If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تتالى على حكم مملكة بيت المقدس ثلاثة وعشرون ملكًا وملكة جميعهم ذوي قرابة لجودفري الذي انتخب ملكًا في أعقاب نجاح الحملة الصليبية الأولى عام 1099. كانت عملية تتويج الملك تتم في كنيسة القيامة باستثناء الملك بلدوين الأول الذي توج في كنيسة المهد في بيت لحم؛ وبعد فقدان القدس باتت مراسم التتويج تعقد في صور على ساحل المملكة الشمالي، والتي كان رئيس أساقفتها يحتل المنصب الديني الثاني بعد بطريرك القدس منذ تأسيس المملكة.
خلال حفل التتويج يلبس الملك التاج للمرة الأولى ويوسم جبينه بالزيت المبارك حسب العادات المتوارثة من العهد القديم كما يمسك بصولجان الحكم وكرته، ويقوم بطريرك القدس بمراسم التتويج التي تشمل أيضًا قسم الملك بأن يحكم بالعدل وأن يحترم القوانين والأعراف السائدة في المملكة، وخلال عهد أمالريك الأول تمّ إضافة احترام الكنيسة ورجال الدين وحقوق بطريرك القدس ورعاية الأيتام والأرامل إلى نص القسم؛ يلي ذلك قسم الفرسان بحياة الملك وبذودهم عن عرشه والمملكة، وكذلك قسم البارونات والأمراء والإقطاعيين بالولاء للملك والامتثال لأوامره والدفاع عن المملكة، مقابل نوالهم صكّا من الملك الجديد يثبتهم به في الإقطاعية الخاصة بهم، وقد أعاد أمالريك الأول عام 1170 تنظيم مراسم حفل التتويج ومراسم قسم الإقطاعيين، علمًا أنه كان أول من ألزم صغار الإقطاع بالقسم بينما كان الأمر قبلاً مقتصرًا على البارونات وكبار الإقطاع فقط. وفي كثير من الأحيان لم يكن للملك وريث مباشر ما يضطر مجلس البارونات لانتخاب الملك الجديد من الأسرة الحاكمة، وفي كثير من الأحيان الأخرى يكون الوريث قاصرًا يحتاج إلى وصي ومجلس وصاية، فيضطلع مجلس البارونات بهذه المهمة، التي كانت تجلب الخلافات والانشقاقات الداخلية، والتي أوجبت في بعض الأحيان انتخاب محكمة عليا ملزمة للنظر في قضايا وراثة العرش والتتويج. وعمومًا فإن جودفري وشقيقه بلدوين الأول ثم بلدوين الثاني انتخبوا انتخابًا، ولم يترسخ نظام الوراثة في المملكة حتى عام 1131 مع الملكة ميليسندا.
لم يكن الحكم يندرج في إطار الملكية المطلقة أو الاستبدادية أبدًا، بل كانت سلطة الملك المركزية محدودة بمجلس البارونات الذي يشكّل الهيئة التشريعية للملكة من ناحية، وبالإدارة اللامركزية الواسعة الصلاحيات الممنوحة للبارونات وللإقطاعيين الأقل وزنًا في المملكة، حتى في حال نشوب خلاف بين الملك وأحد الإقطاعيين فإن مجلس البارونات كان الجهة المخولة الفصل فيه في أغلب الحالات. علمًا أنّ الملك كان يخضع لحكمه المباشر القدس وبيت لحم ويافا وعسقلان والأراضي الواقعة بينهما والتي غالبًا ما منحت لأفراد العائلة المالكة المقربين منه، إلى جانب القلاع والحصون المختلفة التي كانت تعود ملكيتها الخاصة للقصر الملكي مباشرة. وحتى عهد بلدوين الثالث كانت الأراضي التابعة للملك مباشرة أكبر من الإقطاعيات الممنوحة للأمراء من حيث المساحة، وحتى تلك الفترة أيضًا كانت الإقطاعية تعود بوفاة أميرها إلى الملك الذي يعيد منحها لمن يجده مناسبًا، ولم تكن وراثة الإقطاعيات كأوروبا قائمة، ثم أخذ الوضع بالتبدل تدريجيًا ولكن بموافقة ملوك القدس، فمنحت الكرك والشوبك كإقطاعية وراثية عام 1140، وقد تبعتها سائر الإقطاعيات بالتحول نحو نظام الوراثة.
هناك قانون يرجع لعهد الملك بلدوين الثالث ينصّ على أنه من حق الملك تجريد أي إقطاعي من أملاكه في حال تمرد على الملك أو حفّز الفلاحين وسائر المواطنين على الثورة ضده، شرط أن تنظر القضية محكمة خاصة يعينها مجلس البارونات؛ وكذلك فإن تسليم الحصون والقلاع للمسلمين أو فتح طريق تجاري والمدن الواقعة تحت سلطتهم أو سك وتزييف نقود صليبية دون إذن الملك تعتبر من الأعمال التي يحق للملك تجريد الإقطاعي من أملاكه بسببها، إذ إن القضايا المشار إليها كانت تندرج في إطار الاحتكارات الملكية الخاصة، كذلك فإن الملك هو القائد الأعلى لجيوش المملكة، والمخول الوحيد فرض الضرائب غير الإقطاعية التي كانت تؤمن نفقات الجيوش والإدارة المركزية. يذكر أنه ومع خواتم عهد المملكة، منح الملك جزءًا من حقوقه للإقطاعيين، كسك النقود ومنح الامتيازات التجارية.
كان للملك أيضًا صلاحية خاصة على المؤسسة الدينية باختيار الأساقفة من بين ثلاثة مرشحين للمنصب منتخبين من قبل قدامى الأساقفة، وعمومًا فإن القصر الملكي كان دومًا يضغط في انتخابات الأساقفة وكذلك في انتخابات بطريرك القدس لانتخاب شخصيات مقربة من الملك، ما أدى أيضًا إلى نشوء خلافات داخلية، رُفعت أكثر من مرة إلى روما التي كان من صلاحياتها الفصل في شرعية عمليات الانتخاب.
يمكن القول أن سلطة الملك المركزية أخذت بالضعف في أعقاب الحرب الأهلية بين الملكة ميليسندا وابنها بلدوين الثالث حين احتاج كلا الطرفين لبارونات المملكة ونبلائها للحسم أو التوصل إلى تسوية، وزاد هذا الضعف في سلطات الملك المركزية خلال حكم بلدوين الرابع الذي كان مصابًا بالبرص، ثم النزاع الذي أعقب وفاته عام 1185 حول الوصاية على العرش، وقد تحوّل هذا الخلاف إلى أزمة سياسية بين حزبين من البارونات أولهما يدعم آغنس دي كورتنيه وابنتها سيبيلا، والثاني يدعم ريموند الثالث أمير طرابلس ومعه أمير الجليل وآل إيبيلن أصحاب الرملة ونابلس، ولم يفلح الملك الطفل بلدوين الخامس في كبح طموح النبلاء أو استعادة هيبة ومكانة التاج الملكي التي فقدت كما يقول جيشوا براور؛ ولعلّ أحد أبرز الأدلة على ذلك قيام رينو دي شاتيون ومنذ أيام الملك بلدوين الرابع بخرق الهدنة المعقودة بين الملك وصلاح الدين الأيوبي باعتداءه المستمر على القوافل التجارية العربية بين مصر وبلاد الشام، ثم سماح ريموند الثالث لفرق من جيش صلاح الدين بالإغارة عبر أراضيه في الجليل على أملاك خصومه من البارونات. كما كانت معركة حطين وما سبقها من صراع حول خطة المعركة بين النبلاء، دليلاً آخر على ضعف قوة الملك حينها، استمر الوضع على ما هو عليه، من ضعف لسلطات الملك، خلال عهد المملكة الثاني في عكا، وتتالى على العرش ملكان هما كونراد الثاني وكونراد الثالث ولدا في الإمبراطورية الرومانية المقدسة وقضيا حياتهما فيها ولم يزورا أملاكهما مطلقًا، كذلك الحال بالنسبة لفريدريك الثاني الذي لم يحترم ملك القدس خلال الحملة الصليبية السادسة وما رافقها، ومجمل القول أن سلطات الملك كانت قوية ومركزية خلال الطور الأول من عمر المملكة، ثم ضعفت وتآكلت منذ أواخر القرن الثاني عشر وطيلة القرن الثالث عشر، لتحلّ محلها سلطة النبلاء والمؤسسات العسكرية كالداويّة والإسبتارية وفرسان الهيكل وبعض المؤسسات التجارية كتجار البندقية.
كان يعاون الملك في أداء مهامه أربعة موظفين كبار هم صنجيل القدس (والتي ترجمها بعض مؤرخي العرب القهرمان) وكونت المملكة والمارشال أو ضابط القدس وحاجب الملك الذي يعتبر المسؤول الأول عن الاحتفالات الملكية وسائر الأعراف المرتبطة بالقصر الملكي.