If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قبع السُلطان بايزيد في إسلامبول نحو ست سنواتٍ دون أن يخرج منها في أي حملةٍ عسكريَّة، وقد استثمر تلك الفترة في إبرام المُعاهدات الدبلوماسيَّة مع الدُول الأوروپيَّة كما أُسلف. والغزوات الوحيدة التي وقعت خِلال هذه الفترة كانت تلك التي قام بها أمير سنجق البوسنة يعقوب بك الخادم، بِإذنٍ من السُلطان، على الكروات والمجر. ذلك أنَّ أحد الأُمراء الكرواتيين، المُسمَّى بالتُركيَّة «كيرقالي»، خلع طاعة السُلطان وأغار على بعض البلاد العُثمانيَّة الحُدوديَّة، وأعانه في ذلك ملك المجر الجديد ڤلاديسلاڤ الثاني، الذي هو ابن كازيمير الرابع ملك بولونيا، فأرسل إليه أحد أبرز قادته من عشيرة «ديرينجين» النبيلة (بالمجرية: Derencsényi)، وهو الذي سُمِّي بِالتُركيَّة «درنجيل» واسمه الفعلي «أمريك الديرينجيني» (بالمجرية: Imre Derencsényi)، فأغار وعاث في المناطق الحُدُوديَّة مع حليفه المذكور. فحمل يعقوب بك على الإمارات الكرواتيَّة التابعة لِمملكة المجر، ونازل أولًا حصن يايجة، لكنَّهُ لم يقدر على افتتاحه، فتوجَّه ناحية الشمال الغربي وأغار على إقليميّ كارنيولة وجسار، وترك جُنُوده ينهبون ويغنمون من تلك البلاد الشيء الكثير. ثُمَّ سار فدخل بلاد «قرقات» ونهبها وخربها نحو خمسة عشر يومًا، ثُمَّ توجَّه إلى إمارة بني ديرينجين ونهبها وأحرقها وجعل قُراها وقصباتها قاعًا صفصفًا، فثارت ثائرة القائد المجري، وتوجَّه مُسرعًا إلى قتال يعقوب بك، بعد أن جمع جيشًا قوامه 3,000 فارس و8,000 راجل، بما فيهم عساكر وفلَّاحين، من مُختلف الإمارات الكرواتيَّة، والتقى الجمعان في موضعٍ سهليٍّ يُقال لهُ «قرابوة» أو «قرابو» (بالكرواتية: Krbava) يوم 28 ذي القعدة 898هـ المُوافق فيه 9 أيلول (سپتمبر) 1493م، حيثُ دارت رحى معركةٍ طاحنة انتصر فيها العُثمانيُّون انتصارًا ساحقًا، ووقع أمريك الديرينجيني في الأسر، فأُرسل إلى السُلطان الذي أمر بِحبسه في قلعة أفيون قره حصار، وبقي فيها حتَّى مات. ويبدو أنَّ هذه الهزيمة لِلمجريين، المُرتبطة مملكتهم بِرابط الدم مع مملكة بولونيا، حيثُ أنَّ يُوحَّنا ألبرت الملك الجديد لِبولونيا وڤلاديسلاڤ الثاني هُما شقيقان، أثارت الملك الأوَّل وجعلتهُ يُضاعف من تحرُّشاته بِبلاد البُغدان التابعة لِلدولة العُثمانيَّة، دون أن يُخفف ذلك من غايته الأساسيَّة وهي السيطرة على مينائيّ كيلية وآق كرمان الذين أخذهما العُثمانيُّون قبل عدَّة سنوات.
وفي شهر جُمادى الآخرة 899هـ المُوافق لِشهر نيسان (أبريل) 1494م، دعا ڤلاديسلاڤ الثاني أشقاؤه الأربعة، بما فيهم يُوحنَّا ألبرت وسيگيسموند، إلى الاجتماع في مدينة لوچة، حيثُ قرَّروا القيام بِحملةٍ صليبيَّةٍ ضدَّ العُثمانيين. ورأى يُوحنَّا ألبرت أنَّ الأنسب هو توطيد السيادة البولونيَّة على البُغدان أولًا، واستخلاص مينائيّ كيلية وآق كرمان، وإزاحة الأمير أسطفان بن بُغدان عن عرشه، كونه هادن العُثمانيين ولم يعد يُؤتمن له، وتنصيب سيگيسموند بدلًا منه، ثُمَّ الانطلاق نحو الأراضي العُثمانيَّة نفسها. وفي سنة 903هـ المُوافقة لِسنة 1497م، أغار يُوحنَّا ألبرت على بعض البلاد الإسلاميَّة في البُغدان وأرسل إلى الأمير أسطفان بن بُغدان يحُثُّه على خلع طاعة السُلطان بايزيد والانضمام إليه. لكنَّ أسطفان، الذي كان خبر وجرَّب كُلٌ من العُثمانيين والبولونيين في الحرب والسياسة عدَّة مرَّات، عَلِمَ عاقبة عصيانه فيما لو أطاع الملك البولوني، كما استشعر منه الغدر والخيانة؛ فأظهر المُوافقة، وأبطن خِلافها، فأرسل إلى العتبة السُلطانيَّة يعرض الحال، وطلب أن يُرسل إليه أحدٌ من أُمراء السناجق في عسكره بِأسرع وقت، فأرسل إليه السُلطان أحد الأُمراء في نحو ستمائة فارس، فجعملهم يكمنون في إحدى المواضع، وألبس أربعة آلاف رجُل من جُنده لباس العُثمانيين وجعلهم يكمنون أيضًا في موضعٍ قريبٍ من المُسلمين. وفي ذلك الوقت كان يُوحَّنا ألبرت قد نزل في حُدُود البُغدان، بِمنطقة بوكوڤينة، في نحو ثمانين ألف مُقاتل، فسار إليه الأمير أسطفان وأخبرهُ بِأنَّ طليعة الجيش العُثماني قد دخلوا بلاده وكمنوا في عدَّة مواضع، وفي عقبهم جُنُودٌ لا تُعد ولا تُحصى، ونصحهُ بِأن يُرسل معهُ عدَّة آلاف من نُخبة جيشه حتَّى يكبس طليعة العُثمانيين معهم، فأرسل معهُ ستَّة آلاف من شُجعان عسكره، فسار معهم الأمير البُغداني وجرَّهم إلى كمين المُسلمين، فخرج عليهم المُسلمون أولًا ثُمَّ البُغدانيُّون المُتنكرون، وأمعنوا فيهم تقتيلًا حتَّى قُضي على أغلبهم، وتفرَّق الباقون في الجبال. بعد ذلك سار الجيش العُثماني حتَّى وصل بوكوڤينة حيثُ مُعسكر الملك البولوني، ففرَّ من أمامهم وترك جميع أثقاله في مكانها، ولم يستقر إلَّا في وسط بلاده، فغنم المُسلمون منه عشرين ألف عربة مملوءة بِالأموال والأمتعة والآلات، وأرسل الأمير أسطفان أغلبها مع الأسرى إلى العتبة السُلطانيَّة، فسُرَّ السُلطان بِما رآه من موقف وفعل الأمير المذكور، فأرسل إليه خُلعًا فاخرة وأسكوفة مطليَّة.
وبعد ثلاثة أشهر من الحملة الأولى، أمر السُلطان أمير سنجق سيلسترة «بالي بك بن مالقوج» بِأن يجمع من يُريد من عساكر الروملِّي ويسير فيهم إلى بلاد بولونيا لِلإغارة عليها وتخريبها، لِلحيلولة دون تعدِّي الملك يُوحنَّا مُجددًا، فجمع بالي بك نحو أربعين ألف مُقاتل من الآقنجيَّة وسار فيهم إلى البُغدان حيثُ استقبله الأمير أسطفان ودلَّهُ على أسهل الطُرق، فسار بالي بك حتَّى دخل بولونيا مع جُنُوده، وتابع زحفه حتَّى وسطها، فعاث وأحرق وسبى وغنم، ولم تسلم من يديه أهم المُدن البولونيَّة، بما فيها العاصمة قراقوه (كراكوڤ)، التي دمَّرها وخرَّبها، ثُمَّ تابع سيره شمالًا مُنزلًا العقاب نفسه بِكُلٍ من: لوبلين ورادوم وياروسلاڤ ولڤيڤ، ووصل في صُعُوده حتَّى مسافة 220 كيلومتر عن بحر البلطيق، فغنم العُثمانيُّون ما لا يُعد ولا يُحصى، وأسروا خلقًا كثيرًا بحيثُ تعسَّر عليهم النقل والارتحال بِكثرة الغنائم والأثقال، فرأى بالي بك أن يعود بِجيشه قبل أن يستجمع الملك البولوني قُوَّته ويُعيد تنظيم جُيُوشه، فارتدَّ جنوبًا مُقاتلًا كُل من وقف في دربه حتَّى وصل ثغريّ آق كرمان وكيلية، فأرسل خُمس الغنائم إلى عتبة السُلطان، ووزَّع الباقي على الجُنُود وأذن لهم في الرُجُوع إلى بلادهم. وفي تلك الأثناء كان أسطفان نفسه يُغيرُ مع جُنُوده على بلادٍ أُخرى تابعة لِمملكة بولونيا مثل ياڤوروڤ وپرزميسل، فأمعن فيها سلبًا وقتلًا حتَّى أُنهكت بولونيا وجُنُودها من كثافة الغارات وعُنفها، ولم يعد بإمكان ملكها المضي قُدمًا في مُخططه. وتنص بعض المصادر أنَّ أسطفان قام بِغاراته سالِفة الذِكر من تلقاء نفسه، مُستغلًّا انشغال البولونيين بِالعُثمانيين، لِينتقم من يُوحنَّا ألبرت لِما أضمره تجاهه من الشر. وبحسب مصادر أُخرى فإنَّ حملة الأمير البُغداني كانت جُزءًا من الحملة العُثمانيَّة العامَّة، وبِتوجيهٍ من بالي بك بن مالقوج، الذي زوَّد أسطفان بِجُنُودٍ عُثمانيين، والتحق بهم أيضًا بعض التتر القرميين.