروان أسد بن الفُرات بن بشر المرِّي لِقيادة الحملة. وكان أسد بن الفُرات فقيهًا وعالمًا من عُلماء عصره، وكان أيضًا جُنديًّا جريئًا وبحَّارًا مُغامرًا سبق له أن قام بِغزواتٍ بحريَّةٍ في الحوض الأوسط لِلبحر المُتوسِّط، وافتتح جزيرة قوصرة قِبالة إفريقية. وفي ربيع سنة 212هـ المُوافقة لِسنة 827م، أقلع الأُسطُول الإسلامي بِتسعُمائة فارس وعشرة آلاف راجل، ورست سُفُنه في ثغر مازر في طرف الجزيرة الغربي، وهو أقرب ثُغُورها إلى الشاطئ الإفريقي، ونفذ أسد بن الفُرات على رأس جيشه إلى شرقيّ الجزيرة ورفض الاستعانة بِالروم الذين اجتمعوا بِقيادة فيمي لِمُعاونته في القتال. وفتح المُسلمون عدَّة حُصُون، وحاصروا سرقوسة وبلرُم، ووقعت بينهم وبين البيزنطيين معارك طاحنة، وبعث الإمبراطور بِالأمداد، فاشتدَّ الأمر على المُسلمين، وهُزموا في عدَّة مواقع، ومات كثيرون منهم بِالوباء ومنهم قائدهم ابن الفُرات. وشدَّد الروم الحصار عليهم، فبعث ابن الأغلب الأمداد إلى صقلية، ووصل إليها في الوقت نفسه أُسطُولٌ من الأندلُس من السرايا المُجاهدة المُغامرة سنة 214هـ المُوافقة لِسنة 829م، فأعاد المُسلمون الكرَّة وفتحوا بلرُم. واستمرَّ ابن الأغلب في تسيير البُعُوث والأمداد إلى صقلية، واستمرَّ المُسلمون في افتتاح مُدُنها وحُصُونها تباعًا، فافتُتحت كُلٌ من: جرجنت وقصريانة وقطانية ومسينة وغيرها، بيد أنَّ التقدُّم الإسلامي في الجزيرة كان بطيئًا لِوُعُورة أرضها، فاستقرَّ المُسلمون فيما افتتحوه منها، وأسسوا بها إمارة تولَّى عليها الوُلاة حتَّى افتُتحت كامل الجزيرة بافتتاح سرقوسة آخر معاقلها في سنة 264هـ المُوافقة لِسنة 878م.
غدت صقلية مُنذُ افتتحها المُسلمون قاعدةً لِطائفةٍ كبيرةٍ من الحملات والغزوات البحريَّة التي يُنظِّمها الأُمراء الأغالبة أو وُلاتهم على الجزيرة، أو تُنظمها العصابات الخاصَّة لِغزو الثُغُور والشواطئ الإيطاليَّة. وكانت هذه الحملات تنقض بلا انقطاع على الشواطئ الإيطاليَّة الشرقيَّة والغربيَّة وتعود مُحمَّلة بِالغنائم والأسرى. وفي سنة 229هـ المُوافقة لِسنة 843م، اختلف أميران من اللومبارديين على إمارة بنفنتو بجنوب إيطاليا، فاستنصر أحدهما بِأمير صقلية الفضل بن جعفر، فبعث إلى قلورية بِحملةٍ قويَّةٍ فاستولت على ثغر باري واستقرَّت به، وأنشأت فيه إمارةً إسلاميَّةً أصبحت قاعدةً قويَّةً لِلغزو في هذه المياه، وعاثت في نواحي قلورية وفرضت الجزية على مُعظم مُدُنها. وتمكَّن المُسلمون من الاستيلاء على ثغر طارنت ثُمَّ على راگوزة من ثُغُور البحر الأدرياتيكي الشرقيَّة. وتوالت حملات البحَّارة المُسلمين بعدئذٍ على الثُغُور الإيطاليَّة حتَّى اضطرَّ سُكَّانها أن يُنشئوا على طول الشاطئ أبراجًا وقلاعًا وافرة المنعة لِكي ترُد الهُجُوم المُفاجئ، شامخة الارتفاع لِكي لا تصل النيران التي تُضرم في أسفلها إلى طبقاتها العُليا. وقد تسبَّبت هذه الحملات الإسلاميَّة بانتشار الذُعر والخوف في رُبُوع شبه الجزيرة الإيطاليَّة، في هذه الفترة. وعندما ورث الفاطميُّون مُمتلكات الأغالبة سنة 296هـ المُوافقة لِسنة 909م، أرسلوا الأساطيل إلى شواطئ إيطاليا، وأَكثر وُلاتُهم على صقلية من غزوها، وأقاموا القواعد البحريَّة في شواطئها الجنوبيَّة. ففي سنة 298هـ: أجاز الحسن بن أحمد بن أبي خنزير - أول والٍ على صقلية من قِبل الفاطميين - البحر إلى بسط قلورية، فأثخن فيها، وعاد. وفي سنة 299هـ سيَّر أحمد بن قرهب سريَّة إلى أرض قلورية، فغنموا منها، وأسروا من الروم، وعادوا، ثم سيَّر أُخرى عقبها، ففعلت مثل الأولى. وأمَّا في ولاية الحسن الكلبي: فقد بثَّ سراياه إلى أرض قلورية، وأقام عليها شهرًا، فسألوه الصُّلح، فصالحهم على مالٍ أخذه منهم. أمَّا في ولاية ثقة الدولة يُوسُف الكلبي، فقد شغل الصقليين عن الخلاف عليه بتوجيههم إلى الغزو في جنوب إيطاليا. وقد كان من أثر تلك الغزوات المُتكاثرة لِأُمراء صقلية - والتي كان منها غزواتهم في إيطاليا - أن كثُر العبيد، وصاروا طبقة تشغل شريحة كبيرة في المُجتمع المُسلم هناك، ودخلوا في صُفُوف الجيُوُش الإسلاميَّة.
بعد أن انتقلت صقلية إلى سيادة الفاطميين دخلت في فترةٍ طويلةٍ من الفوضى والاضطراب، واستقلَّ كثيرون من قادتها المُسلمين في حُصُونهم. وأراد الصقليُّون أن يظلَّ كُل زعيمٍ منهم سيِّدًا على ناحيته، وأن تكون السيادة الفاطميَّة اسميَّة فقط، فرفض الخليفة الفاطمي عُبيد الله المهدي ذلك، وأرسل إليهم قُوَّاتٌ تغلَّبت عليهم، وولَّى على الجزيرة حاكمًا من طرفه يُدعى سالم بن أبي راشد. وكان سالم المذكور ظالمًا فضجَّ الصقليُّون بِالشكوى منه، فعزلهُ الخليفة وولَّى مكانه خليل بن إسحٰق، فلم يكن خيرًا من سابقه، بل بلغ من شدَّته أن هدم أسوار بلرُم لِكيلا يعتصم أهلها بها منه. فما كان من أهل بلرُم إلَّا أن استعان الكثيرون منهم بِالروم، وارتدَّ عن الإسلام والتحق بِالبيزنطيين نفرٌ من ضعاف الإيمان. وعندما يئس الفاطميُّون من أمر صقلية ولَّى الخليفة الفاطمي الثاني - وهو مُحمَّد القائم بِأمر الله - عليها الحسن بن عليّ بن أبي الحسن الكلبي، وكان أولئك الكلبيُّون من أخلص رجال الفاطمييين في إفريقية، وأثبت الحسن الكلبي أنَّهُ والٍ قدير فهدَّأ البلاد وجمع كلمة أهلها، وظلَّ أولاده وأحفاده يحكمون الجزيرة 95 سنة هجريَّة هي العصر الذهبي لِلإسلام في صقلية. وكان آخر الكلبيين هو الحسن الصمصام بن يُوسُف، وقد ثار عليه الصقليُّون وأخرجوه من الجزيرة واستقلَّ كُلُّ قائدٍ بِناحيةٍ منها، فانقسمت إلى دُويلاتٍ صغيرة. واشتدَّت العداوة بين أُمراء تلك الدُويلات، وبِالأخص بين مُحمَّد بن إبراهيم بن التَّمنة أمير شرق صقلية، وابن الحوَّاس علي بن نعمة حاكم الوسط، وفي أثناء الحُرُوب انهزم ابن التَّمنة فاستنجد بِروجر النورماني شقيق روبرت جيسكارد ملك جنوب إيطاليا، سنة 440هـ المُوافقة لِسنة 1048م، فأقبل إلى قُوَّاته في الجزيرة وبدأ يستولي على معاقلها. وكان النورمان يتطلّعُون إلى صقلية مُنذُ قيام دولتهم في جنوبي إيطاليا، ولكنَّهم كانوا في حاجةٍ إلى عونٍ معنويٍّ من البابويَّة حتَّى تُصبح حُكُومتهم شرعيَّة، فانضمُّوا إلى البابويَّة فأجازت لهم انتزاع جنوب إيطاليا من البيزنطيين، والحق في صقلية إذا انتزعوها من المُسلمين. بناءً على هذا، أرسل روبرت جيسكارد أخاه روجر لِغزو صقلية سنة 453هـ المُوافقة لِسنة 1061م، فأتمَّ السيطرة عليها بِحُلُول سنة 484هـ المُوافقة لِسنة 1091م، وأبقى الحُكَّام المُسلمين على ولاياتهم أوَّل الأمر، ثُمَّ أخذ يعزلهم واحدًا بعد الآخر ويُولِّي محلُّهم حُكَّامًا من النورمان أو الصقليين، ولم يُبقِ إلَّا على عددٍ قليلٍ من المُسلمين ممَّن توسَّم فيهم الإخلاص له. وانتهج روجر وابنه بعده سياسة التسامح مع المُسلمين، غير أنَّ حفيده وليم سار على غير نهج أبيه وجدِّه، فقضى على الإسلام وأهله في الجزيرة، وعندها أيضًا تلاشى كُل وُجُود سياسي لِلمُسلمين في جنوب إيطاليا، وانتقلت سيادة الحوض الأوسط لِلبحر المُتوسِّط إلى أيدي النورمان وأهل الجُمهُوريَّات الإيطاليَّة التجاريَّة.