If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ينقسم شُعراء الزُّهْد إلى قسمين، وذلك بحسب تطرُّق الزُّهد إلى حياتهم، وهما: الشُّعراء الزّاهدون منذ نشأتهم، مثل: عبد الله بن المبارك، ومحمّد بن كناسه، ومحمود الورّاق، والإمام الشّافعي، والخليل بن أحمد، والقسم الثاني فهم الشُّعراء الزّاهدون التّائبون بعد المُجون، يُذكر منهم: أبو العتاهية، وأدام بن عبد العزيز، وأبو نوّاس، ومحمّد بن يسير الرّياشيّ.
هي أكثر الشّاعرات الزّاهدات شُهرةً، وتتميّز برِقة مشاعر الحُبّ الإلهيّ، وعُذوبة ألفاظه الذي تنقله إلى أشعارها، فتصف الخالق بأنّه حبيبُها مع دوام مُناجاتها له، وأنّ خاطرها مشغول به دائماً، كما أنّه الوحيد الذي يعلم بما في قلبها، وتؤكّد رابعة من خلال شِعرها أنّ قلبها مُتعلّق بالذّات الإلهيّة، وكان هذا نهجُها في الزُّهد، فهي تتعمّق في محبّة الخالق محبّة ينشأ معها اتّصال روحيّ بالله، فهي وإن جلست في حضرة النّاس، بقي قلبُها مع الله، وقد مهدت رابعة للتجديد في الشعر الصوفيّ، ومن أشعارها:
أحبّكَ حُبّيْن حُبَّ الهَوى
فأمّا الذي هو حُبُّ الهَوى
وأمّا الذي أنتَ أهل له
فلا الحمدُ في ذا وذاكَ لي
هو من الشُّعراء الذين تحوّلوا من شِعر الغزل إلى شِعر الزُّهد والتّصوّف؛ لأسباب اجتماعيّة، وشخصيّة، ويذكر أبو سلمة الغنوي أنّه سأل أبو العتاهية عن سبب تحوّله إلى الزُّهد، فأخبره أنّه عندما قال أبياتاً في الغزل، حلُم حُلُماً أشعره أنّ ما يقوم به معصية للخالق، وتاب من حينها عن قول الغزل، وكانت أبياتهُ تلك:
الله بيني وبين ومولاتي
منحتها مُهجتي وخالصتي
هيمنها حُبّها وصيّرني
نظم أبو العتاهية في الزُّهد قصيدة طّويلة يكشف فيها تجربة الحبّ التي مرّ بها، وكيف كانت سبباً في تغيُّره، وتظهر فيها فلسفته في الحياة بعد الذي ذاقه منها، ويتضّح جليّاً العزم في كلامه، والمشاعر الصّادقة، وممّا قال فيها:
قطعت منك حبائل الأمالِ
و يئست أن أُبقي لشيء نلت ممّا
فوجدت برد اليأس بين جوانحي
ولئن يئست لرُبّ بَرْقةِ خُلَّبٍ
ما كان أشأم، إذ رجاؤك قاتلي
فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي
والآن صار لي الزمان مؤدباً
والآن أبصرت السّبيل إلى الهدى
ولقد أقام لي المشيب نعاته
ولقد رأيت الموت يبرق سيفه
ولقد رأيت عُرا الحياة تخرّمت
ولقد رأيت على الفناء أدلة
وإذا اعتبرت رأيت خطب حوادث
وإذا تناسبت الرّجال، فما أرى
من أكثر شُعراء الزُّهد الذي اشتُهِروا بزُهدهم وورعهم، فكان يُقبِل سنة إلى الحجّ، ثمّ سنة إلى الجهاد، وقال فيه سُفيان الثّوري: "لو جهدت جهدي أن أكون في السّنة ثلاثة أيّام على ما عليه ابن المبارك لن أقدر". وكان ممّن يُضرب المَثل فيهم بأنّهم لا يفصلون الحياة العامّة عن الزُّهد، فكان يعمل بالتّجارة، ويُنفق الكثير من أرباحه على أصحاب الحاجة من فقراء وطُلّاب العلم، وهذا لم يمنعه من الابتعاد والخلوة مع نفسه، وله أشعار تسيل رِقّة وحُسناً وفصاحةً سواء كان ذلك بالألفاظ أو المعاني، ويُبغِض في أشعاره متاع الحياة الدُّنيا الزّائل وملاهيها، والتّذكير بالآخرة، كما أظهر جانباً للدُّعاة الذين يعفّون أنفسهم عن المناصب الدّوليّة، بالإضافة إلى الجمع بين العبادة والجهاد والموازنة بينهما، فيرى أنّ كِلاهما يُقدّمان شيئاً لله، فالعابد دُموعه، والمُجاهد دماؤه، ومن أشعاره:
ياعابد الحرمين لو أبصرتنا
من كان يخضب جيده بدموعه
أو كان يُتعب خيله في باطل
هو الحسن بن هاني، وهو من الشُّعراء الذين سبق لهم المُجون والاستهانة بأمور الدّين قبل تحوّلهم للزُّهد؛ إذ تم اتّهامه بالزّندقة، وبعقيدته حتّى سُجن في عهد الرّشيد والأمين أكثر من مرّة، وبعد شعوره بالذّنب حِيال ما قام به في ريعان شبابه تاب إلى الله، وطلب المغفرة منه، وهذا ما جعل أشعاره غارقة في الشّعور بالنّدم والذّنب، فكان بذلك المُوجد لقواعد شِعر النّدم والتّوبة والاستغفار، كما يستخدم في أشعاره أسلوباً عقليّاً مُقنعاً فيما يطرحه، ومن أشعاره في هذا الباب:
أراك يزيدك الإثراء شوقاً
تظلّ على الغنى أبداً حريصاً
وأغنى منك ذو طمرين راضٍ