If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كانت محبّة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه عظيمة، فالأحاديث النبويّة تبيّن لطفه معهم، وتلك البشاشة التي كانت تملأ وجهه نوراً وسروراً وهو يسأل عن حالهم ويُطيّب خاطرهم؛ وفيما يأتي ذكرٌ لبعض هذه الأحاديث التي تصوّر عِظم أخلاق النبيّ -عليه الصلاة والسلام- في تعامله مع من حوله من الصحابة:
كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم على بصيرةٍ في معرفة نفسيّات أصحابه وقابليّتهم للأمور، فيعرف ما يحبّونه وما يكرهونه، ويحْرِص على علاجِ ما يواجههم في حياتهم، كُلٌّ بحسب استعداده وطاقتِه، وكثيراً ما تتفاوت إجاباته عن سؤلاتهم وفق حالهم وحاجتهم، وقد يُحذّر أحدهم من أمرٍ، في حين يقدّم غيره إليه؛ لِما يراه من قدرة واستعداد أحدهم، وضعف الآخر عن أدائه؛ وما ذلك إلا لأنّه وُلد وكبُر معهم، وعاش في بيئتهم وحياتهم، فأدرك مزاياهم الشخصيّة والنفسيّة، فكان يُكلّف كُلّاً منهم حسب حاله، فحققّوا أسمى غايات البطولة في تلك التكاليف بإتقانٍ وكفاءةٍ فائقةٍ، فقد استمال النبيّ المؤلفة قلوبهم في حُنَينٍ بالمال؛ إذ كانت المادّيّة تستولي على فكرهم، فلم يتشبّع الإيمان بحلاوته في قلوبهم بعد، ومنع الأنصار من الغنائم في حُنينٍ لعلمه بأنّ الحلاوة الإيمانيّة قد بلغت مبلغاً عظيماً في قلوبهم.
وفي يوم أُحدٍ سأل النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه من يأخذ السيف منه، فقام عدّة رجال، واختار نبيّ الله أبا دجانة الأنصاريّ -رضي الله عنه-؛ لِما كان يعلمه من قوّته وشجاعته، حتّى فلقَ به هام المشركين، فواجبات الشجاعة يتولّاها من هو أهلٌ لها، ومن الصّحابة من لا يقوى على القتال فيُبقيه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في المدينة عند النساء؛ كحسان بن ثابت مثلاً، فهو -صلّى الله عليه وسلّم- لا يحمّل أحداً فوق استطاعته، ويراعي قدرات من حوله؛ لذلك كانت سياسته القيادية الحكيمة أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فكان يبني الرجال في أماكنهم التي يتقنون فيها أدوارهم، والأهمّ من ذلك أنّه كان يُثني عليهم في مواقعهم بأفضل صفاتهم، ولا يلتفت لِما يعانونه من النقص البشريٍّ.
بلغت ثقة أصحاب النبيّ به مبلغاً عظيماً، كما كانت ثقته بهم كذلك، ومن ذلك في يوم الحديبية، فلولا ثقتهم برسولهم لما كان الصّلح، في حين أنّ ثقته بأصحابه ظهرت في مواقف عدّةٍ، منها موقفه يوم بدرٍ وأُحُدٍ، ولولا ذلك لما زجّ بهم إلى معارك ضاريةٍ يكون الأعداء فيها ثلاثةَ أضعافهم، وتظهر محبّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لأصحابه ومحبّة أصحابه له في كُلّ وقت؛ سلمٍ وحربٍ، ومن ذلك موقف الصحابة يوم أُحد؛ عندما انهال المشركون على النبيّ بسهامهم، فاصطدّ المسلمون لها بأجسادهم يُحامون عنه -صلّى الله عليه وسلّم-، فها هي نُسيْبة الخزرجيّة استلّت دِرعها تدافع عنه -صلّى الله عليه وسلّم-، وأصيبت بجروح كثيرة، وفقدت وعيها من شدّة النزف، وحينما أفاقت أخذت تسأل عن النبيّ وتطمئن عنه، وعند موته -صلّى الله عليه وسلّم- في يومه الأخير، كشف السّتار عن حجرته ونظر إلى أصحابه وهم يصطفّون ويؤمّهم أبو بكر الصديق عندئذٍ؛ فتبسّم ابتهاجاً واطمئناناً، وكاد الصحابة أن يخرجوا من صلاتهم فرحاً برؤيته.
إنّ ممّا يعظّم شخصيّة هذا النبيّ الخاتم هو مساواته لنفسه بأصحابه، بل أحياناً استئثاره نفسه دونهم بالوقوع في المشقّة والجهد، فها هو يحمل الحجارة لبناء المسجد وكأنّه فردٌ معهم، لا فرق بينه وبين أحدٍ من المسلمين، وفي يوم الخندق يحفر بيده ويتكلّف بعناءٍ حمل الأحجار على عاتقه الشريف، حيث قال البراء بن عازب -رضي الله عنه-: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَومَ الخَنْدَقِ، حتَّى أغْمَرَ بَطْنَهُ، أوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ)، وقد لاقى النبيّ أخطر المواقف والصّعاب ولم يدَع المكروه يُصيب أحداً من أصحابه، كما كان يشاركهم بحبٍّ في مأكلهم ومشربهم، وفي حزنهم وفرحهم، فكما سخّر نفسه لخدمة أمّته ودعوته والمسلمين، سخّر الصحابة طاقتهم لخدمة هذه الأمّة العظيمة تحت لواء قيادته.
وكان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يهتمّ بالشورى، فمواقفه في استشارة أصحابه في الأمور العسكريّة وغيرها لها الأثر البالغ في مصالح الإسلام والمسلمين، حيث استشار أصحابه في جميع غزواته إلّا الحديببة؛ فقد أصرّ على بنود الصلح التي ستُحافظ على الأمن لانتشار الإسلام، وكان رأيه في محلّه؛ فنتائج الصلح أثمرت الخير العظيم للأمّة الإسلاميّة، في حين كان رأي أصحابه النصر العاجل قبل حلول أوانه، فالأمّة الإسلاميّة هي الأعلى والأعزّ على الدوام مهما حلّ بها من الأزمات؛ وذلك لارتباطها الإلزاميّ بالله -عزّ وجلّ-، وهذا الذي تمحور حوله القرآن الكريم وركّز على تثبيته في القلوب وغرسه في النفوسِ، والنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- جاء يُطبّق ذلك بحرصٍ وحبٍّ في تعامله مع أصحابه في وقت الشدائد والأزمات، فقد كان الأمل لهم والدافع الأوّل في استنهاض هِمَمهم بعزمٍ ونشاطٍ وتفاؤلٍ، وكان يحرص على انتشال شعور الضعف واليأس والبؤس من صدورهم، ويبثّ الأمل فيهم باستمرار.
إنّ من صفات الداعية المربّي الحُلُم؛ وهذه الصفة العظيمة التي تحلّى بها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مع أصحابه، وقد كان النبي حريصٌ على مشورة أصحابه حتى في الأمور الصغير، ومن ذلك ما جاء عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في صحيح البخاري: (أُتِيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بثِيابٍ فيها خَمِيصَةٌ سَوْداءُ صَغِيرَةٌ، فقالَ: مَن تَرَوْنَ أنْ نَكْسُوَ هذِه؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، قالَ: ائْتُونِي بأُمِّ خالِدٍ، فَأُتِيَ بها تُحْمَلُ، فأخَذَ الخَمِيصَةَ بيَدِهِ فألْبَسَها، وقالَ: أبْلِي وأَخْلِقِي). فقد استشار النبيّ أصحابهوسألهم لمن يُعطي هذا الثوب.
كان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يحرص على تفقّد أصحابه والسؤال عنهم، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه قال: (أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ افْتَقَدَ ثَابِتَ بنَ قَيْسٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لكَ عِلْمَهُ، فأتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا في بَيْتِهِ، مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: شَرٌّ، كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وهو مِن أَهْلِ النَّارِ، فأتَى الرَّجُلُ فأخْبَرَهُ أنَّهُ قالَ كَذَا وكَذَا، فَقالَ مُوسَى بنُ أَنَسٍ: فَرَجَعَ المَرَّةَ الآخِرَةَ ببِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقالَ: اذْهَبْ إلَيْهِ، فَقُلْ له: إنَّكَ لَسْتَ مِن أَهْلِ النَّارِ، ولَكِنْ مِن أَهْلِ الجَنَّةِ)، ومن هذا المثال يتّضح لنا بعمقٍ تأثّر الصحابة بالقرآن الكريم؛ فهم يُطبّقون أحكامه ويقفون عند حدوده، فما نهاهم عنه اجتنبوه، وما أمرهم به أتوا به بقدر استطاعتهم، ويظهر من الحديث شفقة النبي على صاحبه والحرص على إزالة الهمّ من قلبه، وتبشيره بما يُفرحه، ومثاله أيضاً ما رواه عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حيث قال: (لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا} إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ، قُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: ليسَ كما تَقُولونَ {لَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ} بشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ باللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
كان النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- بسّاماً يحبّ إدخال الفرح والضحك على قلوب من حوله، وسنقف على جماليّات هذه الأخبار والأحاديث الواردة عنه -صلّى الله عليه وسلّم-، ومنها ما يأتي:
أثْنى الله -عز وجل- على زوجات النبيّ الكريم في مُحكم التنزيل، فقال الله -تعالى-: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)، فنساء النبيّ أمّهاتٌ للمؤمنين جميعاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقد كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- زوجاً حسنَ العشرة، وطيّب الخُلق مع زوجاته -رضي الله عنهنّ-، وذلك في كافّة أحواله؛ في حزنه وفرحه، وفي غضبه ورضاه، فكان يكرمهنّ ويُحسن إليهنّ؛ ويظهر ذلك في عدّة مواقف، وفيما يأتي ذكرٌ لبعضها:
إنّ حُسْن الخُلقِ ممّا تميّز به النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ فقد كان أكمل النّاس خُلُقاً وخَلْقاً؛ إذ بُعِث متمِّماً للأخلاق الحسنة، والمكارم الفاضلة، وما أعظمَ حُسن الخلق! فبه ترتفع منزلة العبد عند ربّه -تعالى-، ويورثُه محبّته وجلاله، ولنا أن نتخيّل قدر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بأخلاقِه التي ضربَ بها أروع وأنقى العبر والأمثال مع البشريّة جمعاء من البعيد والقريب، والعدوّ والحبيب، ومع أصدقائه وحتّى مع ألدّ أعدائِه، وقد كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الأسوة الحسنة التي ينبغي على المؤمنين جميعاً أن يتأسّوا ويقتدوا بها، فباتّباعه -صلّى الله عليه وسلّم- والتخلّق بأخلاقه الكريمة يرتقي المرء عند الله -تعالى-؛ فيجازِيه بحُسن خلقِه الرضوان، ويفوزَ بالجِنان، فقد فاقَ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- جميع البشر بحسنِ خُلقِه، وإنّ الوصف التشبيهيّ المثيل الذي جاء يُحاكي واقعه الخُلقيّ؛ لهو عظيمٌ جداً؛ فقد كان خُلقُه القُرآن، وهذا من قولِ عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-؛ حيث قالت: (كان خُلُقُه القرآنَ).