If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ويقرر كليبر القضاء على ثورة القاهرة، حتى ولو اضطر إلى إحراق القاهرة وبولاق معا. والمؤلم أن مراد بك زعيم المماليك كان يمده بالحطب اللازم لهذه الجريمة. ونسي مراد بك أنه كان يوما حاكما لهذا البلد وكبير مماليكه. ويصف الجبرتي عنف كليبر للقضاء على الثورة، فيقول "وصل كليبر إلى داره بالأزبكية – قصر محمد بك الألفي، الذي كان مقرا لقيادة الجيش الفرنسي – وأحاطت العسكر الفرنساوية بالمدينة – يقصد القاهرة – وبولاق في الخارج. ومنعوا الداخل من الدخول والخارج من الخروك، وذلك بعد ثمانية أيام من ابتداء الحركة، أي حوالي 28 مارس، وهو يوافق اليوم التالي بحضور كليبر إلى القاهرة – وقطعوا الجالب على البلدين – مصر وبولاق – أي إن بولاق كانت بلدة غير القاهـرة، وأحاطوا بهما إحاطة السوار بالمعصم، فعند ذلك اشتدت الحرب، وعظم الكرب، وأكثروا من الرمي المتتابع، بالمكاحل والمدافع، وأوصلوا وقع القنابر والبنبات – أي القنابل والبمب – من أعالي البيوت والقلعات خصوصا البنبات الكبار على الدام والاستمرار آناء الليل وأطراف النهار، في الغدو والبكور والأسحار. وعدمت الأقوات وغلت أسعار المبيعات وعزت المأكولات ونفدت الحبوب والغلات.. " ثم يقول "واستمر الحال على ما هو من اشتعال نيران الحرب وشدة البلاء والكرب، ووقع القنابل على الدور والمسكان من القلاع والهدم والحرق، وصراخ النساء من البيوت والصغار من الخوف مع القحط وفقد المأكل والمشرب.. واستمر ذرب المدافع والفنابر والبنادق والنيران.. ". وحاول المشايخ والعلماء التوسط للصلح من أجل العامة. لكن الجهلاء تغلبوا على العقلاء. وأرسل كليبر هؤلاء يطلب إليهم وفدا من العلماء لكيونوا سفراء بينه وبين الجماهير. فأرسلوا المشايخ: الشرقاوي والمهدي والسرسي والفيومي وغيرهم، وقابلوا الجنرال كليبر، فرض عليهم أن يوقف القتال ويعطي أهل القاهرة أمانا وافيا شافيا، فلما عرض المشايخ طلب كليبر الصلح على الجماهير وزعماء الثورة "قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم وضربوا المشايخ ورموا عمائمهم وأوسعوهم قبيح الكلام وصاروا يقولون: هؤلاء المشياخ ارتدوا.. وعملوا فرنسيس.. وبذلك أخفقت مساعي الصلح وتجددت المذبحة.
وفي اليوم الرابع عشر من إبريل 1800 م، أنذر كليبر العاصمة بالتسليم ولكن الثوار لم يعبأوا، ففي اليوم التالي بدأت الجنود بالهجوم على حي بولاق قبل شروق الشمس بقيادة الجنرال "بليار"، وأخذوا يضـربونه بالمدافع، وكانت مداخل الحي محصنة والثوارة ممتنعين خلف المتاريس وفي البيوت، فأجابوا على شرب المدافع بإطلاق النار من المتاريس والبيوت المصحنة، ولكن نار المدفعية الفرنسية حطمت المتاريس القامئة على مدخل الحي. فثغرت فيها ثغرة كبيرة، تدفق منها الجنود إلى شوارع بولاق، وأضرموا النار في البيوت القائمة بها، فاشتعلت فيها وإتسعت مداها. وامتدت إلى مباني الحي من مخازن ووكائل ومحال تجارة، فإلتهمتها، وما كان فيها من المتاجر العظيمة، ودمرت هذا الحي الكبير الذي يعد ميناء للقاهرة ومستودعا لمتاجرها، وهدمت الدور على سكانها. فباد كثير من العالات تحت الأنقاض أو في لهب النار. ويصف الجبرتي المأساة فيقول: "هجموا على بولاق من ناحية البحر – النيل – ومن ناحية بوابة أبي العلا. وقالت أهل بولاق جهدهم ورموا بأنفسهم في النيران حتى غلب الفرنسيس عليهم وحصروهم من كل جهة، وقتلوا منهم بالحرق والقتل وبلوا بالنهب الوسلبة. وملكوا بولاق وفعلوا بأهلها ما تشيب من هوله النواصي. وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة، واحترقت الأبنية والدور والقصور، وخصوصا البيوت والرباع المطلة على البحر، وكذلك الأطراق.. ثم أحاط الفرنسيس بالبلد، ومنعوا من يخرج منها واستولوا على خانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع. مولكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان والبنات ومخازن الغلال والكتان والقطن والأرز والأدهان والأصناف العطرية وما تسعه السطور، ولا يحيط به كتاب ولا منشور: وهذا يدل على مدى غنى بولاق كميناء رئيسي للعاصمة. وإذا كان البعض يرى أن الجبرتي كان مبالغا في وصف الأهوال التي حلت ببلدة بولاق، فماذا يقولون فيما ذكره "مسيو جالان" الفرنسي، الذي كان شاهد عيان في كتابه "صورة مصر أثناء إقامة الجيش الفرنسي" قال:
"في اليوم 14 إبريل أنذرت بولاق بالتسليم، فرفض أهلها كل إنذار وأجباوا بإباء وكبرياء أنهم يتبعون مصير القاهرة. وأنهم إذا هوجموا فهم مدافعون عن أنفسهم حتى الموت. فأخذ الجنرال "بليار" يحاصر المدينة، وبدأ يصل عليهم من المدافع ضربا شديدا أملا منه في إجبار الأهالي على التسليم.. ولكنهم أجباوا بضرب النار. فأطلقت المدفعين قنابها على المتاريس، وهجم الجنود على الاستحكامات فاقتحموا أكثرها. وظل بعضها يقاوم. واستبسل الأهلون في الدفاع ولجؤوا إلى البيوت فإتخذوها حصونا، فاضطرت الجنود إلى الاستيلاء على كل بيت منها – أي تحولت إلى معركة من بيت لبيت – وبلغ القوم في شدة الدفاع حدا لا مزيد بعده.
وفي هذا البلاء عرض العفو على الثوار فأبوا واستمر القتال، فجعلنا المدينة – بولاق – ضراما وأسملناها للنهب وصار أهلها عرضة لبطش الجنود. فجرت الدماء أنهارا في الشوارع، وإشمتلت النار أحياء بولاق من أقصاها إلى أقصاها، وعادت تلك المدينة العامرة الزاهرة هدفا للخراب وأكلتها أهوال الحرب وفظائعها. ولما بلغت الماساة مداها طلب الأهالي التسليم فأجيبوا إلى طلبهم. ولكن بولاق ستظل زمنا طويلا تتردى في هاوية من الخراب إلى أن تستطيعه النهوض من أعباء الكوارث التي حلت بها، فإن معظم بيوتها أصبحت ركاما من الخرائب والأطلال المحترقة. ولقد مضت ثماينة أيام والنار تلتهمها.