العربية  

books the french campaign on egypt

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الحملة الفرنسية على مصر (Info)


الحملة الفرنسية على مصر هي حملة عسكرية قام بها الجنرال نابليون بونابرت على الولايات العثمانية مصر والشام (1798-1801م) بهدف الدفاع عن المصالح الفرنسية، منع إنجلترا من القدرة على الوصول للهند، وكذلك كان للحملة أهداف علمية. كانت بداية الحملة هي حملة البحر المتوسط عام 1798، وهي سلسلة من المعارك البحرية شملت السيطرة على مالطا.

من الناحية العلمية، أدت الحملة إلى اكتشاف حجر رشيد، واضعة بذلك حجر الأساس لعلم المصريات. بالرغم من تحقيق بعض الانتصارات، ونجاح الحملة في البداية، إلا أن نابليون اضطر إلى الانسحاب بجيشه لعدة أسباب منها حدوث اضطرابات سياسية في فرنسا، النزاعات في أوروبا، وكذلك الهزيمة في معركة أبي قير البحرية.

الاستعدادات والرحلة

الاقتراح

في وقت الحملة، كانت السلطة التنفيذية في فرنسا ملكا لحكومة الإدارة وكانت الحكومة تلجأ للجيش للوقوف أمام نادي اليعاقبة والأخطار الملكية الأخرى، مع الاعتماد بصورة رئيسية على نابليون الأول، الذي كان يعد قائدا ناجحا حينها، بعد الانتصار في الحملة الإيطالية.

كانت فكرة السيطرة على مصر وجعلها مستعمرة فرنسية تحت النقاش منذ قام البارون دو توت بمهمة سرية إلى بلاد الشام في 1777، لفحص الجدوى. كان تقرير البارون إيجابيا، لكن لم يتم اتخاذ أي خطوات من قبل فرنسا حينها. أصبحت مصر محل نقاش بعد ذلك بين شارل تاليران ونابليون، وفي 1798، قدم نابليون اقتراحا إلى حكومة المديرين بالقيام بحملة للسيطرة على مصر، بهدف "الحفاظ على المصالح الفرنسية"، وتقليل قدرة بريطانيا على الوصول إلى الهند وإلحاق الضرر بتجارتها، وذلك بسبب موقع مصر الجيد بين خطوط التجارة. أراد بونابرت تأسيس مستعمرة فرنسية في مصر، سعيا في نهاية المطاف للارتباط بحليف فرنسا السلطان تيبو في مملكة ميسور. بما إن فرنسا لم تكن مجهزة لهجوم مباشر على بريطانيا العظمى، قررت حكومة المديرين التدخل بصورة غير مباشرة، وعمل ميناء مزدوج يصل بين البحرين الأحمر والمتوسط (وهو ما سيتم تطبيقه في القرن العشرين عن طريق قناة السويس).

في هذا الوقت، كانت مصر ولاية عثمانية منذ 1517، ولكن لم تكن حينها تحت السيطرة المباشرة للعثمانيين، حيث كان يحكمها المماليك، وكان بينهم نزاعات على السلطة. في فرنسا، كانت "الموضة المصرية" رائجة، حيث شاع الاعتقاد بين المفكرين أن مصر هي مهد الثقافة الغربية، وكان تجار فرنسا في مصر يشتكون من معاملة المماليك لهم، كما كان نابليون يريد أن يسير على خطى الإسكندر الأكبر. أكد نابليون للحكومة الفرنسية أنه بمجرد السيطرة على مصر، سيقوم بالتحالف مع الأمراء الهنود والهجوم على بريطانيا العظمى في مستعمراتها. وفقا لتقرير قدمه تاليران في 13 فبراير 1798:

«بمجرد السيطرة على مصر وتحصينها، سنقوم بإرسال 15 ألف جندي من السويس إلى مملكة تيسور لمساعدة السلطان تيبو في القضاء على الوجود البريطاني في الهند.»

وافقت حكومة المديرين على الخطة في مارس 1798، على الرغم من عدم الاقتناع التام بكلفتها ونطاقها، ويقال أن أحد الدوافع السرية هي أنهم أرادوا إبعاد نابليون الشعبي وشديد الطموح عن مركز السلطة.

قبل الرحيل من طولون

انتشرت الشائعات حيث تم تجميع 40 ألف جندي و10 آلاف بحار في موانئ فرنسا المطلة على البحر المتوسط. تم تجميع أسطول كبير في تولون: 13 سفينة خط، 14 فرقاطة و400 ناقلة. لتجنب مواجهة الأسطول الإنجليزي تحت قيادة هوراشيو نيلسون، لم يتم الإعلان عن اتجاه الرحلة حينها وتم الاحتفاظ به كسر، ولم يعرف الاتجاه إلا بونابرت نفسه، بيرثييه، كافاريللي وعالم الرياضيات غاسبار مونج. كان بونابرت القائد، وكان من مرؤوسيه توماس ألكسندر دوماس، كليبر، لويس دوزيه، بيرثييه، كافاريللي، لانس، داماس، يواكيم مورات، أندريوسي، بيليارد، جاك فرانسوا مينو، وزاجتشيك. وشمل مساعدوه في المعسكر أخاه لويس بونابرت، دوروك، يوجين دو بوارنيه، توماس بروسبر جولين والنبيل البولندي جوزيف سوكوفسكي.

انضمت إلى الأسطول في تولون أسراب من جنوة، تشيفيتافيكيا وباستيا، ووضع الأسطول تحت قيادة العميد البحري برويس والعقيدون البحريون بيير تشارلز فيلنوف، دو كايلا، ديكريه وجانتيم. كان الأسطول على وشك الرحيل عندما حدثت مشكلة مع النمسا، واستدعت الحكومة بونابرت تحسبا لوقوع حرب. حلت الأزمة في خلال أسابيع، وتلقى نابليون أوامر بالعودة إلى تولون بأسرع ما يمكن.

وصل بونابرت إلى تولون في 9 مايو 1798, وأقام مع بينوت دي ناجاك، الضابط المسئول عن إعداد الأسطول. صعد الجيش السفن واثقا في قيادته وفي 19 مايو، بمجرد صعوده السفينة، وجه بونابرت خطابا إلى قواته، خاصة هؤلاء الذين كانوا معه في جيش إيطاليا:

«أيها الجنود! أنتم أحد أجنحة الجيش الفرنسي. لقد حاربتم فوق الجبال، على السهول، وفي المدن; لم يبق إلا الحرب في البحر. إن الجحافل الرومانية قد حاربت بقرطاج في نفس هذا البحر وفي سهول زاما ... أيها الجنود، أيها البحارة، لقد تم إهمالكم حتى هذا اليوم; اليوم، أنتم أهم شيئ بالنسبة للجمهورية... إن عبقرية الحرية التي جعلتكم -عند ولادتها- حاكمي أوروبا، نريد أن تكون عبقرية البحار والأمم الأبعد.»

الاستيلاء على مالطا

عندما وصل أسطول نابليون إلى مالطا طلب نابليون من فرسان مالطا السماح لأسطوله بدخول الميناء والحصول على الماء والطعام. رد فون هومبيش على هذا الطلب بأنه لن يسمح إلا بدخول سفينتين فرنسيتين في المرة الواحدة. بعد معرفة الرد، فكر نابليون في أن ذلك سيتطلب أسابيعا حتى يصل الأسطول بأكمله، وتخوف من لحاق الأسطول البريطاني بقيادة نيلسون بهم، فأمر بغزو مالطا.

كانت الثورة الفرنسية قد ساهمت في إضعاف الفرسان وقدرتهم على تشكيل أي مقاومة فعلية، بالإضافة إلى أن نصفهم كانوا فرنسيين ورفضوا القتال.

نزلت القوات الفرنسية في مالطا صباح 11 يونيو. أنزل الجنرال لويس باراغي دي هيليرز الجنود والمدافع في الجزء الغربي من جزيرة مالطا الرئيسية، تحت نيران المدفعية من التحصينات المالطية. واجهت القوات الفرنسية بعض المقاومة الأولية لكنها ضغطت إلى الأمام. وقد أعاد أفراد قوة الفرسان -غير المعدة جيدا- في تلك المنطقة -والذين يبلغ عددهم حوالي 2000 فقط- التجمع من جديد. ضغط الفرنسيون بهجومهم مجددا. بعد معركة شرسة استمرت 24 ساعة، استسلمت معظم قوات الفرسان في الغرب. أقام نابليون أثناء إقامته في مالطا في قصر باريزيو في فاليتا.

فتح نابليون المفاوضات بعد ذلك. وفي مواجهة القوات الفرنسية المتفوقة وخسارة غرب مالطا، اضطر فون هومبيش إلى إعلان استسلام الحصن الرئيسي في فاليتا.

من الإسكندرية إلى سوريا

النزول في الإسكندرية

غادر نابليون مالطا لمصر. بعد النجاح في تجنب الاكتشاف من قبل الأسطول الملكي لمدة ثلاثة عشر يومًا، أصبح الأسطول على مقربة من الإسكندرية حيث هبط في 1 يوليو، على الرغم من أن خطة نابليون كانت الهبوط في مكان آخر. في يوم الهبوط، قال نابليون لقواته "أعد كل جندي يعود من هذه الرحلة، بما يكفي لشراء ستة فدادين من الأرض". وأضاف:

الشعوب التي سنعيش معها هي من المسلمين. مقالهم الأول من الإيمان هو "لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله". لا تتعارضوا معهم؛ عاملوهم كما عاملتم اليهود والإيطاليين. احترموا المفتين وأئمتهم، كما احترمتم حاخاماتهم وأساقفتهم. فليكن لديكم نفس التسامح في الاحتفالات المنصوص عليها في القرآن الكريم، لمساجدهم، كما كان لديكم للأديرة، للمعابد، لدين موسى والمسيح. الجيوش الرومانية اعتادت على حماية جميع الأديان. ستجدون هنا عادات وتقاليد مختلفة عما وجدتموه في أوروبا، يجب أن تعتادوا عليها. الناس هنا سيعاملون النساء بشكل مختلف عنا؛ لكن في كل دولة، كل من يعتدي هو وحش. النهب لا يثري إلا عدد قليل من الرجال؛ إنه يهزنا، إنه يدمر مواردنا، ويصنع أعداءا من الناس الذين من مصلحتنا كونهم أصدقاء. أول مدينة سنواجهها قد أنشأها ألكسندر الأكبر. سنجد في كل خطوة بقايا عظيمة جديرة بالمحاكاة الفرنسية.

كان مينو أول من انطلق إلى مصر، وكان أول فرنسي يصل. هبط بونابرت وكليبر معاً وانضما إلى مينو ليلاً في مارابو، حيث تم رفع أول علم فرنسي في مصر. أبلغ بونابرت بأن الإسكندرية تعتزم مقاومته وسارع إلى الحصول على قوة على الشاطئ. وفي الساعة الثانية صباحاً، انطلق في ثلاثة طوابير، ووصل على حين غرة أمام أسوار الإسكندرية وأمر بالاعتداء - فاستسلم المدافعون. لم يكن لدى المدينة وقت للاستسلام ووضع نفسها تحت تصرف الفرنسيين، ولكن على الرغم من أوامر بونابرت، اقتحم الجنود الفرنسيون المدينة.

في 1 يوليو، قام نابليون، على متن سفينة "المشرق" في طريقه إلى مصر، بكتابة البيان التالي إلى سكان الإسكندرية المسلمين:

لطالما أهان البكوات الذين يحكمون مصر الأمة الفرنسية وغطوا تجارهم بالافتراءات. لقد حانت ساعة عقابهم. لطالما استبد هذا الحشد من العبيد، الذي تم شراؤه في القوقاز وجورجيا، بأجمل جزء من العالم. لكن الله، الذي يعتمد عليه الجميع، قد قرر أن إمبراطوريتهم ستنتهي. يا شعب مصر، لقد أخبروكم بأنني جئت لتدمير دينكم، لكن لا تصدقوهم. أخبروهم أنني جئت لاستعادة حقوقكم ومعاقبة المغتصبين، وأنني أحترم الله ونبيه والقرآن أكثر من المماليك. قولوا لهم أن جميع الناس متساوون أمام الله. الحكمة، المواهب، الفضائل هي الأشياء الوحيدة التي تجعل الإنسان يختلف عن الآخر ... هل هناك أرض أكثر جمالا؟ إنها ملك المماليك. إذا كانت مصر مزرعتهم، فعليهم أن يظهروا عقد الإيجار الذي أعطاهم الله له ... ... أيها القضاة، الشيوخ، الأئمة، وأعيان الأمة، أطلب منكم أن تخبروا الناس أننا أصدقاء حقيقيون للمسلمين. ألم نكن نحن من دمروا فرسان مالطا؟ ألم نكن نحن من دمروا البابا الذي كان يقول أنه من الواجب الحرب على المسلمين؟ ألم نكن نحن في جميع الأوقات أصدقاء إلى الرب العظيم وأعداء لأعدائه؟ ... حقا سعداء هم أولئك الذين سيكونون معنا! ستزدهر ثروتهم ورتبهم. سعداء هم أولئك الذين سيكونون محايدين! سوف يتعرفون علينا بمرور الوقت، وينضمون إلى صفوفنا. لكن غير سعداء أبدا، أولئك الذين سيسلحون أنفسهم [للقتال] من أجل المماليك والذين سيحاربوننا! لا رجاء لهم، وسيهلكون.

عندما تم إنزال القوة الاستطلاعية، تلقى الأدميرال برويس أوامر بنقل الأسطول إلى خليج أبي قير قبل إرساء أسطول المعركة في ميناء الإسكندرية القديم إن أمكن أو أخذه إلى كورفو. وقد كانت هذه الاحتياطات حيوية بعد ذلك بسبب وصول الأسطول البريطاني الوشيك، والذي كان قد شوهد بالفعل بالقرب من الإسكندرية قبل 24 ساعة من وصول الأسطول الفرنسي. كان من الحكمة تجنب مخاطر معركة بحرية - حيث يمكن أن تكون للهزيمة نتائج كارثية وكان من مصلحة القوة أن تذهب عن طريق البر، وتسير بسرعة قصوى إلى القاهرة لمفاجأة قادة العدو قبل أن يتمكنوا من وضع أي تدابير دفاعية في المكان.

نصر بري وهزيمة بحرية

    الأهمية العلمية لحملة نابليون على مصر

    الغزو

    حمل غزو نابليون لمصر علماء ومهندسين فرنسيين إلى النيل، وبدوره حمل عمل هؤلاء روائع النيل إلى أوروبا. في الأول من الشهر 7 / 1798، ظهر قبالة شاطئ الإسكندرية من بعيد، أسطول مكون من 400 سفينة، نزل منها على الشاطئ مع غروب شمس ذلك اليوم، وبوساطة الزوارق الطويلة، جيش مكون من 36000 جندي تحت إمرة نابليون بونابرت. ولما لم يلقَ هذا أي مقاومة، سارع إلى تسيير جنوده، الذين كانوا يتصببون عرقا داخل ملابسهم العسكرية المصنوعة من الصوف،

    في أتون الصحراء، لكي يلحقوا الهزيمة بحكام مصر من المماليك في معركة الأهرام في 21 من الشهر نفسه. وبعد عشرة أيام، دمر الأميرال هوراشيو نلسون الأسطول الفرنسي, تاركا قوة الحملة معزولة في الأرض التي ستدير شؤونها وتستكشفها طوال السنوات الثلاث التالية.

    هزيمة عسكرية.. وعلماء

    وبعد عام ترك نابليون جنوده وتسلل عبر الحصار البريطاني عائدا إلى فرنسا، حيث تسلم زمام السلطة في انقلاب 9 / 10 / 1799. وكان بين القليل من مرؤوسيه الذين عاد بهم معه G. مونج وL-.C. برتوليه، أي العضوان البارزان في أول بعثة علمية ترافق حملة عسكرية. أما زملاؤهما من لجنة العلوم والفنون الذين تركاهم وراءهما مع الجيش فكانوا مجموعة من 151 عالما ومهندسا وعاملا في مجال الطب، مع عدد قليل من الباحثين scholars. وقد اختيرت النخبة من هؤلاء لتكوين المجمع العلمي المصري الذي تأسس بمبادرة من بونابرت لكي يكون نسخة استعمارية معدلة من المجمع العلمي الفرنسي.

    وكان يقوم فيه بأعباء أمانة السر الدائمة خلال فترة الاحتلال B-.J. فورييه الذي لم يكن قد ابتكر بعد ذلك التحليل الذي يحمل اسمه.

    ويظل أشهر اكتشاف حققته هذه البعثة هو حجر رشيد، الموجود حاليا في المتحف البريطاني. وقد تنازل عنه الفرنسيون، بعد ممانعة شديدة، للقوات البريطانية التي طردتهم بعدها من مصر في أواخر عام 1801. ولكن لجنة الخبراء التقنيين أنجزت أيضا في أرض الفراعنة أشياء كثيرة أخرى ذات أهمية علمية، وقد جمعتْها كلها في سِفْر خالد ضخم سَجَّل أعمالهم في المسح الآثاري، وأبحاثهم في الظواهر الفيزيائية والكيميائية، وكذلك في التاريخ الطبيعي الخاص بالمنطقة، إضافة إلى تحقيقاتهم في الشؤون الاجتماعية لهذا البلد الغريب.

    وصف مصر

    هذا السِّفر الذي طبع بين عامي 1809 و1828 تحت اسم وصف مصر، تطلب لتغليفه تصميم قطعة أثاث خاصة به من خشب الماهوگني mahogany. وتتضمن عشرة من أجزائه، وهي من القطع الكبير، لوحات مصورة قياس كل منها (20 × 26 بوصة). وهناك أطلسان قياس كل منهما (26 × 40 بوصة) يشتملان على 837 لوحة حفر على النحاس (منها 50 ملونة،

    والعديد منها يحتوي على الكثير من الرسوم التوضيحية). وهناك أطلس ثالث يتكون من خارطة طبوغرافية لمصر وللأرض المقدسة، مصورة على 47 مزدوجة ورقية (ملزمة ورق). وهناك إلى جانب هذه الأجزاء، تسعة أخرى للنصوص تصغر بجانبها أي موسوعة حديثة. وهي تتضمن على وجه التقريب 7000 صفحة للمذكرات والوصف والتعليق. وقد قُسم السِّفر كله إلى ثلاثة أقسام هي: مصر القديمة، ومصر الحديثة، والتاريخ الطبيعي.

    تكوّن اللوحات الآثارية للقسم الأول أكثر من نصف مجموع ثروة الكتاب من الرسوم التوضيحية، وإليها يرجع الفضل في تكوين الرؤية الحديثة الأولى لعصور مصر القديمة، إذ إن الأوروبيين قدروا حجم وادي النيل من تأملهم للشمول والتفصيل في هذه النقوش المهولة الرائعة، في حين كانت أول معرفة للغرب بأرض الفراعنة تقوم بالدرجة الأولى على ما يروى من أقاويل عن حجم الأهرام واتجاهها ولغز أبي الهول. ولم يكونوا يعرفون عن مصر العليا أي شيء أكثر من حكاية غريبة لسائح عن ذراع جبارة، تذكرنا بذراع أوزيماندياس في قصيدة شيلّي(1)، كانت تندفع خارجة من الرمال.

    ولكن رواية الفنان V. دينون الذي رافق الجنود في حملتهم على أعالي النيل، تحمل إلينا تأثير الدوران حول أحد منعطفات النهر والوصول منه إلى معابد الكرنك، والأقصر بين أطلال طيبة: "وقف الجيش بأسره فجأة ومن تلقاء نفسه، في حالة ذهول.. وأخذوا يصفقون ببهجة وسرور."

    رسم مصر

    لقد دون المساهمون في وصف مصر على الورق جميع الأوابد، بدءا من جزيرة فيلة في الجنوب. كانوا يرسمون ويقيسون وينقبون على طول الطريق، سائرين مع مجرى النهر، يقتربون مرة من ضفته اليمنى ومرة من اليسرى، فمروا من كوم أمبو وإدفو الواقعتين على ضفتي النهر اليمنى واليسرى على التوالي، وإسنا القديمة التي تنحرف انحرافا طفيفا إلى الغرب من النهر. ثم توقف جمعهم طويلا عند مجموعة الأوابد الكثيرة في طيبة، مأخوذين بمدينة هابو ومعبد رمسيس الثالث Ramasseum الجنزي، وتمثاليْ مِمْنون الضخمين الذين تقع خلفهما أضرحة وادي الملوك، وتلوح في مواجهتهما عبر النيل أعمدة الأقصر والكرنك الهائلة. وفي سيرهم مع مجرى النهر أطلوا فجأة على أروع الأعمال المعمارية والفنية في دندره.

    وبعد أن سجل الفريق صور هذه التحف الرائعة، استأنف سيره نحو الشمال إلى مِمْفيس وأهرامات الجيزة.

    كان كل موقع من هذه المواقع يُرسم على ثماني أو عشر لوحات متتابعة، تبدأ بطبوغرافية المكان، تليها صورة شاملة للبناء بالوضع الذي كان فيه حينذاك، مترعا بالرمال، وحوله الأعمدة المحطمة والمطروحة على الأرض، والأسوار المتداعية، مما كان يزيد ـ إلى حد ما ـ من روعة المهابة التي تجلله. ثم تأتي بعد ذلك الرسوم المعمارية التي تتضمن مخططات أساسية وقطوعا وتلالا. ويليها مزدوجات ورقية تصف التفاصيل المعمارية والنقوش الخفيفة البروز والمنحوتات الأخرى، إضافة إلى السطوح المغطاة بالكتابة المنقوشة. وبعد أن ينتهي المصممون أخيرا من عرض ما رأوه بكل دقة، يطلقون لأنفسهم العنان ليعيدوا على اللوحة الأخيرة ـ وبعين الخيال ـ صورة البناء بأكمله كما كان في الماضي.

    بوابة الكرنك

    رسم أعضاء لجنة نابليون للعلوم والفنون البوابة الجنوبية للكرنك كما تخيلوا شكلها الأصلي. وربما استخدم هذا المشهد ليكون إطارا "للمارش" العظيم في أوبرا عايدة لفيردي: في حين يتفرج الجمهور، يمر أحد ملوك طيبة تحت قوس النصر، يتقدمه الخدم ومن ورائه أسراه.

    لم تكن هذه الإبداعات من عمل فنانين أو آثاريين، بل من عمل مهندسين وعدد قليل من المعماريين، صغيري

Source: wikipedia.org
 
(12)
French

French