If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تصور خيطاً من حبات ملونة كبيرة، صفراء وخضراء وحمراء وزرقاء وبنية. علماً بأن الحبات الصفراء تنجذب إلى بعضها البعض مثل المغناطيسات. وتتنافر الحبات الخضراء مع مثيلاتها، وتنجذب الحبات الحمراء بقوة ضعيفة إلى الحبات الزرقاء، ما لم توجد بجوارها حبة بنية اللون. وتذكر أيضا أن الحبات الحمراء تفضل أن تستقر بين الحبات الصفراء، ما لم توجد حبات خضراء بينها! والآن كوّن تسلسلاً عشوائياً من بضع مئات من الحبات الملونة المختلفة ـ التي تمثل الأحماض الأمينية ـ وتنبأ بالتركيب ثلاثي الأبعاد، الذي سوف ينطوي الخيط ذاتيا إليه!
يبدو الأمر غاية في التعقيد. ولكن علماء البيولوجيا يمارسون هذه (اللعبة)، ويطلقون عليها (لغز طي البروتين).
ولكل بروتين تسلسل للأحماض الأمينية خاص به فقط، وينتهي بطريقة ما، بالطيّة المميزة له. لكن مثل هذه السلسلة المعقدة يمكن أن تنطوي بعدد كبير جداً من الطرق المختلفة، ومن ثم كيف يتأتى للبروتين أن ينتهي بالشكل الصحيح له بالضبط? لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالتخمين أو باتباع طريقة التجربة والخطأ. إن عمر الكون نفسه يعد قصيراً مقارنة بالوقت الذي يستغرقه بروتين صغير لتجربة بلايين من الطيّات الممكنة واحدة وراء أخرى، وصولاً إلى الطيّة الصحيحة!
إذ إن البروتينات تنثني وتلتوي وتلتف في شكل حلقات أو حلزونات، بينما تنضغط بعض البروتينات الأخرى في رقائق مطويّة تشبه الآلة الموسيقية (الأكورديون)، وكذلك في أشكال أخرى.
وهذه الطيّات تساعد على أداء البروتينات لوظائفها الجوهرية داخل الخلايا.
فعلى سبيل المثال، فإن الزوايا والشقوق في طيات أي إنزيم هضم ـ وهو أحد البروتينات ـ يمكنها أن تحتجز جزيئات النشا ثم تقترب بعد ذلك الكيماويات التي تحللها إلى سكر. وبالمثل، تكمن البكتريا والفيروسات بقوة في ثنايا وطيّات الأجسام المضادة، التي تمسكها بإحكام.، بينما تطلب (النجدة) من آليات الدفاع الأخرى بجهاز المناعة في الجسم.
وعندما تواصل سلسلة الأحماض الأمينية المفتوحة، عملية الوصول إلى الشكل النهائي للطيّة، فإنها تواجه الكثير من التطورات غير المرغوب فيها. فالأحماض الأمينية تتنافر وتتجاذب فيما بينها، كما أنها تتفاعل مع جزيئات أخرى في الجسم، من أجل إتمام بعض الاتصالات الكيميائية الحيوية.
ترى ما السر الذي يكمن وراء لغز طيّ البروتين? إن الإجابة عن هذا التساؤل، أصبحت واحدة من أكثر مناطق الكيمياء الحيوية إثارة، لأن البروتينات ـ على هيئة أنزيمات وهرمونات وأجسام مضادة... إلخ ـ تقوم بوظائف بيولوجية بالغة الأهمية للجسم.
والواقع أن عملية طي البروتينات بطريقة صحيحة، وبقاءها مطوية خارج بيئتها الخلوية الطبيعية، هي واحدة من أكثر المشاكل المحبطة للآمال في صناعة التقانة الحيوية. إذ ربما يُدخل الباحثون جينا Gene لبروتين بشري مهم ونادر، في بكتريا وينجحون في الحصول على كميات كبيرة من هذا البروتين ـ باستخدام الهندسة الوراثية ـ ثم يكتشفون في النهاية أن جزيئاته لا تنطوي داخل خلايا البكتريا، أو أنها تلتصق ببعضها البعض، في تكتلات لا قيمة لها. وأحياناً ينتجون ما يبدو أنه بروتين مطويّ بطريقة صحيحة، ثم يفاجأون برؤيته ينحل عند إخراج العينات من حجرة التجميد ـ حيث تجرى التجـارب ـ لإذابتها.
وأي شخص يتعامل مع البروتينات غير المطوية في أنبوب اختبار، هو فقط الذي يعرف جيداً المخاطر المحتملة، فبدلاً من أن تنتهي التجربة، بجزيئات البروتين وهي تعمل بنشاط كامل، ربما يحصل الباحث على كتلة هلامية متداخلة في بعضها البعض، تعد المُناظر الكيميائي لطبق من المكرونة (الإسباجتي)، التي تركت على النار أكثر من اللازم، فتعجنت!