العربية  

books الفقه الافتراضي

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

فقه الفرضيات (Book)


نشأ ما يُعرف في التراث الإسلامي بـ فقه الفرضيات، أو الفقه التقديري، أو الفقه الافتراضي، وهو أحد أرقى المناهج الاجتهادية التي أبدعها العقل الفقهي الإسلامي؛ إذ يقوم على افتراض صور ومسائل قد لا تكون قد وقعت بالفعل، ثم إخضاعها للقواعد الشرعية والأصول العامة، وتحليل جميع حيثياتها، واستنباط حكمها على تقدير وقوعها.ولم يكن هذا المنهج لونًا من العبث الذهني، ولا ضربًا من الترف العلمي، كما قد يتوهم بعض من لم يدرس العلوم الشرعية دراسةً تخصصية، وإنما كان وسيلةً علميةً لتدريب الملكة الاجتهادية، وصقل قدرة الفقيه على التفريع، واستكشاف مدى انسجام القواعد الكلية مع جميع الصور الممكنة، بل وحتى مع الصور المستحيلة عادةً، انطلاقًا من القاعدة المنطقية المعروفة: «فرض المحال ليس بمحال»؛ إذ إن استحالة وقوع الشيء لا تمنع من تصوره ذهنيًا، ثم دراسة ما يترتب عليه لو قُدِّر وقوعه.
وقد أساء بعض الكُتّاب والخطباء ومرتادي وسائل التواصل الاجتماعي والجهلة بعبارة أوضح فهم هذا اللون من البحث، فظنوا أن الفقيه حين يفرض شيء ما ، أو اجتماع أوصاف لا تجتمع عادة، أو يتناول صورًا لا وجود لها في الخارج، فإنه يعتقد بإمكان وقوعها، أو يدعو إليها، أو يتحدث عن واقع خارجي، مع أن الفقيه لا يفعل شيئًا من ذلك، وإنما يمارس وظيفةً علميةً بحتة، تقوم على تحليل الفروض، وتفكيك الحيثيات، واختبار القواعد، تمامًا كما يفعل علماء المنطق والرياضيات والفيزياء والقانون حين يبنون نتائجهم على فرضيات ذهنية لا يلزم منها تحققها في الخارج , واشتهرت مدرسة أبي حنيفة النعمان بالتوسع في هذا المنهج حتى لُقِّب أصحابها بـ«الأرأيتيين» لكثرة قولهم: «أرأيت لو كان كذا؟».
فإن الإنصاف العلمي يقتضي بيان أن أصل هذا المنهج لم يكن حكرًا على مدرسة دون أخرى، بل هو حاضر في مدرسة أهل البيت (ع)أيضًا، سواء في الروايات المأثورة عنهم، أم في مؤلفات فقهائهم وأصولييهم، ابتداءً من الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، ومرورًا بالمحقق الحلي، والعلامة الحلي، والشهيدين، وصاحب الجواهر، والشيخ الأنصاري، وصولًا إلى فقهاء العصر الحاضر، حيث امتلأت كتبهم بالفروض الفقهية، وتفريع الصور، ومناقشة الوقائع المقدرة، وإن اختلفت درجة التوسع فيها أو المصطلحات المستعملة للتعبير عنها , ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب؛ استجابةً لحاجة علمية ملحة، ولمعالجة خلطٍ شائع بين الفتوى والفرض الفقهي، وبين الواقع والتقدير، وبين البحث التعليمي والحكم الشرعي، ولا سيما بعد أن أصبحت بعض الفروض الفقهية مادةً للتشويه أو السخرية أو الاتهام، نتيجة اقتطاعها من سياقها العلمي، أو عرضها على غير أهل الاختصاص , ولا يقتصر هذا الكتاب على الجانب التاريخي أو الوصفي، بل يسعى إلى تأسيس رؤية معرفية متكاملة لفقه الفرضيات، من خلال دراسة مفهومه، وجذوره، وأدلته، ووظائفه، وعلاقته بعلم الأصول والمنطق وفلسفة التشريع، وبيان تطبيقاته في التراث الإسلامي، ثم ربط ذلك بالنوازل المعاصرة، كالذكاء الاصطناعي، والاستنساخ، والهندسة الوراثية، والعملات الرقمية، والسفر الفضائي، وغيرها من المسائل التي بدأت يومًا ما فرضيات ذهنية، ثم أصبحت حقائق واقعة تستوجب حكمًا شرعيًا , وقد اعتمدنا في هذا البحث المنهج الاستقرائي والتحليلي والمقارن؛ باستقراء النصوص الفقهية والأصولية من مصادر الإمامية والمذاهب الإسلامية الأخرى، وتحليلها، ثم مقارنتها لإبراز مواضع الاتفاق والاختلاف، مع الحرص على تحرير المصطلحات، ورد الشبهات، وربط التراث الفقهي بالإشكالات الفكرية المعاصرة.

 
(3)
Vpn

Vpn