If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أصاب محمود السعدنى يأس قاتل، جعله يفكر في الانتحار. خرج الكاتب من نداء الوطن وعاد يسرح خلف طوغان من جديد. وكان المشوار هذه المرة إلى مجلة الكشكول. والتقى في هذه المجلة برجل عظيم اسمه محمد حمدى، وهو رجل طيب وفي رأسه أحلام كثيرة. "كان ساحر الحديث يستطيع أن يقنع حتى الصخور وحتى الحمير". ولكنه كان يسقط دائمًا عند التجربة. لذلك اكتفى خلال رحلة حياته بإصدار الأعداد الأولى من الصحف الجديدة، ثم الاستقالة لإصدار مشاريع جديدة. وكان على رأس الجريدة سعيد إسماعيل، الذي كان على علاقة بالإخوان المسلمين. واستمر الكاتب في الكشكول ثلاثة شهور نشر خلالها أزجالًا ومقالات ثم أغلقت أبوابها. وشعر بالحزن الرهيب. ثم عاد من جديد يسعى وراء طوغان، وفي هذه المرة إلى مجلة الوادى.
وكان صديقهم القديم زكريا الحجاوى قد سبقهم إلى مجلة الوادى. وأدرك وهو شديد الحسرة أن زكريا الحجاوى لا يصلح لهذه المهنة، ولا يصلح لمنصب المدير. وفي الوادى التقى بكثيرين، خليل الرحيمى، وأحمد عباس، وعمر رشدى، وعبد الفتاح غبن. ولم يلبث أن أصابه يأس قاتل. وترك كل شئ فجأة وعاد من جديد "إلى حوارى الجيزة وشوارعها". وها هو يقف وحده الآن في الحياة وكل شئ يمضى من حوله. وأصدقاء طفولته تبددوا جميعًا, "استطاع بعضهم أن يتلائم مع ظروفه، وبعضهم استطاع أن يتلائم عليها". واعتراه تلك الأيام لحظات يأس عنيفة، وفكر أحيانا في الانتحار، وشرع ذات مرة في تنفيذ ما عزم عليه. "ذهب إلى شاطئ النهر" وكان يحمل في يده كراسة قديمة كتب على الجلدة "مسافر بلا وداع. مجموعة قصص مصرية تأليف الكاتب المشهور محمود السعدنى. حقوق الطبع محفوظة للمؤلف". وقد بكى وهو واقف عند الشاطئ وقال في نفسه, "ياللعار، هذه المدينة المترفة الجبارة التي يبعثر أهلها ألوف الجنيهات كل ليلة على موائد القمار لا تستطيع أن توفر له عشرة جنيهات كل شهر هي كل ما كان يتمناه من الحياة؟" ولكن في اللحظة الأخيرة خانته شجاعته، وكان الظلام قد حل على الكون, وأصبح الشاطئ أكثر وحشة وأكثر كآبة. فأطبق بشدة على الكراسة وعاد من جديد إلى قهوة السروجى ليلعب الكومى كما اعتاد كل مساء.