If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لقد شغلت منذ وقت غير قصير بفكرة هذا البحث (رؤية الشاعر الجاهلي للموت وأحساسه به وعقيدته فيه).
وما زالت الفكرة تراودني, تجئ وتذهب, وتلوح وتغمض, حتي قدر الله لي أن أعيش بعض الزمن في أحدي مناطق شبه جزيرة العرب, فملأت عيني من مظاهرها الطبيعية, وأحسست بنفسي بعض ظواهرها المناخية, وسرحت بخواطري لأتخيل أهل هذه المناطق كيف كانوا يعيشون؟ وبماذا كانوا يشعرون؟ قبل الأختراعات الحديثة التي ذللت الصعاب وعمرت اليباب.
فتبلورت الفكرة وأستقرت, وأقامت ولم تذهب, وأيقنت بأنه لابد أن يكون الجاهليون أحسوا بالموت أحساساً شديداً, وقد كانوا يلاقونه في كل وقت, ويتخيلونه في كل شبر.
فقويت عزيمتي, ومضت أرادتي للكتابة في هذا الموضوع, فرحت أبحث عن الدوافع التي يمكن أن تزيد أحساسهم بالموت - وأنا أعلم أن كراهية الموت جزء من فطرة الإنسان, وأن حب البقاء جبلة في طبعه - لكن الذي يزيد من هذه الكراهية ويضاعف القلق والخوف من ذهاب الحياة هو ما بحثت عنه عند الجاهليين, وقد أمتديت إلي أن العوامل البيئية والظروف المعيشة والعوامل المتولدة من حياة الصحراء أسهمت بقدركبير في زيادة أحساس الجاهليين بالموت, لكن العامل الأقوي كان أفتقادهم الدين الصحيح واليقين بالآخرة, فهما كفيلان بأن يعمرا النفس بالطمأنينة, ويملآها بالرضا والأمل, وكل ذلك لم يكن عند الجاهليين.
ثم تتبعت أشعارهم التي عبرت عن موقفهم من الموت وحملت أحساسهم به, وصنفتها إلي ثلاثة أنماط هي: رثاء النفس- ورثاء الآخرين- والحكمة.
ولقد ظهر لي أن شعراء كثيرين رثوا أنفسهم في الجاهلية, منهم الفارس الذي بكي نفسه وهو يحتضر بعد أصابته في غارة, أو ناح عليها, وهو أسير ينتظر الموت, ومنهم المشهور, وكثير منهم مغمور, فترجمت لهم جميعاً وأثبت أشعارهم التي رثوا فيها أنفسهم.
وفي رثاء الآخرين أنتقيت النصوص التي يظهر فيها أحساس الشعراء بالموت, حتي لا تخرج الدراسة عن أطارها المرسوم لها, ثم نظرت في شعر الحكمة الذي تناولوا فيه قضية الموت, وأستخرجت منه عقيدتهم فيه ورؤيتهم له.
ثم درست بعد ذلك الخصائص الموضوعية والفنية لشعر الموت.
وبعد فإني أعتقد أن هذه الدراسة تسكب مزيداً من الضوء علي حياة العرب في العصر الجاهلي, وتجلي جانباً من مشاعرهم وتقدم صورة لخواطرهم وأفكارهم في مواجهة الموت.