If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان فخر الدين محبّا للبناء والعمران، كما كانت ظروف حياته العسكرية تفرض عليه الاهتمام بإقامة الحصون والأبراج، وتحسينها وتطوير هندستها، فلمّا سافر إلى إيطاليا ورأى القصور الجميلة والقلاع المنيعة والحدائق المنسقة، ازداد اهتمامه بالناحية العمرانية، ورغب في تطويرها في بلاده لتخدم مصلحته العسكرية زمن الحرب، وليُمتع نفسه بجمال القصور والحدائق زمن السلم والاستقرار. وقد عهد فخر الدين إلى الخبراء والمهندسين الإيطاليين الذين جاء بهم من توسكانا بمهمة تصميم مشاريعه العمرانية وتنفيذها. من أهم المشروعات التي نفذها المهندسون الطليان، عدد من الجسور كانت ضرورية لتنقل الناس والجيوش بين المناطق، وفي مقدمتها جسر على نهر الأولي قرب صيدا، وكان مؤلفا من عقد واحد، والقناطر التي أعيد بناؤها على جسر نهر الكلب، وترميم جسر نهر بيروت، وسبيل الماء الذي أقامه فخر الدين في صيدا تخليدا لذكرى زوجته ابنة الأمير علي سيفا، التي ماتت في ربيع شبابها، وقد كثر حديث الرحالين عنه لما فيه من فن وجمال. وكان لإقامة سُبل المياه أهمية خاصة في المدن، لأن مياه الشرب لم تكن تصل إلى البيوت.
بنى الأمير قصرا له في دير القمر، ما تزال آثاره باقية حتى اليوم، وشاد للأمراء المعنيين قصورا في صيدا، وأنشأ الخانات في المدن، وعلى الطرق الطويلة، لكي ينزل فيها التجار الأجانب والمسافرون. وكان من أهم هذه الخانات خان الإفرنج في صيدا وهو اليوم مقر دار اليتيمات التابعة لراهبات مار يوسف. وكانت الحمامات العامة ضرورة صحيّة في العصور الماضية. وقد اهتم الأمير فخر الدين بإنشاء عدد منها، وأهمها "الحمام البرّاني" المعروف اليوم "بحمام المير" في صيدا. زيّن فخر الدين مدينة بيروت وابتنى فيها الأبراج والقصور، وكان قصره فيها درّة هذه المنشآت العمرانية. وقد تولى هندسته وبناءه عدد من المهندسين الطليان على الطراز الإيطالي. ضمّ هذا القصر عددا من الأجنحة منها: جناح للنساء، وآخر للموظفين، وثالث للحرس، وجُرّت إليه المياه، وأنشئت حوله الحدائق الواسعة التي غُرست فيها أشجار البرتقال وغيره من الفاكهة. وكانت المياه تجري في أقنية بين مربعات الزهور المتعددة الألوان، وتتوسط الحدائق بركة ماء جميلة، وحولها عدد من تماثيل الحيوانات المنحوتة من الرخام أو المصبوبة من النحاس. وفي جانب من هذه الحدائق، كانت حديقة الحيوان التي ضمت أصناف الوحوش من أسود ونمور وذئاب. وقد وصف السيّاح قصر فخر الدين بأنه من عجائب الشرق. وكان يرتفع في إحدى زوايا القصر برج عال يزيد ارتفاعه على عشرين مترا، وكان الأمير يُشرف منه على ميناء بيروت وضواحيها. وإلى هذا البرج تنسب "ساحة البرج" التي أصبحت اليوم "ساحة الشهداء" أو "ساحة الحرية". وكان قصر فخر الدين يقوم في الجهة الشمالية الغربية منها. لكن الأثر الأهم للأمير يبقى غابة الصنوبر التي زرعها لحماية المزروعات والحدائق من زحف الرمال البحرية عند شواطئ بيروت الجنوبية، حيث كانت الرياح تلفظ سنويّا تلالا رملية من الصحراء الليبية، وكانت الوسيلة الوحيدة لردعها هي عن طريق زرع الأشجار.
انتشرت في عهد فخر الدين البيوت ذات السطوح القرميدية الحمراء، وواجهات المنازل الزجاجية، المؤلفة من ثلاث قناطر، والمرتكزة على أعمدة رشيقة من الرخام، والتي تسمح للنور والشمس بأن يدخلا إلى داخل المسكن. وانتشر هذا الطراز في بناء المنازل واستمر بعد عهد فخر الدين في مدن الساحل وقرى الجبل. وما زالت المساكن القديمة الموجودة اليوم تُحافظ على هذا الطابع.