If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في يناير 1906، اشتكى السلطان للسفير البريطاني بالأستانة من التعديات المصرية على الأراضي التركية. فردّ الخديوي المصري بطلب ترسيم الحدود بين الدولتين، إلا أن الدولة العثمانية رفضت الطلب. تلا ذلك أن توجهت قوة مصرية صغيرة لاحتلال طابا، الميناء المجاور للعقبة على الجانب الغربي للخليج. وقبل أن تصل تلك القوة إلى طابا، استولى القائد التركي للعقبة على طابا. تلا ذلك فترة توتر عالي، وقام الأتراك بإزالة علامات الحدود في رفح وأرسلوا تعزيزات قوية إلى الحدود. فتدخلت الحكومة البريطانية نيابة عن الخديوي وبذلك ضغوطاً على الدولة العثمانية لتأكيد أن الحدود بين الدولتين هي الخط الواصل بين رفح والعقبة.
اعترض قائد منطقة العقبة على تواجد الكولونيل براملي وجنوده، ورفض السماح لهم بإقامة معسكر لهم، باعتبار أن المرشرش ونقب العقبة منطقة تابعة لادارة الحكومة السنية مباشرة. أذعن مفتش سيناء لرفض قائد العقبة التركي رشدي باشا، واضطر إلى الرجوع. وفور عودة براملي من سيناء وضع تقريراً بما حدث ولتفادي مزيداً من الشكوك من جانب السلطان التركي، فقد تقدمت الحكومة المصرية في تلك الأثناء بطلب إلى السلطان بتعيين لجنة من الأتراك والمصريين لتحديد التخوم بين سيناء والشام ولكن لم يحرك السلطان ساكناً.
فقد أرادت الإدارة العثمانية إثارة مسألة سيناء وخليج العقبة مرة أخرى في عام 1906، وأرادت توظيف أدواتها المتعددة ومنها استثمار الصدى الكبير والرواج الممتد عبر العالم الإسلامي بسبب الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وذلك يمثل دعماً عاماً إسلامياً ضخماً يعضد من قوة وهيبة الدولة العثمانية، ويثبت قدرتها على استمرارها، ويثبت وضعها في الهيكل الدولي. وكذلك كان الرأي العام المصرية مهياً لخطوة قوية ضد الاحتلال البريطاني. واستطاعت جريدة اللواء إثارة مسألة سيناء بزعم أنها تعد لأعمال حربية مهمة. وتحذر المقالات من مغزى إرسال كولونيل بريطاني وتعيينه مفتشاً على شبه جزيرة سيناء، وتخصيص مبالغ ضخمة لإصلاحها. وغالت جريدة اللواء التي تمثل تياراً فكرياً وطنياً مؤيداً للدولة العثمانية، في أهداف ومقاصد وخطورة وجود سلطات الاحتالال البريطاني في شبه جزيرة سيناء، وصورت أن الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال ينويان اتباع سياسة تغلغلية في سيناء، ولديهم النية على اتخاذ سيناء كقاعدة للتدخل في الحجاز في المستقبل خاصة في أمور خط حديد الحجاز الذي وصل إلى معان، وعلى بعد 100 كيلو متر من العقبة، كما نشرت بعض الصحف أن الحكومة المصرية تنوي بناء تحصينات لها أهداف عدائية.
تلك المقالات لاقت رواجاً شدياً في القاهرة واستنبول، وهو ما يمثل جبهة مساندة عريضة للدولة التركية لإثارة مسألة سيناء وخليج العقبة.
كما عضد الوالي العثماني على سوريا الدولة العثمانية في شكوكها وموقفها من إثارة مسألة سيناء وخليج العقبة، حيث كتب إلى استنبول بأن الحكومة المصرية قررت بناء ثكنات عسكرية في المنطقة فيما بين العقبة والقصيمة، وأضافت أن قوات الاحتلال البريطاني سوف تشارك في بناء تلك الثكنات.
في حقيقة الأمر فإن الدولة العثمانية كانت ترمي إلى عدة أهداف نذكر منها:
لم يستجب السلطان العثماني عبد الحميد لطلب الحكومة المصرية التي تقدمت بطلب تعيين لجنة مشتركة من المصريين والأتراك لتجديد التخوم بين شبه جزيرة سيناء والممتلكات العثمانية في الحجاز والشام، وإنما تجاهل الطلب المصري.
كان الرد العثماني:
اعتبرت الحكومة المصرية عدم رد السلطان على الاقتراح المصري رفضاً له، بينما اعتبرت سلطة الاحتلال البريطاني الرد العملي الذي أقدمت عليه تركيا يعني أن الدولة العثمانية معادية لفكرة تعيين حدود باعتبار أنه ليس هناك مشكلة حدود وإنما عدوان على الأراضي العثمانية. إضافة إلى ذلك وهو حيث إن مصر ولاية عثمانية فلا يمكن أن يوجد بينها وبين بقية الولايات الخاضة للادارة التركية مباشرة حدود وتخوم.
كان الرد العسكري العثماني، بمثابة إبطال تحركات براملي، ومنعه من ممارسة حق مصر في فرض السيطرة على أراضيها، وأن احتلال طابا والقصيمة ومشاش الكنتلا، هو من قبيل العمل العدواني ضد مصر وسيادتها على أراضيها ومن قبيل فرض أمر واقع على مناطق مهمة ذات قيمة استراتيجية حاكمة لسيناء.
لذلك رأت السلطات البريطانية في القاهرة نتيجة لعدم موافقة الحكومة التركية على تعيين الحدود، فإنه من الضروري تأمين المراكز المصرية على هذه الحدود. وتقرر إرسال قوة مصرية من خمسين رجلاً وعلى رأسهم ضابط مصري وهو سعد بك رفعت لمقابلة براملي على الحدود قرب العقبة لاحتلال طابا. كذلك صدرت الاوامر إلى المستر براملي لاحتلال نقب العقبة والقطار، وهما نقطتان مهمتان تتحكمان في الجبل الذي يمر خلاله الطريق من الساحل إلى داخل هضبة سيناء.
تقدمت القوة المصرية نحو طابا في سفينة خفر السواحل المصرية "نور البحر"، ولكنها لم تستطع تنفيذ مهمتها حيث أن القوات التركية قد انتشرت على التلال التي تطل على طابا من الشرق، ورفض القائد التركي السماح لهم بالنزول إلى الشاطئ باعتبار أن طابا في حد العقبة وجزء منها، وأصر على المقاومة في حال إنزال القوة العسكرية المصرية طبقاً وتنفيذاً للأوامر العليا الصادرة إليه.
اضطرت القوة المصرية إلى التراجع تنفيذاً للأوامر بعدم الصدام إلا في حالة اطلاق النار عليها، فانسحبت إلى جزيرة فرعون الملاصقة للساحل الغربي جنوب طابا، انتظاراً لتعليمات جديدة من القاهرة.
استخدمت الإدارة التركية عن طريق قائد العقبة العثماني القوة في احتلال أراضي مصرية، ومارست العنف والتهديد ضد القوة المصرية، وبذلك أفشلت مهمة هذه القوة التي كانت ترمي إلى:
لم تكتف الدولة العثمانية باستخدام القوة والعنف العسكري فقط لخلق أمر واقع، وإنما تحركات الدبلوماسية العثمانية في محاولة لتثبيت هذا الأمر عن طريق الضغط السياسي على الخديوي عباس، واستغلال الأوضاع السياسية في ذلك الوقت حيث احتدم الخلاف بين الخديوي عباس ومصطفى كامل، لتقرب الأول من الإنجليزي بعد علمه بالوفاق الودي 1904 بين فرنسا وإنجلترا، وإدراكه عدم إمكانية نجاح سياسة المناهضة للاحتلال البريطاني في مصر. وهو:
وإزاء هذا المركز الحرج للخديوي عباس، مارست الدبلوماسية العثمانية عنفاً ضده لإجباره على الاصطدام بالإنجليزي أو فقد شعبيته التي يحظى بها لدى الرأي العام المصري الذي كان يؤيد السلطان العثماني تحت تأثير الحزب الوطني وأدواته. أبرق الصدر الأعظم ثلاث برقيات متوالية شديدة اللهجة وتحمل تهديدات واضحة.
تطلب البرقية الأولى في 10 يناير 1906 أن تمتنع مصر عن بناء المركز المزمع إقامته حيث ن الموقع تركي وعليه حامية عثمانية يقودها لواء، وهو منصب عسكري رفيع يتناسب مع أهمية الموقع - وتؤكد البرقية عدم رضاء بل ورفض الباب العالي لهذا السلوك، وتطلب التراجع فوراً للقوة المصرية، وتأمر الخديوي بالتحرك السريع الفوري ويعلن أنه لن يتم إرسال مبعوث تركي لتعيين الحدود.
أما البرقية الثانية في 12 يناير 1906 أيدت البرقية الأولى مع مزيد من التعسف ضد الخديوي لإحراجه ومزيد من التعسف ضد مصر وحقها الثابت تاريخياً في أراضيها، فتؤكد على أن الأراضي التركية تشمل العقبة والمناطق المجاورة بما فيها طابا، وأنها ليست ضمن الأراضي الممنوحة لمصر.
وبتحليل مضمون هذه البرقية يمكن استخلاص ما يلي:
وتصاعد الضغط العثماني على الخديوي بطلب سحب "نور البحر" والقوة المصرية من جزيرة فرعون والتوقف عن بناء نقاط عسكرية وإلا "سوف تحدث أزمة". معنى هذا، أن تركيا أرادت وضع يدها على المناطق الاستراتيجية في خليج العقبة والمناطق الحاكمة المجاورة، بغية تأمين مكاسب لها أسوة بما وقع على إثر فرمان أبريل 1892 أي حصولها على العقبة ومن ثم تزايد نفوذها وسيطرتها على البحر الأحمر، إضافة إلى التواصل الجغرافي بين الحجاز الشام، وأيضاً ما تمثله العقبة كبوابة شمالية للحجاز، وما يمثله رأس الخليج كأقرب نقطة للسيطرة عليها.
كان هذا التهديد يهدف إلى مساومة سلطات الاحتلال، واكتساب مواقع جديدة في سيناء وفي الضفة الغربية في خليج العقبة، على أساس عدم اكتراث السلطات البريطانية بالمصالح الوطنية المصرية، ولتفادي أزمة حادة بالتنازل عن بعض المواقع المصرية وهو ما لا يكلف بريطاني الكثير. لم تقرأ الدولة العثمانية جيداً المصالح المصرية - البريطانية المشتركة والمتمثلة في هدف إبعاد كل ما يهدد قناة السويس وهو ما يستوجب تأمين الحدود الشرقية، أي تأمين شبه جزيرة سيناء، باعتبارها خط الدفاع الأول عن القناة واعتبارها منطقة عازلة بين الممتلكات العثمانية وبين مصر - حسب المفهوم العسكري القديم حيث الصحراء أراض عازلة وفاصلة لتأمين البلاد.
وهكذا احتدمت أزمة طابا الأولى 1906 حيث:
وفي أبريل انعقد مؤتمر بين الخديوي وأحمد مختار پاشا، المفوض العثماني. وبدا حينها أن الدولة العثمانية ليس لديها نية الاعتراف بالتفسير البريطاني لتلغراف 8 أبريل 1892. فقد ادعت الدولة العثمانية أن شبه جزيرة سيناء تتكون فقط من الأرض الواقعة جنوب الخط المستقيم من العقبة إلى السويس، وأن الأرض المصرية شمال ذلك الخط يحدها خط آخر من رفح إلى السويس. وكحل وسط، اقترح مختار باشا أن يكون الحد بين مصر والدولة العثمانية هو خط مستقيم من رفح إلى رأس محمد (الطرف الجنوب لسيناء)، وهو الأمر الذي كان سيجعل كل خليج السويس أرضاً عثمانية. وبعبارة أخرى، فإن ادعاء الباب العالي كان، كما يلخصه اللورد كرومر:
تلك العروض لم تكن بريطانيا العظمى لتقبلها؛ وبينما ظل السلطان متعسفاً ، فقد قدم السفير البريطاني في 3 مايو مذكرة إلى الباب العالي تطلب الانصياع للمقترحات البريطانية في ظرف عشرة أيام. السفير التركي في لندن أخبره وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد گري أنه لو وجدت بريطانيا أن السيادة الإسمية للدولة العثمانية على مصر تتعارض مع حقوق الحكومة البريطانية بتدخل تركيا في الشئون المصرية وفي معارضة الاحتلال البريطاني لمصر، فإن الوضع البريطاني في مصر ستحافظ عليه الامبراطورية البريطانية بكل ما أوتيت من قوة. وتحرك أسطول بريطاني إلى الدردنيل في مقابل اسطنبول. فقط حينئذ، تراجع السلطان ووافق (في 14 مايو) على أن خط الترسيم يبدأ من رفح ويتجه باتجاه الجنوب الشرقي "في خط مستقيم تقريباً إلى نقطة على خليج العقبة على بعد لا يقل عن 3 ميل من العقبة" وتم سحب القوات العثمانية من طابا وتم ترسيم الحدود بلجنة تركية-مصرية مشتركة. وقد تم توقيع اتفاقية في 1 اكتوبر للإرساء النهائي لخط الحدود.