If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كتاب (الفرقة الناجية) للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم، الذى يتناول فيه الإمام أبو العزائم : الفرقة الناجية، من الأمة الإسلامية التى افترقت ثلاثا وسبعين فرقة كما أنبأ عن ذلك نبينا الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (ليأتين على أمتى ما أتى على بنى إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفرق أمتى على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم ملة، كلهم فى النار إلا ملة واحدة، قالوا: يا رسول الله، من الملة الواحدة التى لا تنقلب؟ قال: ما أنا عليه وأصحابى) (أخرجه الترمذى والسيوطى فى الجامع الصغير). وتلك من أعلام نبوته، وما أكثرها.
وأصول الفرقة الإسلامية التى إليها المرجع والمآل أربعة:
1- المرجئة:
فأساس الإرجاء هو تحديد معنى الإيمان وما يتبع ذلك من أبحاث، فالإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وإتيان بأنواع الأعمال من صلاة وصوم وزكاة وحج، فأى هذه هو الإيمان؟ أو هل هو كلها جميعا؟ على هذا البحث دار الإرجاء.
فكثير من المرجئة كانوا يرون أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو بعبارة أخرى: هو معرفة الله بالقلب ولا عبرة بالمظهر، ومن المرجئة من كان يرى أن الإيمان ركنان: تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وكان أشد خصوم المرجئة فى ذلك هم المعتزلة والخوارج، لأن هاتين الفرقتين اشترطوا فى الإيمان الإتيان بالطاعات واجتناب المعاصى، وجعلوا الأعمال جزءا من الإيمان، ومما فرعه المرجئة على تعريفهم للإيمان أن المؤمن مرتكب الكبيرة لا يخلد فى النار، لأنه لا يخلد فى النار إلا الكافر.
وفكر المرجئة يخدم السياسة- ولو من طريق غير مباشر- لأن هذا الفكر يجعل أصحابه محايدين، لا ضد الدولة ولا معها. فالمرجئة كانوا أميل إلى مسالمة الدولة الأموية والدولة العباسية، والمرجئة تنقسم إلى خمس فرق: الأولى: أتباع يونس بن عون، والثانية: الغسانية، والثالثة: اليومية، والرابعة الثوبانية، والخامسة: الخالدية.
2- المعتزلة:
وهم الذين اعتزلوا حلقة الحسن البصرى، أمثال عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهما، فنبذوهم بهذا اللقب وسموا: معتزلة. ومن مبادئهم أن الله عز وجل شىء لا كالأشياء، وأنه خالق الأجسام والأعراض، وأنه خلق كل ما خلقه من لا شىء، وأن العباد يفعلون أعمالهم بالقدرة التى خلقها الله سبحانه وتعالى فيهم، وأن الله لا يغفر لمرتكب الكبائر بلا توبة. والمعتزلة افترقت إلى خمس عشرة فرقة وهى: الغيلانية، والواصلية، والعمرية والهذيلية، والنظامية، والثمامية، والبشرية، والمزدارية، والهشامية، والجاحظية، والكعبية، والجبائية، والبهشمية، والأحشدية، والخياطية، والحسينية.
3- الشيعة:
التشيع أساسه الاعتقاد بأن سيدنا عليا كرم الله وجهه وذريته عليهم السلام أحق الناس بالخلافة، وأن النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ عهد له بها من بعده، وأما فرق الشيعة فهى ثلاث:
أ- الإمامية: وهم القائلون بإمامة الاثنى عشر، وولادة الثانى عشر ووجوده اليوم حيا، ويترقبون كل حين ظهوره، ويسمون أصحاب الانتظار.
ب- الزيدية: وهم الذين يرون إمامة زيد بن على بن الحسين عليهما السلام، وكل من قام بالسيف من بنى فاطمة، وكان جامعا للخصال الحميدة.
جـ- الإسماعيلية: وهم الذين يجعلون الإمامة بعد الإمام جعفر الصادق فى ابنه إسماعيل دون موسى الكاظم وبنيه عليهم السلام.
4- الخوارج:
وهم يقولون: إن العبد يصير كافرا بالذنب، ويكفرون عثمان وعليا رضى الله عنهما وطلحة والزبير وعائشة، ويعظمون أبا بكر وعمر رضى الله عنهما، وهم إحدى وعشرون فرقة وهم:
1- المحكمية: هم الذين قالوا لسيدنا على - لما توقف عن القتال وقبل التحكيـم-: إن كنت تعلم أنك الإمام حقا فلم أمرتنا بوقف الحرب انتظارا لنتيجة التحكيم؟ ثم انفصلوا عنه بهذا السبب، وكفروا سيدنا عليا ومعاوية.
2- الأزارقة: ومن مذهبهم أن قتل من خالفهم جائز.
3- النجدات: وهم يرون أن قتل من خالفهم واجب.
4- البيهسية: ومن مذهبهم أن من لا يعرف الله تعالى وأسماءه وتفاصيل الشريعة فهو كافر.
5- العجاردة. 6-الصليتة.
7-الميمونة. 8-الحمزية.
9- الخلفية 10- الأطرافية.
11- الشعيبية. 12- الحازمية.
13- الثعلبية. 14- الأخنسية.
15- الرشيدية. 16- المعبدية.
17- المكرمية. 18- المعلومية والمجهولية.
19- الأباضية. 20- الأصفرية.
21- الحفصية.
وهناك من الفرق غلاة الشيعة وهم خمس عشرة فرقة، وهم الكيسانية يقولون: إن الإمامة لمحمد بن الحنفية، وهم أربع فرق، والمشبهة وهم خمس فرق، والكرامية وهم أتباع ابن كرام من سجستان اغتروا بزهده، وهم سبع فرق، والجبرية وهم أربع فرق، ويقولون: إن العبد ليس خالقا لفعله.
ويتبين من استعرض هذه الفرق الإسلامية أنها أكثر من ثلاث وسبعين فرقة، مع أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يخبر بأكثر من ثلاث وسبعين، فكيف يكون ذلك؟.
والجواب عن هذا: أنه يجوز أن يكون مراده عليه الصلاة والسلام من ذكر الفرق، الفرق الكبار، وما ذكرناه من الفرق ليست من الفرق الكبيرة، ويجوز أيضا أنه أخبر صلوات الله وسلامه عليه أن الأمة الإسلامية ستفترق على ثلاث وسبعين ولم يجز أن يكون أقل، وأما إن كانت أكثر فلا يضر ذلك.
والفرقة الناجية هم السلف الصالح لا السلف الطالح الذى يأخذ بالمعنى الحرفى للقرآن - حتى فى الآيات التى توهم بالتجسيم- فيقولون باعتقاد الجهة لله قياسا للخالق على المخلوق. أما السلف الصالح فهم الذين ينزهون المولى سبحانه وتعالى عن مشابهات الحوادث.
والفرقة الناجية هى التى ترى أن التوحيد لون واحد، لا كما يخترع السلف الطالح بأن التوحيد توحيدان: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فزعموا أن جميع المسلمين عبدوا غير الله لجهلهم توحيد الألوهية، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شىء، فزعموا أن هذا اعترف به المشركون، وبذلك يهجمون على قلوب كثير من المسلمين ويحكمون عليهم بالشرك.
والفرقة الناجية هم السلف الصالح الذى يوقر النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ، ويشد الرحال لزيارة روضته الطاهرة، ويسودونه فى الصلاة، ويحتفلون بمولده، ويتوسلون ويستغيثون ويتشفعون به ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾.
والفرقة الناجية هم السلف الصالح، لا السلف الطالح الذى يعتقد أن مصطلحات القرآن الأساسية الإله والرب والعبادة والدين، والذين ينادون بأن أصول الإسلام تتغير عند المصلحة، وأن عصمة الأنبياء غير مستمرة، وأن أصول الدين الخلافة والحكومة فقط.
والفرقة الناجية هى التى تعتقد بإمامة الأئمة من أهل البيت، لأن أهل البيت هم المرجع الأصلى بعد النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ لأحكام الله المنزلة، فهم خزانة علمه ومعرفته، وتراجم وحيه، وأركان توحيده، كما قال ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتى أمان لأمتى من الاختلاف) (رواه الطبرانى، والشبراوى، والحاكم، وبن حجر فى الصواعق). وكما قال عنهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (إنما مثل أهل بيتى فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق) (رواه أبو نعيم، والفيروز آبادى، والهيثمى، والطبرانى، والحاكم، والخطيب البغدادى). وكقوله: (وإنما أهل بيتى مثل باب حطة فى بنى إسرائيل من دخله غفر له) (رواه ابن أبى شيبة، والمتقى الهندى، والطبرانى).
وزيادة على وجوب التمسك بأهل البيت يجب على كل مسلم أن يدين بحبهم ومودتهم، قال تعالى: ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾( ) ولا شك أنه تعالى لم يفرض حبهم ومودتهم إلا لأنهم أهل الحب والوفاء لطهارتهم من كل ما يبعد عن دار كرامته، وساحة رضاه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾( ).
وكما شد الكتاب الناس إلى الذهاب إلى إمامة العترة من أهل البيت شدت السنة كذلك فى قوله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى أهل بيتى ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) (أخرجه مسلم، وأحمد، والترمذى، والحاكم، والطبرانى).
وهذا الخطاب يقصد به جميع الأمة، كل جيل وكل عصر، فأمر المصلح الأكبر صلوات الله وسلامه عليه بالتمسك بالثقلين، وهما الكتاب والعترة، لأن بهما الهداية والرشد- عمر الدنيا- ما استمسكت بهما، فلا مناص أن يكون الكتاب خليفة لرسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾، غير أن مداركنا قاصرة عن الوصول إلى هذه الكلية الواسعة فى كتاب الله، فلابد أن يكون له قوم يعرفون مدى ما فيه ويعلمون ما حواه، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ..﴾( ).
ولو أهمل الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ الإشارة والإرشاد إلى الراسخين فى العلم وأصحاب التأويل لساغ أن يزعم كل ناطق بضلالة أنه الراسخ فى العلم وصاحب التأويل، فأبان صلوات الله عليه فى هذا الحديث أن عترته هم المقصودون بالثقل الثانى، فالأئمة من أهل البيت هم الكتاب الناطق الكاشفون عن أسرار الكتاب الصامت.
وهذا الحديث- كما أرشدنا بدلالته إلى أن الهدى بعد الرسول صلوات الله وسلامه عليه بخليفتيه الكتاب والعترة- أرشدنا إلى استمرار ذلك الهدى مادام الإنسان ومادام كتاب وعترة، فإن خالف المرء سيرهما اجتيازا، أو تخلف عنهما نكوصا اعتصاما برأيه أو اتباعا لغيره لم يكن من المستمسكين، بل كان من المنحرفين الزائغين.
وقد فسر الإمام الشافعى قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾( ) أن حبل الله هو الولاء لأئمة أهل البيت فى الأبيات الآتية:
ولما رأيت النـاس قــد ذهبت بهـم
ركبت علـى اسم الله فى سفن النجا
وأمسكت حبـل الله وهـو ولاؤهــم
إذا افتـرقت فى الدين سبعون فرقـة
ولـم بك ناج منهم غيــر فــرقة
أفـى الفرقـة الهــلاك آل محمـد؟
فـإن قلت فـى الناجين فالقول واحـد
إذا كان مـولى القــوم منهم فإننـى
رضيت عليا لــى إمامـا ونسلــه مذاهبهـم فى أبحـر الغـى والجهل
وهم أهل بيت المصطفى خاتـم الرسل
كما قد أمـرنا بالتمسـك بـالحبــل
ونيفـا على مـا جاء فى واضح النقل
فقل لى بها يا ذا الـرجاحة والعقـل
أم الفرقة اللاتى نجت منهمو؟ قل لى
وإن قلت فى الهلاك حفت عن العدل
رضيت بهم لازال فى ظلهـم ظلى
وأنت من الباقين فـى أوسـع الحل
ولعلك تسأل: لم ذكر الإمام أبو العزائم موضوع أضرحة الأنبياء والأولياء فى كتابه: (الفرقة الناجية)؟.
إن السبب فى ذلك يرجع إلى أن الفرقة الناجية هى التى تعتقد أن أضرحة الأنبياء والأولياء من الشعائر الإسلامية، وجامعات للتربية والسلوك، ولذلك فإن الدروس المستفادة من زيارة أضرحة هؤلاء المجاهدين هى الجهاد فى سبيل الكمال، فنجاهد أنفسنا ضد الهوى والجشع والطمع والحقد والحسد والطغيان والجبروت والبطش حينما نتمثل هؤلاء المجاهدين فى حياتهم، فنأخذ منهم العزيمة التى لا تقهر، والإرادة التى لا تغلب، والشجاعة التى لا نحسب أن شجاعة فى الدنيا تعلوها، وإليك نماذج من الدروس المستفادة من زيارة هؤلاء المجاهدين:
1- كتب الإمام الغزالى إلى ابن تشفين ملك المغرب فقال له:
(إما أن تحمل سيفك فى سبيل الله ونجدة إخوانك فى الأندلس، وإما أن تعتزل إمارة المسلمين حتى ينهض بحقهم سواك).
2- ويقول محى الدين بن عربى للملك الكامل حينما تخاذل فى قتال الصليبيين:
(إنك دنئ الهمة، والإسلام لن يعترف بأمثالك، فانهض للقتال أو نقاتلك كما نقاتلهم).
3- ويطغى المماليك فى أرض مصر، فيثور العز بن عبد السلام، ويأمر بالقبض على المماليك، ويعلن أنه قد اعتزم بيعهم فى سوق الرقيق لأنهم خانوا الأمانة.
4- ويقول عبد الملك بن مروان- الخليفة الأموى- لابن البيطار فى غطرسة الملك وغروره: (أنا عبد الملك، فارفع حوائجك إلىَّ، فيقول له فى عزة المؤمن وكبرياء الصوفى: وأنا أيضا عبد الملك، فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان).
5- ويقول الإمام الشعرانى: (من لبس جديدا، أو أكل هنيئا، أو ضحك فى نفسه، أو سعد فى بيته- والأمة الإسلامية فى كرب وشدة- فقد برئ منه الإسلام).
تلك هى المبادئ التى ندرسها، والتعاليم التى نسير على هديها عند زيارتنا لأضرحة الأئمة، وهى لاشك أنها صفوة مبادئ الإسلام وأسمى نواحيه.
فنحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنتذكر عندها أن هؤلاء مؤمنون، اضطلعوا بوقائع مجتمعاتهم، وحقائق الرسالة المحمدية، فحملوها وأدوا ما تحملوه عبر حياتهم، فنقتدى بهم، ونتأسى بجهادهم.
نحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنؤكد أن الذى لا يطلع على أحداث أمته، ولا يتحمل مسئوليات مجتمعه ولا يؤدى رسالته، ليشترى ثمنا قليلا من دينار أو ريال أو درهم ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ).
نحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنتعلم أن هؤلاء رأوا الانحرافات فى عالمنا الإسلامى على مر العصور والدهور، فلم يواجهوها بالخطب المنبرية فحسب، بل بتأجيج نار الثورة على تلك الانتكاسات والردات فى حياة الأمة الإسلامية، حتى إذا ما لقوا الله على ذلك كان موتهم رعبا لأقسى الجلادين قلبا، وإسهاما فى بلورة الوعى الثورى لهدم الطغيان، وهم يرتلون قول إمام المجاهدين الحسين :
(من لحق بى فقد استشهد، ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح).
نحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنسجل أن وحدانية الدينار والريال والدرهم وثنية مشركة، وأن هؤلاء المجاهدين عملوا على إزالتها لتحقيق (لا إله..) وأن العدالة والحرية والأمن والمساواة كلمات لا معنى لها إلا فى ظل (........ إلا الله) ليعيش الناس فى المجتمع الإسلامى كأسنان المشط بعضهم أولياء بعض.
نحن نزور مراقد الأولياء لنتعلم أن هؤلاء خافوا على الإسلام ولم يخافوا من الإسلام، لأن الخوف من الإسلام يفضى إلى الهرب الذى بدايته الضياع ونهايته العار، أما الخوف على الإسلام يحتم الدفاع عن الإسلام والهجوم على أعدائه.
نحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنقتدى بهم باعتبارهم شرعا محمديا، ولطفا إلهيا، لا مناص لمن ينشد الخير والسعادة إلا باتباع سيرتهم وعلومهم وجهادهم، إيمانا وعملا، مهما بلغ الثمن.
نحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنتأسى بهؤلاء الذين لم يتذوقوا من الحياة إلا مرارة ضياع القيم والموازين، فاقتحموا الساحة ليكونوا نماذج للمجاهدين، فنركل بأقدامنا حياة الذل والهوان. ونطبع على جبهة المجد غرة النصر، ونلبس إكليل الشهادة.
نحن نزور مراقد الأنبياء والأولياء لنقتدى بهؤلاء الذين أقدموا حين أحجم علماء الدنيا الجهلاء بالآخرة، وفرسان كهانة التكفير والتشريك، ولنتأسى بهؤلاء الذين أعطوا حيث يمتنع الأسخياء فى المواعظ المتشدقون بالسلفية، ولنتأسى بهؤلاء الذيـن جاهدوا فى سبيل الله فى الوقت الذى قال عبيد الدينار والريال والدرهم: ﴿...... إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾( ).
إن سر عظمة هؤلاء أن أرواحهم حملت قيمهم التى آمنوا بها، وضحوا من أجلها، فكان حقا على تلك القيم أن تحمل أرواحهم إلى آفاقها الرحبة، لتبقى الأرواح متألقة، تطل من سماواتها على زائريها من عشاق الجهاد.
يقول السيد أحمد ماضى أبو العزائم : إنى لما رأيت تعدد الفرق الإسلامية - وخاصة فى زماننا هذا- وأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه تنبأ بوجود هذه الفرق فقال: (ليأتين على أمتى ما أتى على بنى إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفرق أمتى على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم فى النار إلا ملة واحدة، قالوا: يا رسول الله من الملة الواحدة التى لا تنقلب؟ قال: ما أنا عليه وأصحابى) (أخرجه الترمذى، والسيوطى فى الجامع الصغير).
لذلك التمست من والدى الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم أن يكتب لنا فى الفرقة الناجية، فأملى هذا الكتاب، بين فيه أنس وتخلق أهل الفرقة الناجية، ولم يزور أهل الفرقة الناجية قبور أولياء الله الصالحين؟ كما بين صفات أهل الفرقة الناجية عامة بأنهم هم الذين باعوا أنفسهم وأموالهم بجنته، فى قوله تعالى فى سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾( ).
ونسأل: إن الله خالق الأنفس، ورازق الأموال، فكيف يشترى المالك ما هو ملك له؟! الجواب: ليس هذا بالشراء المعروف، وإنما حث وترغيب فى الطاعة، وعبر سبحانه عنه بالشراء لأمرين:
الأمر الأول: أن يثق المطيع بالجزاء والثواب على طاعته، تماما كما يثق البائع باستحقاقه الثمن بدلا عن سلعته.
والأمر الثانى: التنبيه إلى أن الإيمان ليس مجرد كلمات تمضغها الأفواه، وصور تمر بالأذهان، وعاطفة تحس بالقلوب، إنما هو بذل وتضحية بالنفس والمال رغبة فى ثواب الله الذى هو أغلى وأبقى، تماما كما يتنازل البائع عن ملكه مختارا طمعا فى الثمن الذى يراه أنفع وأجدى.
ثم حدد أهل الفرقة الناجية بأنهم ﴿التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾.
وقد تناول هذا الكتاب أربعة أبواب هى:
- الباب الأول: فى أنس وتخلق أهل الفرقة الناجية، ولم يزورون روضات أولياء الله الصالحين.
- الباب الثانى: فى صفات أهل الفرقة الناجية: التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله.
- الباب الثالث: فى آداب أهل الفرقة الناجية فى شبابهم، ومساجدهم، وخلواتهم، وسفرهم، ومجالسهم، ومع العمال، والأرحام، والوالدين، والزوجة.
- الباب الرابع: فى أخلاق أهل الفرقة الناجية، التى استمدوها من أخلاق الله تعالى، وأخلاق رسوله الكريم وآله.