الغياب إذا كانت المرايا هي لصوص الوجوه، فإن الغياب هو سارق الفرح من القلوب لأنه يجعل الروح تحلق وحيدة على أطراف حلم لا ملامح له، بعيداً عن مرافئ الحنان والأمان.
في الغياب تقرأ جرحك بتأني وعمق وتشعر أنك بحاجة إلى أن تعيد اكتشاف نفسك من جديد؛ وترتيب أوراق روحك المبعثرة، وربما أيضاً اكتشاف الوجه الآخر الحقيقي لمن تحب، وربما أيضاً الوجه الآخر للغياب، حينما تشعر أنّ في صدرك أماني ذبحها الغياب.
وفي الغياب يجتاحنا سؤال مخيف: ما قيمة الحب إذا ضاع العمر في الانتظار؟ ولماذا يباغتنا الغياب دوماً من باب كان مهيأ للحضور.
إنّ الغياب هو أعظم قوة لمن نحب، لأنّه يصبغ عليه صفات الجمال والكمال، وكأنّه كائن خرافي وأسطوري، فنتوهم في غيابه أن لديه تلك المقدرة على تغيير كل الأشياء والأحاسيس بمجرد حضورهم.
في الغياب نرى من نحب بصورة أوضح ونحس بمدى أثرهم وتأثيرهم بشكل أدق، ففي الغياب تكبر محبتنا لهم وتصغر محبتنا لأنفسنا.
في الغياب نقرأ دفاتر الذكريات لوحدنا ونزينها بألوان الحنين الزاهية ونرسم على السطور بعضاً من علامات الاستفهام والتعجب والفواصل، ونتردد ونحن نضع نقطة في آخر السطر، لأننا نخشى أن تكون هذه النقطة الأخيرة هي نقطة الوداع والفراق الأخير.
في الغياب تتسع خارطة الشوق في جغرافية الروح؛ وتضيق مساحة العتاب والخصام، لأننا نعرف جيداً طعم بكاء الأشياء التي يخلفها الغياب، ونرى كيف أن الحزن فيه يصفد أبواب الحلم.
والغياب أحياناً يكون جمرة يتقد بها الحب، وأحياناً يكون فرصة لأن يهدأ هذا الجمر المشتعل ثم ينطفئ ويترمد، ليصبح مع الزمن مجرد ذكرى لحب كان مهيأ أن يكون نار تضيء القلب وتشعل شموع الوجد.
في الغياب نكون دائماً مع الآخرين لكننا نشعر بأننا وحدنا بصحبة حزننا وجرحنا، كما أنّ الأشجار تموت ولكن واقفة، فإنّ بعض مشاعر الحب تموت في الغياب ولكن بكبرياء.
في الغياب نكتشف أحياناً أنه لم يتغير شيء سوى أننا لم نعد نحس بشيء ولم تعد لدينا القدرة على الاستمتاع بأي شيء، حتى السفر الذي نحبه نراه رحلة جديدة في درب الغربة والاغتراب .
في الغياب يبقى القلب مشرعاً، بيارق من خوف وأمل ورجاء، تنتظر من يأتي وربما لا يأتي.
في الغياب نرى دوماً الشوق والحنين وجهين لعملة واحدة، الشوق لما هو آتي، والحنين لما مضى، وكلاهما طعمه شديد المرارة والحموضة والملوحة.
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.