If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كلُّ ما في الكون، كما أشرنا، واعٍ؛ أي أنه مزود بوعي من نوعه وعلى مستواه الخاص من التفتُّح. فلا ننسينَّ، نحن البشر، أننا، وإن لم يكن بمقدورنا بعد أن نبصر إرهاصات الوعي في الحجر مثلاً، لا يحق لنا – ولا يليق بنا – أن نقول إن الحجر خلو من الوعي. فكما أنه ليس في الكون ثمة قانون "أعمى" أو "غير واعٍ"، كذلك ليس فيه مادة "ميتة" أو "صمَّاء"؛ فهذه كلمات لا مكان لها في قاموس الفلسفة الباطنية التي لا تكتفي بمظاهر السطح الخارجي لأن الماهيَّات النومينية أشد واقعية، في نظرها، من نظيراتها الجواهر الفينومينية.
إن نظام الطبيعة بأسره يتكشَّف عن مسيرة متدرِّجة نحو حياة أرقى. فهناك خطة مُحكمة تبطِّن فعل ما يبدو لنا في الظاهر قوى عمياء؛ وما سيرورة التطور كلُّها، في كلِّ مآتيها، إلا برهان على وجود عقل كوني مدبِّر يفعل بواسطة نواميس سرمدية لا تُخرَق.
يتجلَّى الكون دوريًّا في سبيل غايات تتعلق بالتقدم الجماعي الكلِّي لحيوات فردية لا حصر لها – هي أنفاس من الحياة الواحدة وشرارات من النار الكلِّية – كي تتمكن كلُّ ذرة من ذرات هذا الكون اللانهائي، عبر الصيرورة الأبدية، من الصعود مجددًا مع كلِّ "فترة عالمية" جديدة، مارة من اللاشكلاني وغير المحسوس، عبر الطبائع المتمازجة لنصف الأرضي، نزولاً حتى المادة في تشكُّلها التام، ثم عائدة من جديد إلى المصدر الذي أتت منه. والآخذون بالتقمُّص وكرما، ناموسه التوأم، يدركون – وإنْ إدراكًا مبهمًا – أن سرَّ الحياة كلَّه قائم في السلسلة غير المنقطعة لتجلِّياتها، إنْ في الأجسام أو بمعزل عنها. وتعلِّمنا العقيدة السرية وحدة كلِّ النفوس مع النفس الكلِّية، ورحلة الحج الإلزامية لكلِّ نفس، عبر دورات التجسُّد، بما يتوافق مع القانون الدوري والكَرْمي؛ وبعبارة أخرى، ما من نفس يمكن أن يكون لها وجودٌ مستقل واعٍ قبل أن يكون بمقدور الشرارة الصادرة عن النفس الكلية
فالعقيدة المحورية للفلسفة الباطنية، كما تقول السيدة بلافاتسكي في العقيدة السرية، لا تُجيز منحَ الإنسان امتيازاتٍ أو مواهب مجَّانية، إلا ما حاز عليه منها بجهوده واستحقاقاته طوال سلسلة طويلة من التقمصات. تعلِّمنا هذه العقيدة أن على العقول الأولى، حتى تصير "آلهة" كلِّية الوعي، إذا جاز التعبير، أن تمر بالمرحلة البشرية(15)؛ ذلك أن على كلِّ كيان أن يفوز بحق الألوهية بنفسه عبر خبرته الذاتية.
ما من عالِم بالغيبيات إلا ويؤكد أن الإنسان، في تشكُّله الجسماني، هو، بما لا يقل عن أيِّ كائن أرضي آخر، أبسط نتاج للقوى التطورية الطبيعية عبر سلسلة من التحولات لا حصر لها؛ لكنه يطرح المسألة طرحًا يختلف عن طرح العالِم الوضعي لها، من حيث إنه يعلم أن العنصرانيات elementals نصف العاقلة وغير العاقلة الدنيا ستصير يومًا في عِداد البشر. وما امتياز العاقلة البشرية بالفطنة إلا برهان عالِم الغيب أن الإنسان حصَّل المعرفة والفطنة عبر الدورة البشرية. ليس في الكون إلا علم مطلق واحد بكلِّ شيء وعقل مطلق واحد، لا يتجزأ، يسطع في كلِّ ذرة أو نقطة لا متناهية الصغر من نقاط الكون، يدعوه الناس فراغًا باعتباره بمعزل عن كلِّ ما يحتوي. قد يكون هذا سرًّا مستعصيًا على فهم "البرَّاني"، لكنه في الواقع حقيقة اختبارية في الفلسفة الباطنية.
بذا يتضح لنا وجود خطة تطورية مثلَّثة، أو بالأحرى ثلاث خطط متمايزة للتطور في الطبيعة، لكنها متداخلة في منظومتنا ومتمازجة تمازجًا مُحكمًا في كلِّ نقطة من نقاط الفراغ، ألا وهي:
وهذه التيارات الثلاثة إنما هي المظاهر أو الانعكاسات للحقِّ الواحد غير المحدود بحيث:
وينهض هذا الجسم الأخير بدور مركبة أو وعاء للنمو، إذا جاز التعبير، وكذلك بالتحول بواسطة الذهن (مَنَس manas)، بفضل تراكم الخبرات، من المنتهي إلى اللامنتهي، من العَرَض إلى الجوهر، من الفاني إلى الأبدي. ولكلِّ منظومة من هذه المنظومات ناموسُها؛ وكلٌّ منها ممثَّل في تكوين الإنسان – وهو الكون الصغير الذي يلخِّص الكون الكبير كما أسلفنا؛ وإن اجتماع هذه التيارات التطورية الثلاثة الكبرى فيه هو ما يجعله على ما هو عليه من تعقيد وإبداع صنعة.
ليس للطبيعة أو القدرة التطورية الجسمانية أن تتمخض وحدها عن الذهن بغير مساعدة؛ فهي، بمفردها، لا تستطيع أن تبدع إلا أشكالاً. لذا فإن العقول الإلهية هي التي تملأ الفجوة، ممثِّلة القوة التطورية للفطنة والعقل وصلة الوصل بين "الروح" و"المادة". ففي أثناء طفولة الذُرِّية البشرية الأولى،(16) في بدء الدور البشري الحالي، تشكَّلتْ مركبةٌ مهيأة وتامة لتجسُّد أهالي الأفلاك العليا ممَّن اتخذوا تلك الأشكال، المولودة من المشيئة الروحية والقدرة الإلهية الطبيعية في الإنسان، مساكنَ لهم.
في البدايات الأولى لوجود الإنسان على كوكب الأرض كان الذهن النفساني والجسماني هاجعًا، وكان الوعي ما يزال غافيًا وغير نامٍ، وكانت التصورات الروحية – بالتالي – غير متصلة بالمحيط المادي، من حيث إن الإنسان الإلهي كان مقيمًا في صورته الحيوانية (وإن كانت تبدو بشرية من الخارج)؛ ومع أن هذا الإنسان كان يتَّصف بالغرائز لم يكن أيُّ وعيٍ للذات ينير الظلمة التي كانت تكتنف وجوده. وحين نفخ فيه أربابُ العقل، امتثالاً لقانون التطور، شرارة العقل، كان أول شعور استيقظ فيه إحساسًا فطريًّا بالتواحد مع "خالقيه" الروحيين؛ وكأول إحساس ينتاب الطفل نحو أمه ومرضعته كذلك كان أول أشواق الوعي المستيقظ لدى الإنسان البدائي نحو الذين كان يشعر بعنصرهم ينمو فيه – على كونهم خارجه.(17)
تعتبر الثيوصوفيا الإنسانيةَ صدورًا وفيضًا عن حالة من "الألوهية" في طريقه إلى العودة إلى المبدأ الذي صدر عنه. وفي شوط متقدم جدًّا من درب التفتح الإنساني الطويل يبلغ المرء مرتبة النطاسة Adeptship التي لا يرقى إليها إلا من نَذَرَ عدة أعمار متوالية لبلوغها.(18) وقد يكون عدد الرجال والنساء ممَّن باشروا، منذ عدة أعمار سابقة، النهوض بهذا العمل الصعب، الرامي إلى تحقيق الإشراق الروحي الأسمى، عددًا لا يستهان به؛ غير أنهم ما يزالون، من جراء أوهام حياتهم الراهنة، إما جاهلين بذلك أو في سبيلهم إلى تفويت كلِّ فرصة متاحة لهم في حياتهم هذه لإحراز بعض التقدم. فهم يشعرون بانجذاب لا يعانَد إلى علم الباطن والسرَّانية وإلى الحياة العَلَيانية، لكنهم من التمركز حول شخصياتهم ومن التعلق بالحياة الدنيوية، بزيفها وأوهامها وملذَّاتها الزائلة، بحيث يقفون عاجزين عن الزهد والفقر الروحيين،(19) وبذلك يضيعون على أنفسهم كلَّ فرصة في هذه الحياة للتحول إلى حياة أجمل وأعمق. بيد أن الموناد في كلِّ كائن بشري هي، بحدِّ ذاتها، فردية روحية، واحدة، بما هي كذلك، مع الروح الكلِّية، وعليها معقد كلِّ رجاء في الخلاص والانعتاق.(20)
هذا وإن القلب الإنساني لم يفصح بعد عن مكنوناته كلَّ الإفصاح، ومازلنا بعيدين كلَّ البعد عن بلوغ أو حتى استشفاف مدى قدراته. أفكثير علينا – والحالة هذه – أن نؤمن بأن في مكنة الإنسان أن ينمِّي في نفسه إمكانات جديدة ويعقد علائق أوثق وأنبل مع الطبيعة والكون – علائق قائمة فعلاً، لكنه لا يلقي إليها بالاً؟ إن في جعبة منطق التطور الكثير الكثير مما يمكن، لا بل يجب أن نتعلَّمه، على أن نتابعه حتى تخومه القصوى. وعندئذٍ لا بدَّ لنا أن نعرف، كشفًا وإلهامًا، أن ثمة، عند نقطة معينة من الدرب الصاعد، من المعدني والنباتي حتى أنبل البشر، حيث تتفتح نفس موهوبة بالخصائص الذهنية، ملكةً إدراكية عليا، يمثِّلها القلب، تستيقظ في الإنسان وتمكِّنه من اكتناه أسرار حقائق تتخطى مدى إدراكنا العادي.
يبقى أن الإحجام عن قبول أن في منظومتنا الشمسية كائنات سوانا، عاقلة وقادرة على التفكير على المرتبة الإنسانية، هو من قبيل العناد المحض. فما لأحد أن ينكر سلفًا (وخصوصًا أن معطيات العلم الحديث باتت تؤيِّد ذلك) إمكان وجود عوالم ضمن عوالم في شروط مختلفة عن الشروط التي تكوِّن طبيعة عالمنا؛ وما لأحد أن ينكر علينا إمكان قيام اتصال بين هذه العوالم وعالمنا الأدنى.