If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
الجزائر في عهد الشاذلي توفي هواري بومدين في ٢٧ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٧٨، نتيجة المرض، عن عمر يناهز قليلاً ٥٠ سنة. وبرهنت عواطف الجمهور في المأتم على أنه كان يتمتع بشعبية كبيرة. وبناء على توجيه من الجيش، سمت جبهة التحرير الوطني، الحزب الوحيد، شاذلي بن جديد خلفاً لبومدين، بوصفه "أقدم ضابط في أعلى رتبة في الجيش".
وانتخب رئيساً للجمهورية الجزائرية في ٧ شباط/ فبراير ١٩٧٩، ومع ذلك حصل على فترتين رئاسيتين أخريين، وبقي في السلطة حتى شهر كانون الثاني/ يناير ١٩٩٢. وهو رجل من شرق الجزائر، ولد في ١٤ نيسان/ أبريل ١٩٤٩، في بوتلجة، بالقرب من عنابة، من عائلة فلاحية فقيرة.
كان شاذلي بن جديد ضابط صف في الجيش الفرنسي لدى اندلاع الثورة المسلحة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٥٤ التحق بجيش التحرير الوطني في عام ١٩٥٥. وتسلق بسرعة التسلسل التراتبي. وأصبح عضواً في هيئة الأركان العامة المقيمة في غارديماو تحت إمرة العقيد بومدين. وخلال أزمة صيف ١٩٦٢، وقف شاذلي بن جديد إلى جانب رئيسه ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة. وفي شهر حزيران/ يونيو١٩٦٤، تولى إدارة المنطقة العسكرية الثانية وهران التي استمر في ١٩٧٩.
ومع أنه كان عضواً في مجلس - إدارتها بلا انقطاع ما بين ١٩٦٤ الثورة اعتباراً من عام ١٩٦٥، فقد عاش على هامش القرارات السياسية الكبرى. ولدى وفاة بومدين، انتصر على منافسيه الرئيسيين محمد الصلاح يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة (و هما أيضاً عضوان سابقان في هيئة الأركان) وبخاصة بفضل دعم قاصدي مرباح، منسق دوائر الأمن الجزائرية ورئيس الأمن العسكري (شرطة سياسية). وأبعد بارونات البومدينية (طيب العربي، عبد الغني، أحمد داريا، بن شريف)، واستبدلهم بضباط كبار من الجيل الجديد.
ولكي يمارس سلطته، اعتمد شاذلي بن جديد على عدة دوائر متحدة المركز: الأمن العسكري، وأقربائه من عنابة وقسنطينه، وحاشيته العائلية، والمكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني.
وأصبح معظم المدراء السياسيين الجزائريين الفعليين من أبناء المثلث الجغرافي الواقع في شرق الجزائر: بيسكرة- تبسة- سكيكدة (ب. ت. اس) حيث حظيت مدينتا خنشلة وباتنة بتمثيل مفرط في دوائر السلطة.
يريد شاذلي بن جديد التحرير الاقتصادي، وينوي تهدئة اللعبة السياسية الجزائرية. فألغى تصريح الخروج من الأرض الجزائرية بالنسبة للمواطنين المفروض منذ شهر حزيران/ يونيو ١٩٦٧؛ وأعلن، في ٥ نيسان/ أبريل ١٩٧٩، رفع الإقامة الجبرية عن فرحات عباس وبن يوسف بن خدة المفروضة منذ شهر آذار/ ماس ١٩٧٦، وعفا في ١٦ نيسان/ أبريل ١٩٧٩ عن ١١ معتقلاً محكوماً عليهم في عام ١٩٦٩ بتهمة التآمر على أمن الدولة؛ وأطلق سراح الرئيس السابق أحمد بن بيلا في ١٠ تشرين الأول/ أكتوبر١٩٨٠. وسرعان ما اصطدمت السلطة الجديدة "بربيع البربر" في بلاد القبائل، وهو انفجار ثقافي حقيقي وضع على جدول الأعمال التعددية اللغوية في الجزائر (العربية، البربرية، الفرنسية).
إبان عقد السبعينيات، كان مفهوم الأمة الذي فرض نفسه هو مفهوم الأمة العربية الإسلامية. فوزير الإعلام والثقافة أحمد طالب الابراهيمي لم يتردد، في عام ١٩٧٣، عن كتابة ما يلي: "بقراءة كل ما كتب عن العرب والبربر في الجزائر، يدرك المرء أنه بوشر حقاً بعمل هدام لتقسيم الشعب الجزائري. فالإدعاء مثلاً بأن سكان الجزائر يتكونون من عرب وبربر هو إدعاء زائف تاريخياً". ولم يغفل الميثاق الوطني في عام ١٩٧٦ كل مرجعية إلى اللغة والثقافة البربرية فحسب، بل خصص أن "الاستخدام المعمم للغة العربية وإتقانها بوصفها أداة عملية خلاقة هو أحد أولويات مهام المجتمع الجزائري". وفي ١٩ آذار/ مارس ١٩٨٠ حظرت الحكومة محاضرة للكاتب مولود معمري حول استخدام اللغة البربرية في جامعة أوزي- أوزو. واستولى أساتذة وطلاب على الجامعة احتجاجاً على ذلك. وبدأ إضراب عام في بلاد القبائل في شهر نيسان/ أبريل ١٩٨٠ من أجل الاعتراف باللغة البربرية.
وفي شهر نيسان/ أبريل ١٩٨٠، هز"الربيع البربري" بشدة الصرح المؤسساتي، الأيديولوجي الجزائري. وطرح للمرة الأولى مسألة التنوع السكاني والتعريف الثقافي في الجزائر، لكنه أتاح أيضاً تصويب التاريخ الجزائري في بعد آخر. فقد أوضح اثنان من منشطي هذا "الربيع" هما سالم في عام ١٩٨٣، أن "التيارات Tefsut شاكر وسعيد سادي في مجلة تفسوت الأيديولوجية، وبخاصة التيار العربي الإسلامي، تحتكر، منذ الاستقلال، الحياة الثقافية والفكرية باستخدام الرقابة والاستبداد. وتنمي تجاه البعد البربري وكل فكرة مستقلة إرادة خنق وتصفية واضحة". للمرة الأولى منذ الاستقلال، أنتج تأثير "الربيع البربري"، ومن داخل الجزائر، خطاباً مناهضاً عاماً ضخماَ حقاً في بلد يسير وفق الإجماع العام. في هذا العالم الملتحم حيث مجتمع ودولة، خاص وعام، منصهرون في كتلة واحدة، منح ازدهار الجمعيات والمنظمات الشعبية المستقلة قوة للمجتمع الجزائري. وأتاح ظهور التعددية الثقافية الديمقراطية ترجمة الصراعات الموجودة "وسط الشعب" وحلها بوساطة القناة السياسية. لقد قُمعت "العصيانات" البربرية بقسوة في كل بلاد القبائل ما بين. شهري نيسان/ أبريل -أيار/ مايو ١٩٨٠.
ورث خلفاء هواري بومدين نظام الحزب الوحيد. في البداية، حاولوا انفتاحاً خجولاً (تحرير الرئيس السابق أحمد بن بلة، تقليص دور دوائر الأمن والمعلوماتية/ المخابرات). لكنهم لم ينتقدوا نظام الحزب الوحيد الذي يحث الجيش عليه، لوقف تقدم "الفراغ" السياسي والاجتماعي.
وفي ٣ أيار/ مايو ١٩٨٠، في قرارها التنظيمي، المنشور في ١٤ منه، منحت الدورة الثالثة للجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني سلطات كاملة للرئيس شاذلي بن جديد للقيام بإصلاح بنى هذه الجبهة. وفي ١٥ حزيران/ يونيو ١٩٨٠، عقد المؤتمر غير العادي لجبهة التحرير الوطني بحضور٣٩٩٨ مندوباً منهم ٣٣٩٩ مندوباً منتخباً و٦٥٩ مندوباً بالتعيين. وأكد على تمركز السلطات في يد رئيس الدولة (رئيس الجمهورية والأمين العام للحزب، ووزير الدفاع). وفي عام ١٩٨٠، ظهر النظام المؤسساتي الجزائري، المؤسس منذ ١٩٦٥، والذي اكتسب "صفة دستورية" في عام ١٩٨٠، "بمثابة سلطة دولة نصبتها القيادة العسكرية"، في حين وصفها مؤلفون آخرون، على التوالي: "دولة سلطانية"، "بونابرتية"، "عسكرية بيروقراطية"، و"رأسمالية بيروقراطية". وفي ٢٤ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٨٠، إبان عقد الدورة الرابعة للجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني، فُرض على كوادر "المنظمات الجماهيرية" الاتحاد العام لعمال الجزائر، واتحاد الشبيبة الوطني الجزائري، والاتحاد النسائي الجزائري، واتحاد الفلاحين الوطني الجزائري، ومنظمة المجاهدين وعلى أعضاء المجالس المنتخبة الانتساب إلى جبهة التحرير الوطني اعتباراً من الأول من شهر كانون الثاني/ يناير ١٩٨١، وذلك عملاً بالمادة ١٢٠ من دستور الحزب. وقام الرئيس شاذلي بن جديد بتعيين ٣١ أمين محافظة (فرع الجبهة في الولاية)، يرأس كل واحد من هؤلاء الأمناء مجلس تنسيق مؤلف من قائد القطاع في الجيش الوطني الشعبي، ورئيس المجلس الشعبي في الولاية. وشددت جبهة التحرير الوطني رقابتها على المجتمع.
وبتطبيق المادة ١٢٠، دجنت منظمات الشبيبة والنقابات. وفي رسالته حول "حال الأمة"، في كانون الثاني/ يناير ١٩٨٣، صرح شاذلي بن جديد: "إرادتي هي أن تكون جبهة التحرير الوطني حزباً قوياً قادراً على القيام بدوره كاملاً في شتى ميادين الحياة القومية". لكن جبهة التحرير الوطني التي فقدت تدريجياً الشرعية التاريخية الناجمة عن حرب الاستقلال، فقدت الحظوة منذ أمد طويل بسبب البيروقراطية، والاتجارية (نزعة للمتاجرة من غير اهتمام بأي اعتبار آخر/ من النجاح في bureaucratisation المعرب)، والمهنية. ومنعتها هذه البقرطة مشاريع "إصلاح الأخلاق" ضد أولئك الذين اختلسوا الأموال العامة. ففي ٢١ نيسان/ أبريل ١٩٨٣، أعلنت صحيفة المجاهد أن مئة مأمور قضائي ومأموري مصالح السجون سيمثلون أمام لجان انضباط بتهم ابتزاز وتجاوز استخدام السلطة. وفي ٧ أيار/ مايو، أدان ديوان المحاسبات أحمد بن شريف بتسديد غرامة مقدارها ٤٧ ألف دينار لصرفه نفقات بشكل غير نظامي في، عام ١٩٧٧ حين كان وزيراً للطاقة المائية. وفي ١٣ آذار/ مارس ١٩٨٤ أدانت المحكمة العليا واليين سابقين لولاية بيشار باختلاس أموال عامة.
وفي ٨ آب/ أغسطس، صرح عبد العزيز بوتفليقة لوكالة الصحافة الفرنسية أنه على استعداد لمواجهة " الحوار السياسي حول أصل اتهامات اختلاس الأموال؛ [وأنه] تصرف دائماً بناء على تعليمات الرئيس بومدين". وفي ٢٤ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٤، اتهم قرار ديوان المحاسبات بلعيدعبد السلام والياسين، وزيري صناعة سابقين في عهد بومدين، بسوء الإدارة. واتهمت المحكمة وزير زراعة سابق هو طيبي العربي باختلاس الأموال العامة. وجرى التستر على معظم الإجراءات التنفيذية. ورغم القيام بعدة حملات "تطهير" في عهد شاذلي بن جديد، فإن الفساد بلغ أبعاداً لا مثيل لها. وتطورت بدرجة كبيرة ممارسة أخذ "العمولات" من أجل انغراس الشركات الأجنبية على الأرض الجزائرية. على الدوام، جرت شخصنة السلطة، عن طريق مركزة الوظائف الحكومية والتشريعية على مرأى عين الجيش الساهرة، البنية الحاكمة الفعلية. وقد أُعيد تنظيم هذه البنية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨٤. فقد رفع العقيدان عبد الله بلهوشات ومصطفى بلوصيف إلى رتبة لواء، ورقِّي ثمانية عقداء إلى عمداء. وأُنشئت هيئة أركان للجيش الوطني الشعبي بقيادة مصطفى بلوصيف يعاونه عمداء حيث ظهرت شخصية خالد نزار. وشغل مبادر المادة ١٢٠ الشهيرة في الدستور الجديد للحزب، محمدمسعدية، منصب الأمين الدائم للجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني حتى فتن شهر تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٨. وبلور حول اسمه الاستياءات الشعبية.
رغم انجازات السياسة الاقتصادية التي زودت الجزائر بنظام إنتاجي على نسق البلدان شبه الصناعية (نسب نمو سنوية ٥ر ٧% وسطياً، زيادة ١٩٨٠ )، فإن - الإنتاج الصناعي بنسبة ١ر ٨% سنوياً ما بين ١٩٧٠ الصعوبات الملازمة لانجاز، ثم لتسيير الوحدات الصناعية (فوائض، ضعف نسب استخدام القدرات الإنتاجية، عدم التحكم بالتقانات المستوردة)، أثارت مشكلات خطيرة. واعتباراً من نهاية السبعينيات، ظهرت العيوب الفاغرة لخطط التنمية المتتالية بإزاحة النقاب عن ثغرات الإستراتيجية المتبناة، ولاسيما تلك التي تعطي الأولوية للصناعة الثقيلة على حساب الزراعة وإنتاج المواد الغذائية. وجعلت نفقات واردات المواد الغذائية ( ٢ر ٢ مليار دولار سنوياً في عام ١٩٨٠ ) من الجزائر بلداً تابعاُ بنسبة ٦٠ % من حاجاتهاالغذائية. وقاد هذا الوضع المأزوم إلى نوع من "الاستراحة". ففي شهر حزيران/١٩٨٤ ) معالجة - يونيو ١٩٨٠، حاولت الخطة الخمسية الجديدة ( ١٩٨٠ الاختلالات المتولدة عن الإستراتيجية "التصنيعية". أذعنت الإستراتيجية الجديدة المعدة في عهد شاذلي بن جديد إلى الاعتراف بالدور الذي لعبه القطاع الخاص. ففي ١٠ كانون الأول/ ديسمبر١٩٧٩، أوصى مؤتمر حول استغلال البترول بمشاركة الشركات والبلدان الأجنبية مشاركة متزايدة في جهود البحث. وفي نهاية اجتماع اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني في ٢ كانون الثاني/ يناير ١٩٨٠، صدر ميثاق بخصوص السكن، يشجع على حصول العائلات على الملكية الخاصة. وفي ٦ كانون الثاني/ يناير، نُشرت التوجيهات المتبناة بخصوص التنمية. وبما أنها، فقد أوصت - يجب أن تستخدم قاعدة للخطة الخمسية ١٩٨٠ ١٩٨٤ بخاصة بمراجعة السياسة النفطية وتباطؤ متحرك لسيرورة التصنيع. وبموجب قرار صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ ٧ أيار/ مايو ١٩٨٠، فُرط عقد الشركة الوطنية للبحث عن البترول والغاز ونقلهما وتحويلهما وتسويقهما١٩٨٣، اتخذت عدة - (سوناتراش) إلى أربع منشآت. وفي عام ١٩٨٢ إجراءات لإنعاش القروض الممنوحة لأصحاب المشروعات الصناعية والخدمية، كما بالنسبة لمستثمري القطاع الزراعي الخاص، والسماح لأصحاب المنشآت الخاصة باستيراد قطع التبديل بحرية. وسعى المخططون لتنمية بعض القطاعات المهملة حتى ذلك الوقت (السكن أو الصناعات الخفيفة). وشُجعت خصخصة الزراعة. ونجم عن تحرير المعاملات العقارية وإعادة هيكلة القطاع الاشتراكي: انتقال ٧٠٠ ألف هكتار من القطاع الاشتراكي (طالت الثورة الزراعية ١١٦٧٠٠٠ هكتاراً) إلى القطاع الخاص؛ فامتدت ملكية القطاع الخاص من ٥٥ % من مساحة الأرض الصالحة للزراعة في عام ١٩٨٠ حتى ٦٢ % في عام ١٩٨٥ : يؤمن ٥٠ % من الإنتاج. أرادت المرحلة الاقتصادية الجديدة أيضاً تنشيط الادخار الخاص امتلاك الأراضي، :intérêts patrimoniaux وإرضاء المصالح المالية تجارة، واردات سيارات، السماح للجزائريين اعتباراً من شهر آب/أغسطس ١٩٨٦ بفتح "حساب بالعملة الصعبة" في المصارف الوطنية أياً كان مصدر الأموال المودعة. وأصبح القطاع الخاص في مركز إعادة التوجيه الاقتصادي. وكان الرهان على تنمية صناعة قوية للسلع الإستهلاكية، وامتصاص البطالة بتوفير العديد من الوظائف. لكن النتائج كانت بعيدة عن مستوى الآمال المرتفعة المعلنة. فقد بقي القطاع الخاص ضعيفاً من حيث توفير الوظائف مقارنة مع القطاع العام. قاد البحث الأكثر دفعاً للحصول على الربحية المالية إلى تجميد لم يتجاوز - التوظيف. فخلال السنتين الأولى والثانية للخطة ١٩٨٠ ١٩٨٤ ما تم توفيره من وظائف ٢٨٠ ألف وظيفة. ويعكس ذلك توقف امتصاص اليد العاملة (في حين أن في عام ١٩٧٦، بلغ عدد ما جرى توفيره من وظائف ٢٥٠ ألف وظيفة سنوياً). فالمليون عاطل عن العمل الموروثين في بداية السبعينيات لا يزالون بحاجة إلى امتصاصهم. ويصل إلى سوق العمل ٢٠٠ ألف شاب سنوياً. قليل من الوظائف تُعد وظائف منتجة، فالصناعة بالفهم الضيق للكلمة
لا تمثل سوى ٢٠ % من توفير الوظائف، التي يجب أن يضاف إليها ٢٠ % في قطاع البناء والأشغال العامة، مقابل ٣٣ % في الإدارة شديدة
البيروقراطية آنفاً. فيما يخص الزراعة، يزود القطاع الخاص بقوام المنتجات، والعائدات منخفضة دائماً. وأسعار المنتجات الزراعية الجزائرية أعلى بكثير من الأسعار العالمية. ويبدو أنه أكثر "ربحية" أن تستورد. ففي عام ١٩٨٤ ، استوردت الجزائر ٤٠ % من استهلاك الحبوب الوطني و٥٠ % من منتجات الحليب، و ٧٠ % من المواد الدسمة، و٩٥ % من السكر. وأخيراً، بقيت الجزائر تعتمد كثيراً على ما تنتجه من البترول والغاز. فقد مثّل هذا القطاع ٣ر ٣٢ % من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات ١٩٧٦ ١٩٧٩، و٥ر ٣٧ % في عام ١٩٨٠. ولم تمثل الصناعة سوى ١٠ % على الدوام من الناتج المحلي الإجمالي في عام ١٩٨٢ ، حصة تساوي حصة ١٩٦٢ ، ولم تتمكن الصناعات الجزائرية دوماً من اختراق السوق العالمية. وتعادل قيمة صادرات النفط والغاز ٩٢ % من قيمة الصادرات الكلية في ٨٨ % في عام ١٩٧٢ ). وفاقم انخفاض سعر البترول ) الفترة ١٩٨٢ ١٩٧٥ في عام ١٩٨٣ ، ثم في عام ١٩٨٦ (الصدمة البترولية المضادة) وضع اقتصاد تأتي وسائله التمويلية بشكل شبه كامل من التقويم العالمي لأسعار البترول والغاز.
خلال عقد السبعينيات، أمام عدم كفاية الادخار الداخلي، سمح ريع البترول والغاز أولاً، ثم المديونية الخارجية بتنفيذ برنامج التصنيع الواسع، وزيادة عدد العاملين بأجر. وفي بداية الثمانينيات، كانت النتيجة ثقل الدين الخارجي. فقد. أصبح يمثل ٥ر ٣٥ % من الناتج المحلي الإجمالي في عام ١٩٨١ وبما أن تمويل التصنيع يستند على الإيرادات الناجمة عن التقويم العالمي لأسعار البترول والغاز، فإن انخفاض أسعارهما أدى إلى نمو خدمة الدين الخارجي. كما يظهر من قراءة الجدول التالي:
- في النصف الأول من الثمانينيات، تراوح سعر برميل البترول ما بين، ٣٠ ٤٠ دولاراً (نحو ٣٠٠ فرنك فرنسي في عام ١٩٨٥ ). وابتداء من عام ١٩٨٦
جعل انخفاض الإيرادات الناجمة عن البترول والغاز- ٩٧ % من دخول العملات الصعبة - مع هبوط سعر برميل البترول إلى نحو ١٥ دولاراً، جعل مشكلات التمويل عصية على الحل. فقد توجب على الجزائر تسديد ديونها، واستيراد المنتجات الغذائية والصيدلانية، وشراء قطع التبديل وتجهيزات الصناعة. سادساً - السياسة الخارجية والعلاقات مع فرنسا في مستوى السياسة الخارجية، حافظ شاذلي بن جديد على المحور التقليدي لهذه السياسة الجزائرية في تنقلاته الخارجية: زيارة عدة دول عربية أولاً، ثم رحلة أفريقية طويلة (آذار/ مارس- أيار/ مايو ١٩٨١ )، أتاحت له زيارة ١١ بلداً أفريقياً من مالي حتى الكونغو. واستمرت الجزائر في جعل قدراتها التنظيمية و"جديتها" مقبولة على المسرح الدولي. ذلك أن "مساعيها الحميدة" في المفاوضات الحساسة ، ما بين شهر تشرين الأول/ أكتوبر١٩٨٠ - كانون الثاني/ يناير ١٩٨١ ، من أجل تحرير الأسرى الأمريكيين الذين تعتقلهم طهران، ومحاولاتها للتوسط في الحرب العراقية الإيرانية، التي توقفت فجأة على إثر الاختفاء المأساوي، لوزير خارجيتها محمد صديق بن يحيى و١٣ من رفاقه (منهم عدة مدراء من وزارته) نتيجة حادث طائرة، برهنت على سلطان الجزائر في المستوى الدبلوماسي. وبعد وفاة بن يحيى حل محله وزير للشؤون الخارجية أحمد طالب الابراهيمي. لكن في بداية الثمانينيات، بدت الجزائر مترددة بين النهوض بإرثها الجيوسياسي الطموح أو الانسحاب من اللعبة في إطار الفوضى الاقتصادية العالمية. ومع احتفاظها بمفرداتها في المشروع العالم ثالثي، انتقلت الجزائر إلى سياسة "واقعية" حين سمعت بأولى تصدعات الإمبراطورية السوفييتية (المعتبرة حليفة "طبيعية" للعالم العربي). فحاولت إقامة علاقات اقتصادية وتقانية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان غربية أخرى. وتشير تجربة التفاوضمع فرنسا إلى إرادة الانتقال إلى سياسة أكثر واقعية. ففي بداية الثمانينات، تركزت النزاعات بين الجزائر وفرنسا حول ثلاث نقاط. الهجرة أولاً. فقد رأت الجزائر أنه لا يمكن إعادة ٨٢٠ ألف جزائري (منهم ٣٦٠ ألف عامل) مهاجر في فرنسا إلى بلادهم "مثل الحزم". ثم مشكلة المهاجرين الجزائريين من الجيل الثاني). فوفقاً للقانون ) "les beurs "البور الفرنسي يعد أبناء الجزائريين المولودين في فرنسا فرنسيين. لكن هل هم كذلك حقا. تقول السلطات الجزائرية التي تعتبرهم "جزائريين"؟ حينئذ يتعلق الأمر ب ١٦٠ ألف شاب، أخيراً، ملف الضمان الاجتماعي. فمنذ عام١٩٦٥ ، طالبت الجزائر فرنسا، في هذا الموضوع، بمليار فرنك فرنسي. ورفضت فرنسا الاعتراف بهذا الرقم. وتحسنت العلاقات بين البلدين بعد وصول فرانسوا ميتران إلى رئاسة الجمهورية في فرنسا. ففي ٣٠ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨١ ، خلال زيارته للجزائر، اقترح ميتران أن تكون العلاقات الفرنسية الجزائرية" مثالاً للعلاقات الجديدة بين الشمال والجنوب". وفي ٣ شباط/ فبراير ١٩٨٢ ، جاء توقيع اتفاقية الغاز. وحصل وزير الطاقة بلقاسم نابي على "ربط سعر الغاز الجزائري بسعر البترول الخام". بالنسبة لفرنسا، الجزائر هي الدولة الجزائرية، وفيها بعض المحاورين المتميزين. وتبقى البلد "مستودعاً" مهماً، شريكاً اقتصادياً، مع الغاز والبترول. قاد هذا الارتباط البدهي بالدولة، المستندة إلى جيش وحزب وحيد، إلى رفض امتحان قوى أخرى: حركات اجتماعية أو سياسية أخرى. وقد ظهر هذا الموقف الفرنسي بخاصة لدى اغتيال، المعارض الجزائري، عضو جبهة. القوى الاشتراكية، على ميسيلي، في باريس بتاريخ ٧ نيسان/ أبريل ١٩٨٧ فقد سلمت السلطات الفرنسية القاتل المفترض اميلو إلى الجزائر، تعبيراً عن إرادتها دفن "قضية ميسيلي" لكي لا تعرض العلاقات بين الدولتين للخطر.
في عهد شاذلي بن جديد، بقيت الحرب المعلنة ضد الوجود الاستعماري الفرنسي لحظة مركزية في الشرعنة الرمزية للأمة، بل للدولة أيضاً. تقدم هذه الحلقة على أنها حشد لشعب بأكمله، بلا تمايزات اجتماعية، سياسية أو ثقافية. إن إخراج ذاكرة إجماعية تبني أسس شعبوية قوية (تحاول حجب جميع التمايزات الاجتماعية أو المعارضات السياسية) تؤدي عملها في الأيديولوجية الرسمية. في الثمانينيات، أعقب زمن الحجب الكامل للتاريخ الجزائري بتعقيداته في عهد هواري بومدين، زمن كتابة تاريخ حرب الاستقلال. وأصبحت الذاكرة المعاشة، المحافظ عليها والمعبر عنها، علامة انضواء بالنسبة لجيل الإعصار كله، جيل الفوز بالاستقلال. هذا هو على الأقل ما أرادته مختلف "حلقات كتابة.١٩٨٤ - التاريخ" التي نظمتها جبهة التحرير الوطني منذ ١٩٨٢ جاءت العملية الواسعة لجمع شهادات شفاهية وتسجيلها حول مختلف مراحل الثورة الجزائرية، التي قررتها السلطات، من خلال منظور محدد بوضوح: "لا شيء يسمح لنا بأن نبقى شهوداً لتاريخ يمكن للآخرين كتابته، ومحاولات البعض تزييفه وفقاً لانتماءاتهم السياسية أو مصالحهم الآنية". إن تقديم أحداث عسكرية على نسق بطولي (حيث تستخدم الإشارة العسكرية لتبرير مكانة الجيش في الدولة منذ الاستقلال) يمارس بشكل خاص في كتابة التراجم. بالطبع لا يتصور المجتمع الاستعماري، المجتمع الظالم، تراجم للبسطاء والغامضين. في حين أن هؤلاء الغامضين أنفسهم يجب أن يجدوا أنفسهم معروضين في واجهة المسرح.، هكذا، مثلاً، مع اقتراب الأول من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨٤ عيد الميلاد الثلاثون لاندلاع الثورة المسلحة، تعددت تراجم الأموات في الصحافة الجزائرية. تتعلق جميع هذه التراجم برجال لقوا حتفهم والسلاح بأيديهم. وهذا الخطاب الاحتفالي حيث يسود المديح، وظيفته الاحتفال ببناء الدولة الجزائرية بوساطة "أبطال" بعينهم مقدمين نماذج. ففي صنع الذاكرة الجمعية يحتل سجل الرموز البطولية مكاناً مركزياً لتقوية كثافة الذكرى ومكافحة النسيان في بلد يخرج "من عصر طويل من الاحتلال الاستعماري". "بالتاريخ نسلح شبابنا بوطنية أجدادهم"؛ "قوة الماضي"؛ "تصويب الأعمال العظيمة على حقيقتها"؛ "في الذواكر الحية لأولئك الذين صنعوا الثورة": تلك هي بعض العناوين التي وجدت في الصحافة الجزائرية بمناسبة أعمال حلقة الدراسات الثانية حول. كتابة تاريخ الثورة الجزائرية في شهر أيار/ مايو ١٩٨٤ في هذا الإطار، يمكن للتاريخ أن يصبح أداة إخبارية، ولكن أيضاً أداة لإعادة تشكيل الماضي، وعرض علاقات قوى الحاضر. في احتفال التخليد ظهرت رموز واختفت رموز أخرى. في ٢٤ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٤ ، جرى إعادة دفن رسمي لكريم بلقاسم وثمانية آخرين من قادة جبهة التحرير الوطني. وفي الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، بمناسبة عيد الميلاد الثلاثين لاندلاع الثورة المسلحة، صدر قرار عفو رئاسي يعفو عن/ ويرد الاعتبار لإحدى وعشرين شخصية بعد وفاتها. أخيراً، هل يسير الأمر باتجاه ذكر دور فاعلي الحرب بوضوح؟ في ٨ تموز/ يوليو ١٩٨٥ ، صودر من الأكشاك عدد من أخبار الجزائر مخصص منظمة سرية أسسها الوطنيون أنصار الاستقلال في ،OS) للمنظمة الخاصة عام ١٩٤٧ ). وأُتلفت عدة آلاف من النسخ. وواقع ذكر أسماء حسين آية أحمد، وأحمد بن بلة، ومحمد بوضياف (مسؤولي المنظمة السرية للحركة الوطنية وجبهة التحرير الوطني، الذين انتقلوا جميعهم إلى المعارضة) يفسر هذا الحظر. يشهد هذا المثال المذهل للرقابة على حدود ممارسة اللجنة الوطنية لكتابة التاريخ التي أنشئت بقرار من الحزب الوحيد، جبهة التحرير الوطني. لا ترمي اللجنة إلى البحث في ماض معقد وفهمه، وإنما إلى إطاعة طلبات السلطة والتماسات الحاضر. هكذا ُاستخدمت اللجنة في الحوارات السياسية داخل جبهة التحرير الوطني. وضع التاريخ الرسمي علامات، وبنى شرعيته الخاصة به، ومحا كلَّ منهج تعددي. والواقع أنه لفَّقَ ما هو منسي. ففي شهر تموز/ يوليو ١٩٧٨ ، نشرت الصحيفة الأسبوعية أخبار الجزائر سبراً مهماً حول الشباب، وتاريخ الجزائر، ذاكرتها. جاء بالكاد على ذكر أسماء كريم بلقاسم (أحد أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة الرئيسيين)، وأبان رمضان (منظم مؤتمر الصمام) أو ديدوش مراد ( مسؤول قسنطينة في عام١٩٥٤ ). وكتب المعلق على السبر قائلاً: "الأبطال هم أولئك الذين غالباً ما تشير إليهم عناوين الصفحات الأولى من الصحف والتلفزيون: اميروش، العربي بن مهدي، سي هاويس، زيغود يوسف... ليس هناك من بطل حقيقي إلا ميتاً" وفي الواقع، إن الرجال الأكثر شهرة هم أولئك الذين ماتوا في المعركة، قبل الاستقلال.
يلاحظ الكاتب الجزائري رشيد ميموني أن: "في الجزائر ٦٠ % من السكان تقل أعمارهم عن ٢٠ سنة، يعلمون بالطبع، بوجود الحرب، لكن بالنسبة إليهم تلك قصة قديمة أسطورية السمات". وهؤلاء الشباب هم الذين سيلقاهم المرء في الشارع في شهر تشرين. الأول/ أكتوبر ١٩٨٤
نص قرار ٩ شباط/ فبراير ١٩٨٠ القاضي بتحديد صلاحيات وزير الشؤون الدينية على أن مهمته "شرح ونشر المبادئ الاشتراكية الكامنة في العدالة الاجتماعية التي تشكل أحد عناصر الإسلام الأساسية". يظهر الإسلام في الشخصية الجزائرية ويزدهر بالاشتراكية. والدولة هي الضامن لكل منهما وإذن الضامن أيضاً للإسلام. تبني الدولة "نظاماً عاماً دينياً"، لكن فقط بِقَدرِ ما يكون الإسلام دين الاشتراكية الجزائرية. ففي الميثاق الوطني لعام ١٩٨٦، أُكد من جديد على خضوع الإسلام للقيم الرسمية، إسناد أيديولوجي جديد: "حمل الإسلام إلى العالم مفهوماً نبيلاً هو عزة النفس البشرية التي تُدين العنصرية، وترفض التعصب المفرط واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان؛ وتنسجم المساواة التي ينادي بها وتتكيف مع كل قرن من قرون التاريخ". أممت الدولة الإسلام بدون إرادة تعديله. وأدى رفض خضوع الإسلام للدولة إلى ظهور الحركة السياسية الإسلاموية. لاسيما أن الدولة الجزائرية لا تتمتع بشرعية دينية، على عكس الدولة المغربية، مثلاً. في ١٩ أيار/ مايو ١٩٨١، اندلعت مواجهات بين ناشطين إسلاميين وشرطة النظام في الحرم الجامعي بمدينتي الجزائر وعنابه. كما وقعت صدامات عنيفة بين مجموعات "إسلامية" وأخرى "علمانية" في المدينة الجامعية بن عكنون، في مرتفعات مدينة الجزائر في ٢ تشرين الثاني/ نوفمبر، ١٩٨٢، (وقتل طالب "تقدمي" بضربة سيف). وفي ١١ أيلول/ سبتمبر ١٩٨٢ اعتقل ٢٣ ناشطاً إسلامياً، بينما ذهب آخرون إلى أفغانستان لخوض معركة ضد القوات السوفيتية. وفي ١٣ كانون الثاني/ يناير ١٩٨٣، أطلق أحد القادة الإسلاميين، مصطفي بويالي، وآخرون من رفاقه النار على دورية للدرك بالقرب من مدينة الجزائر. وبدأت "مقاومة بويعلي" تعرف بنفسها. وفي شهر نيسان/ أبريل قُدم إلى المحاكمة مئةٌ وخمسة وثلاثون عضواً من مجموعته، الحركة الاسلامية في الجزائر. وحكم غيابياً بالسجن المؤبد على مصطفى بويالي،Larb’a الذي لجأ إلى المقاومة وتحدى قوى الأمن في أرض مولده (العربة بالقرب من مدينة الجزائر) خلال خمس سنوات. وقُتل في شهر كانون الثاني/ يناير ١٩٨٧. وظهرت الحركة الإسلامية إلى العلن بمناسبة جنازة الشيخ عبد اللطيف سلطاني، في مقبرة كوبا، في ١٦ نيسان/ أبريل ١٩٨٤. وشارك في
مراسم الدفن عدة آلاف من الأشخاص، وأدت إلى مواجهات ثم إلى اعتقالات. وفرضت الدولة رقابة وثيقة، عن طريق وزارة الشؤون الدينية، على تعيين أئمة المساجد بموجب القرار الصادر في ٦ آب/ أغسطس ١٩٨٣، الذي مركَز تأهيل الكوادر الدينية وأنشأ جامعة كبيرة للعلوم الإسلامية في قسنطينة (فتحت أبوابها في شهر أيلول/ سبتمبر ١٩٨٤ )، وراقبت بناء المساجد التي ارتفع عددها إلى نحو ٦٠٠٠ مسجد في عام ١٩٨٦. أثارت هذه الزيادة في عدد المساجد الحاجة إلى موظفين دينيين. وقد استفاد من هذا العجز "الأئمة الأحرار" القريبون من الأوساط الإسلامية، وينتمون إلى عدة تيارات: تيار العلماء التقليديين مع محمد سحنون وعبد اللطيف سلطاني، وتيار جمعية القيم، وتيار مالك بن نبي، وأخرى منخرطة بالاتجاه المتولد عن المشرق العربي، ومرتبطة بجمعية [هكذا] الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا بمصر في الثلاثينيات. غذى دعاة المساجد "الخاصة" هؤلاء التعبئة الإسلاموية. وشنوا حملة من أجل تهذيب أخلاق مجتمع يعد مجتمعاً كافراً. وقد وجدوا مصدراً لتشجيع نشر أيديولوجيتهم عبر الحوار القائم حول "قانون الأحوال الشخصية والعائلة". وبرغم، العديد من الاحتجاجات، وبعد أن أُجل هذا المشروع في عدة مناسبات منذ ١٩٦٢ تبناه المجلس الوطني الشعبي في ٢٩ أيار/ مايو ١٩٨٤ . غير أن الاحتفاظ بتعدد الزوجات، ولو كان محدوداً، وحظر زواج المسلمات من غير المسلمين، وواقع أنهن بحاجة، ولو كن راشدات، لوصي عائلي، أمور تتناقض مع دستور ١٩٧٦ الذي أعلن المساواة أمام القانون. عدت العديد من الجمعيات النسائية، ولاسيما مناضلات حرب التحرير أن هذا القانون يشكل تقهقراً مهماً بالمقارنة مع ما تحقق من تغييرات فعلية منذ الاستقلال في العلاقات بين الجنسين. ومن جانبهم، استغل. الإسلاميون ذلك للمطالبة بالتطبيق الكامل للشريعة الإسلامية.
بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على الاستقلال، تغير المشهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في الجزائر تغيراً جذرياً. فقد ظهرت عدة مجمعات صناعية كبرى حديثة في سكيكدة، وعنابه وارزيو. وأصبحت الجزائر تمتلك مجمع حديد في الحجار، ومصافي بترول، ومصانع أسمدة وإسالة الغاز الطبيعي. وارتفع عدد الوظائف بأجر من ٧٠٠ ألف في عام. ١٩٦٣ حتى ٣ر ٢ مليون وظيفة في عام ١٩٨١ وانتقل مركز الجاذبية في الجزائر من الأرياف إلى المدن. فعدد السكان الذي تضاعف، تحضر بقوة ( ٣٠ % في بداية الستينيات، ارتفعت نسبة الحضر.( حتى نحو ٥٠ % من السكان في عام ١٩٨٨ وتشهد مواصلة الهجرة نحو أوروبا، وانتقال السكان إلى المدينة، وحركة شباب الأرياف نحو العمل بأجر، تشهد على حركية المجتمع الجزائري الفائقة للعادة. ليس هذا الانقلاب جغرافياً فحسب، بل هو أيضاً اجتماعي وثقافي، فسرعان ما تعّلم ملايين الجزائريين حياة الحضر، واكتشفوا أنماطاً استهلاكية. وأثار التحضر المفاجئ "أزمة مدن". ففي عام ١٩٨٢ ، كان الوضع في مستوى السكن وضعاً مأساوياً، لأنه قد يجب بناء مليون شقة سكنية في عشر سنوات لتقليص الفاقة إلى مستواها في عام ١٩٧٣ . وأصبحت صارخة عدم كفاية التجهيزات المائية، وترجمت بترشيد الماء في معظم التجمعات السكنية الكبرى. وكبحت أزمة السكن سيرورة استقلال العائلة النووية، في الوقت الذي تتفكك فيه الأسرة الواسعة. من الآن فصاعداً، أصبح الأُجراء الجدد يجندون من بين جمهور الشباب الواسع، ومعظمهم من أبناء المدن. ومع أنهم أكثر تعليماً من آبائهم، فليست لديهم ذاكرة اجتماعية وسياسية. ولم يعرفوا شروط العمل القاسية للعصر الاستعماري وسنوات الاستقلال الأولى. فقد شبوا في مجتمع حيث الخطاب المسيطر هو خطاب التزام الدولة بتوفير متطلبات العيش الرغيد. لكن في عقد الثمانينيات/ التسعينيات، أصبحت الدولة عاجزة أكثر من أي وقت مضى عن الوفاء بوعودها بالوصول إلى أكبر عدد من الموادالاستهلاكية، وأوقات الفراغ والتعليم والعمل المستقر والأجر الجيد. والحالة هذه، كما كتب عالم الاجتماع عبد القادر جيغلول: إن قوة شعبوية السلطة السياسية الجزائرية ، حتى بداية الثمانينيات، تكمن بلا منازع في واقع أنها لم تكن أيديولوجية، خطاب شرعنة ذاتية فحسب، بل أيضاً مجموعة ممارسات واقعية لدمج أغلبية الشعب الجزائري في دوائر العمل بأجر في المدينة". وفي نهاية السبعينيات، زاد عدد العاطلين عن العمل بسرعة أكبر وبخاصة بين الشباب. ففي عام ١٩٨٥ ، أصبح نحو ٧٢ % من الناشطين اقتصادياً الباحثين عن العمل تقل أعمارهم عن ٢٥ سنة. ومع بروز أزمة البطالة والسكن والتعليم ازداد نوع من خيبة الأمل بالنموذج الأيديولوجي، ولاسيما التصنيعي، الذي كان أساس شرعنة السلطة والإجماع الوطني في المرحلة السابقة. واصطدمت رغبة الاستهلاك بالتقشف. وأخذت الجزائر تبحث عن نفسها بين الهياكل القديمة التي تنفجر (نموذج عائلي، اجتماعي)، والجديدة التي لم تقنن بعد. ونما "تدبر الأمور" والفردية. ولم تعد تعبئة الريع القادم من البترول والغاز تكفي لتمويل برامج استثمارات عامة ضخمة في الصناعة والخدمات. يضاف إلى ذلك الجموديات المؤسساتية والسياسية. فنظام الحزب الوحيد، القائم على الزبائنية يكبح كل طيف لاستقلال العاملين، ويحول دون تبديل الأجيال السياسية.
بفضل عائداتها النفطية، نجت الجزائر في عام ١٩٨٤ من "ثورات الخبز" التي هزت المغرب وتونس. لكن السكان كانوا متعبين باطراد من عرض ثروات الشريحة الجديدة من أصحاب الامتيازات وغطرستها. وأخذت الهوة تحفر بين المجتمعين. وتتراكم الاحتقانات ولاسيما في أوساط الشباب ٦٥ % من السكان.
في عام ١٩٨٥ ، انهارت أسعار البترول انهياراً شديداً نتيجة الصدمة البترولية المضادة. وأصبحت العملات الصعبة أكثر ندرة. وتبنت الجزائر خطة تقشف ظالمة: رشدت النفقات الاجتماعية، والواردات وميزانية الدولة. الهجرة الريفية، وتعمقت أزمة السكن الحضري. فريسة البطالة، ومحرومين من حياة ثقافية حقيقية ومشاريع تعبوية، أصبح الشباب قوة انفجارية. محتملة طور الإسلاميون شبكاتهم بشكل سري. وفي شهر نيسان/ أبريل١٩٨٥ ، جرت محاكمة ١٣٥ مناضلاً بتهمة الانتماء إلى منظمات سرية. في الوقت نفسه، انفجرت مظاهرات في قصبة مدينة الجزائر للمطالبة بتحسين، أوضاع السكن. وفي العام التالي، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨٦ شهدت عاصمة شرق الجزائر الكبيرة، قسنطينة، اضطرابات شبابية عنيفة. وُاتهمت جبهة التحرير الوطني والطبقة السياسية عموماً. واتسع الاستياء ليقود إلى مظاهرات شهر تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٨ الدامية. وانتهى النظام الاقتصادي والسياسي، الذي كان سبباً في ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع، إلى الدخول في أزمة مفتوحة: إضرابات عمالية، مطالبات ثقافوية، تأسيس منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان، وصعود الإسلام السياسي.
منذ شهر تموز/ يوليو ١٩٦٢ ، تاريخ انتقال الجزائر إلى الاستقلال، حتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٨ ، اللحظة الحاسمة لانهيار النظام القائم على حزب وحيد (جبهة التحرير الوطني)، تحول المشهد الاجتماعي والثقافي في الجزائر تحولاً مهماً. فقد عرف هذا البلد زيادة سكانية قوية، (تضاعف عدد السكان ثلاث مرات عملياً)، وانتقال ضخم للسكان من الأرياف إلى المدن، ونمو نسبة التعليم (في حين أن الأمية كانت كبيرة لدى الاستقلال). ما غلب في عقل القادة - لكن في هذه الحقبة الطويلة ١٩٦٢ ١٩٨٨ السياسيين الذين جاء معظمهم من حرب الاستقلال ضد فرنسا، هو سيطرة فكرة الوحدة الوطنية. فالأيديولوجية الرسمية وتنظيم السلطة السياسية في عهد رئاسات أحمد بن بلة وهواري بومدين وشاذلي بن جديد، تشيران بانتظام (عن طريق مؤتمرات جبهة التحرير الوطني، والمواثيق الوطنية ومختلف الاستفتاءات) إلى أنه يجب على الحركات الاجتماعية والثقافية ألا تتحول إلى حركات مستقلة منفصلة عن الدولة. ولا يمكن لمختلف المطالب التي تقدمها (حقوق نقابية، مطالب نسوية أو مطالب لغوية) أن تترجم بتعبيرات سياسية تتضمن تنوعاً حزبياً. فالتعددية السياسية ودولة القانون ليستا على جدول الأعمال. والتحقيقات المختلفة، في المجالات العامة أو الخاصة، التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، لا يمكن أن تعبر عن نفسها إلا في إطار نظام سياسي متمركز بشدة حيث يلعب الحزب الوحيد (ومختلف منظماته الجماهيرية) دور تأطير ورقابة، وحيث الجيش (المنطوي على نفسه) هو المكان المركزي الفعلي لاتخاذ القرار السياسي. وتنتج سلطات الدولة العليا والحزب "المصلحة العامة"، وتدعي تمثيل المجتمع كله. إن نظام السلطة هذا يتناقض مع فكرة الحزب ذاتها، بما في ذلك جبهة التحرير الوطني نفسها، وهذا ما أكده المؤرخ محمد حربي منذ عام ١٩٧٩ في كتابه جبهة التحرير الوطني، سراب وواقع: "إ ن جبهة التحرير الوطني كحزب ما هي إلا واجهة تختبئ وراءها سلطة الدولة. لم يجرِ حل أية مشكلة تتعرض لها البلد، ولا أي نزاع بين الزعماء في إطار الحزب. فمسألة خلافة العقيد هواري بومدين لصالح العقيد شاذلي بن جديد تم حلها بالتراتبية العسكرية التي صادق مؤتمر الجبهة على خيارها. واختصار دور جبهة التحرير الوطني في دور الضامن الرمزي نجم عن لعبة الضغوط المفروضة والخوف من رؤية الطبقات الشعبية تنظم نفسها. وغداة الاستقلال امتصت الدولة كوادر جبهة التحرير الوطني كلها تقريباً". هكذا تطورت المعارضات ضد النظام من داخل جبهة التحرير الوطني (كما هي الحال بالنسبة لفريق "الإصلاحيين" بقيادة مولود حمروش) أو خارجها، بقيادة التيارات البربرية بشكل رئيس، أو بقيادة التيارات الإسلامية ذات النبرة المختلفة. وفي منتصف الثمانينيات، سرع السياق الدولي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر: تضخم، وأزمة إعادة إنتاج النظام الإنتاجي الذي أثبت عدم فاعليته، وأزمة زراعية وتبعية غذائية، وانخفاض مدهش لأسعار البترول وخفض قيمة الدولار. والنظام، الذي كان يضمن بقاءه عن طريق سياسة إعادة التوزيع الممول بشكل أساسي من عائدات البترول والغاز وارتفاع قيمتهما، وجد أن شرعيته قد اهتزت خاصة في أوساط الشباب. وعشية شهر تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٨ ، لم تعد أغلبية السكان تتطور في نطاقات الذاكرة التي صنعها النضال ضد الوجود الاستعماري الفرنسي. تدعي Etat démiurge وينتظر جمهور الشباب الكثير من دولة خالقة للعالم أنها تضمن لهم، بأسرع ما يمكن، الوصول إلى المواد الاستهلاكية، والتعليم، والصحة، والسكن والعمل. لقد ُاستنفد رأس المال الرمزي الناجم عن حرب التحرير الوطني، بدون أن ترتسم مشاريع مستقبلية. تدريجياً تخلص الشباب الجزائري من ظروفه النفسية التي جرت حرب الاستقلال في إطارها، ومن الآثار السياسية والإنسانية لما يزيد عن قرن من الاستعمار التام. وبعد أن نفد صبرهم، وأصبحوا يخضعون بشكل متراجع للأيديولوجية الرسمية، قبلوا بصعوبة الرقابة السياسية والاجتماعية لنظام تسلطي لم يعد قادراً على وضع مشاريع تعبوية. لكن في الوقت نفسه، بقيت هذه الشبيبة تحت تأثير نوع من الذاكرة الرسمية المفبركة منذ الاستقلال في عام ١٩٦٢ . ذاكرة تنقلها بخاصة المدرسة والكتب المدرسية الجزائرية التي جعلت من العروبة الإسلامية التي حملها قائد العلماء عبد الحميد بن باديس (المتوفى في عام ١٩٤٠ ) الفاعل الوحيد لتكوين الوطنية الجزائرية. ذاكرة أخفت القيم التي حملها أحمد مصالي الحاج أو فرحات عباس، رائدا الحركة الوطنية الجزائرية في فترة ما بين الحربين، ألا وهي قيم الجمهورية، والاشتراكية الشعبية، والدنيوية الدينية. ذاكرة رسمية أخلت التعددية السياسية السائدة في الحركة الوطنية، بما في ذلك في أثناء الحرب، والحوارات والمواجهات بين "أنصار مصالي الحاج" و"أنصار الجبهة" والشيوعيين. ذاكرة حجبت رموز الآباء مؤسسي جبهة التحرير الوطني في الجزائر: من كان يعرف محمد بوضياف قبل عودته إلى الجزائر في شهر كانون الثاني/ يناير ١٩٩٢ ؟ ذاكرة طردت القضية البربرية، مع أنها نوقشت في صفوف الاستقلاليين في الأربعينيات والخمسينيات. ذاكرة أفرطت في تثمين مبدأ الكفاح المسلح في حرب الاستقلال على حساب العامل السياسي. véritable culture هذا الماضي المأساوي، الذي هو ثقافة حقيقة للنسيان والتي رعتها بعناية جبهة التحرير الوطني بعد عام ١٩٦٢ ، وّلد ،de l’oublie آليات مخيفة، وخاصة بين الشبيبة. وخلال التسعينيات، قام عدد لا يستهان به من الشخصيات الهامة بلعب أدوار كامنة في نفوسهم أورثتهم إياها الذاكرة الرسمية كالعروبة الإسلامية، والكفاح المسلح، والوحدة الوطنية. وتغذت المأساة الجزائرية جزئياً من أساطير صنعتها حرب الاستقلال. ويظهر هذا الفائض من الذاكرة المزورة عقبة أمام إعادة امتلاك حقيقي للماضي، وبناء وعي قومي على قاعدة روح جمهورية وإسلام متسامح. كما منع هذا الفائض أيضاً مقاربة مستقبلية: فلا تزال مستمرة فكرة التعارض بين مصادر الهوية وتحديث الأمة. وأدت عدة عوامل إلى تخلخل النخب السياسية التقليدية. وهذه العوامل هي: صعود الشبيبة بقوة في الحلبة الاجتماعية، والدور الجديد الذي لعبته المدن، وظهور ثقافة حضرية، وتزايد أعداد المجازين العاطلين عن العمل في إطار تعريب تدريجي للتعليم. وفي نهاية الثمانينيات، أمام مواجهة أوضاع لا سابق لها لا ترجع إلى نقاط ثابتة في الذاكرة تساعد على تعديل السلوكيات، شعرت مكونات المجتمع الجزائري من أفراد ومجموعات بأنها تعيش في من جذورهم دون أن "déracinés المجهول والاستبدادي. وكثر "المستأصلون يستطيعوا إلغاء ذاكرة أصولهم، أو تهدئة معاناة الخوف المتعلق بالهوية. هكذا بعد تخلصه من الماضي الاستعماري الطويل، ظهر التاريخ الجزائري للعقود الأولى بعد الاستقلال بمثابة حقبة انتقالية عظيمة. وفي انتظار بناء مستقبل آخر، تثير هذه الحقبة رغبة الوصول إلى ارضاءات جديدة، وأملاك مادية أكثر عدداً. وفي إطار هذه الحركة نفسها، نرى زوال أوهام ، وآلام جديدة، وتجدد حنين (بما في ذلك الحنين إلى العصرالاستعماري). ووقف كثير من الجزائريين على تخوم "حضارة" غازية تحمل حداثة لم يصلوا إليها. ووجد المجتمع نفسه مضطرباً بمشاعر حارة تريد العودة إلى أصول دينية أو تُمجد "الأوطان الصغيرة". في حين أن كلمتي الأصالة والحداثة أصبحتا تترددان بعنف وبقوة حية. وهذا ما سيحدث بعنف. - في مأساة السنوات التالية، ما بين ١٩٨٩ ٢٠٠٠.