If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد إقرار النظام الأساسي لجبل لبنان، أصبحت المتصرفية قائمة شرعيًا وفعليًا، وحكمها ثمانية متصرفين شرعيين، وفق ما جاء في پروتوكول سنة 1861، وهؤلاء هم:
هو "قره بت آرتين باشا داوديان"، ويُعرف بداود باشا. أرمني الأصل، كان عالي الثقافة وكان يشغل منصب مدير البريد والتلغراف في الآستانة عندما صدر في سنة 1861 قرار تعيينه متصرفًا على جبل لبنان لمدة ثلاث سنوات. رحّب به كبار رجال الدين الروم الكاثوليك وكذلك رجال الدين الروم الأرثوذكس. إلا أن الطائفة المارونية لم ترحب به طوال فترة خدمته. فقد كان يوسف قرمان، آخر قائممقام ماروني يطمح في تولي منصب المتصرف. لم يكد داود باشا يتسلم منصبه في دير القمر حتى قامت في وجهه معارضة بعض الإقطاعيين ورجال الدين، فاستطاع إرضائهم بتعيينهم في مناصب كبيرة في حكومة جبل لبنان. ولكن يوسف بك كرم، أحد شيوخ شباب بلدة إهدن والزعماء الوطنيين، الذي كان يُطالب بإعادة الحكم الوطني، وقف في وجهه بعناد وقاومه بشدّة، ورفض المناصب التي عرضها عليه. فوعده أعضاء اللجنة الدولية بإعادة النظر في مطالبه، وأقنعوه بالإخلاد إلى الهدوء ريثما تنتهي ولاية داود باشا، وقد اصطحبه وزير الخارجية فؤاد باشا معه منفيًا إلى تركيا.
وفي سنة 1864 عندما عُدّلت بعض مواد النظام الأساسي، وجُددت ولاية داود باشا خمس سنوات، خلافًا لما كان يتوقع يوسف بك كرم، آثر مغادرة تركيا وعاد إلى إهدن وأعلن معارضته لحكومة المتصرفية وتحالف في سبيل ذلك مع الأمير سلمان بن ملحم الحرفوشي، وجمع حوله الرجال للمقاومة، ودارت بينه وبين جنود المتصرف معارك عديدة. وأخيرًا توجه على رأس قوة إلى بيت الدين لإسقاط حكومة المتصرفية، وفيما كان في طريقه إلى بيت الدين، تدخل قنصل فرنسا وأقنعه بوجوب الكف عن المقاومة، وإلا اضطرت الدول الموقعة على النظام الأساسي إلى مساعدة المتصرف عليه. عندئذ رأى يوسف بك كرم أن يُغادر لبنان، فسافر إلى فرنسا وبلجيكا، واستقر أخيرًا في إيطاليا حيث توفي عام 1889، وقد نُقل جثمانه محنطًا إلى بلدة إهدن حيث لا يزال محفوظًا في كنيستها ضمن صندوق من الزجاج.
استلم داود باشا الحكم وعهد المتصرفية في مطلعه، فكان عليه، بالإضافة إلى تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، أن يُنظم أجهزة الحكم وفقًا لنص النظام الأساسي، وقد قام بهذه الأعمال بكفاءة وسرعة. فعيّن الموظفين في الدوائر المختلفة، وأجرى انتخابات مشايخ الصلح في القرى والمخاتير في المدن، وجمعهم لانتخاب أعضاء مجلس إدارة المتصرفية، وأحصى السكان ومسح الأراضي، وتولّى تحصيل إيراد البقاع لحساب الخزينة اللبنانية، كما تولّى الإشراف على إدارته. وألّف داود باشا قوّة وطنية من ألف جندي لبناني، وتعاقد مع ضبّاط فرنسيين لتنظيمها وتدريب أفرادها، كما استحصل من الحكومة العثمانية على سفينة حربية دعاها "لبنان". وفي حقل الثقافة أنشأ جريدة "لبنان" الرسمية، باللغتين العربية والفرنسية، وأسس المطبعة اللبنانية في دير القمر، وأقام عدّة مدارس مجانيّة كانت أشهرها مدرسة في بلدة عبيه عُرفت باسم "المدرسة الداوديّة".
أراد داود باشا أن يختم أعماله بتوسيع حدود المتصرفية، فيضم إليها بيروت وصيدا والبقاع ووادي التيم، ولكن الحكومة العثمانية عارضته في ذلك، فلمّا أصرّ على رأيه أوهمه فؤاد باشا أنه إذا أراد تحقيق مطلبه، فما عليه إلا أن يلوّح بتقديم استقالته من المتصرفية، وعندئذ تضطر الحكومة إلى تنفيذ ما يريد. فوقع داود باشا في الفخ الذي نصبه له فؤاد باشا وقدّم مطالبه مشفوعةً باستقالته، ولكن الحكومة العثمانية رفضت المطالب وقبلت الاستقالة فورًا، فانتهى بذلك حكم داود باشا في المتصرفية.
عيّن الباب العالي فرانكو نصري باشا، حلبي الأصل، خلفًا لداود باشا، بالاتفاق مع الدول الست، لمدة عشر سنوات، لكنه توفي قبل أن يتمها. في عهده ساد الهدوء والاستقرار، وأحبه اللبنانيون لعدله ونزاهته وتواضعه، ولأنه قام بأعمال مفيدة للبلاد، فأنشأ المدارس وحرّج الأراضي الجرداء وأوفد فريقًا من الشباب إلى أوروبا لإتمام دروسهم العالية. ويأخذ عليه اللبنانيون أنه تنازل عن ضريبة البقاع للحكومة العثمانية، فحرم الخزينة اللبنانية من هذا المورد المالي المهم، واضطر إلى تخفيض رواتب الموظفين بمقدار 10% لإيجاد التوازن في الموازنة، وقد أدّى ذلك إلى انتشار الرشوة بين الموظفين. ولمّا مات دُفن في محلّة الحازمية بناءً على وصيته، حيث لا يزال قبره معروفًا حتى اليوم بقبر الباشا.
بعد وفاة فرانكو نصري باشا، عُيّن مكانه رستم باشا الذي كان سفيرًا للدولة العثمانية في موسكو. وكان رستم باشا ذو جذور إيطالية، وعُرف عنه حزمه وشدّته في تطبيق القانون، وإقامة العدل، ومحاربة الرشوة، وقد اتخذ من الجبل مركزًا صيفيًا له، ومن بيروت مركزًا شتويًا، وقام ببعض الأعمال العمرانية مثل فتح المدارس، وشق الطرقات، وبناء الجسور، وإنشاء المخافر لتوطيد الأمن، وقد استدعى ذلك زيادة في النفقات. ولمّا كانت الموازنة في حالة عجز، خفض مرتبه ومرتبات الموظفين وعمد إلى زيادة الضرائب. وبسبب زيادة الضرائب، وبعض الأمور الأخرى، وقع خلاف شديد بينه وبين المطران بطرس البستاني راعي أبرشية صيدا وصور، فأبعده إلى القدس. ولكن الاحتجاجات الشديدة التي أرسلها الأهالي وتدخّل الحكومة الفرنسية اضطرّت الباب العالي إلى إعادته إلى مقر أبرشيّته، فما كان من رستم باشا إلا أن غضب على اللبنانيين، وانتقم منهم بإلغاء المدارس، واضطهاد رجال الدين. فلمّا انتهت مدة ولايته عارض اللبنانيون وفرنسا في تجديدها، فحلّ محله واصه باشا.
حكم واصه باشا، ألباني الأصل، في السنوات الأولى من ولايته بحزم ونزاهة وعدل، وكان محبًا للإصلاح راغبًا في تحسين أحوال جبل لبنان، محافظًا على استقلاله الذاتي وكرامة أبنائه، مانعًا قناصل الدول من التدخل في شؤونه، وكان صادق الولاء للسلطان والحكومة العثمانية في ذات الوقت، وقام ببعض الأعمال العمرانية، فأنشأ مستشفى في بيت الدين، وبنى سراي بعبدا وجعلها المركز الشتوي الدائم لدوائر المتصرفية، وشيّد سراي زحلة، وباشر بتشييد سراي جونية، وشقّ الطرقات وبنى الجسور، وكان أوّل من اهتم من الحكّام بالتنقيب عن الآثار.
وفي عهده اعتمدت الحكومة العثمانية نظامًا حديثًا للقضاء، فما كان منه إلا أن أمر بتطبيق هذا النظام في لبنان، مخالفًا بذلك النظام الأساسي. وقد اعترض اللبنانيون على النظام الجديد، لأنه جعل الآستانة مركزًا لمحكمة التمييز، وعدّوا ذلك محاولة لإضعاف استقلال القضاء اللبناني، وإرهاقًا للبنانيين الذين تحتم عليهم الرجوع في تمييز قضاياهم إلى الآستانة، بينما كانت في السابق تنتهي كلها في لبنان. وفي السنوات الأخيرة من ولايته عمّت الفوضى وساد الفساد وانتشرت الرشوة وازداد التدخل الأوروبي في شؤون المتصرفية أكثر من ذي قبل، وصارت المناصب تُباع بيعًا لمن يزيد في الثمن لصهر المتصرف وزوجته. وقد دفعت هذه الحالة اللبنانيين إلى المطالبة بمعاقبة المسؤولين، ولكن واصه باشا توفي في سنة 1892، قبل انتهاء ولايته بأحد عشر شهرًا، فدُفن في الحازمية.
حلبي الأصل، وابن أخت فرانكو نصري باشا. كان عفيفًا نزيهًا حازمًا، بدأ ولايته بإصلاح الإدارة، فعزل الموظفين الذين اتهموا بالرشوة. وقام بتنظيم ماليّة الجبل. انصرف نعّوم باشا إلى الأعمال العمرانية، فأصلح الجسور، وشق ما يزيد عن 480 كيلومترًا من الطرق، وشيّد سرايات بعقلين وجزين وجونية والبترون وأميون وبحنّس. وقد تميّز عهده بالأمن والهدوء والاستقرار، وفيه ابتدأت الهجرة من جبل لبنان إلى الخارج على نطاق واسع. وكان نعّوم باشا محبوبًا محترمًا لأنه كان يعمل بجدّ وإخلاص لخير لبنان وأبنائه دون تمييز بين مسلم ومسيحي، وعاد إلى الآستانة بعد انتهاء ولايته في سنة 1902.
بولوني الأصل، عُيّن خلفًا لنعّوم باشا، فبدأ بداية حسنة، ثم لم يلبث أن عزل الموظفين وفرض ضرائب جديدة، وعبث بحقوق مجلس الإدارة. فقاومه أعضاء المجلس بمساعدة رجال الدين، حتى أرغموه على إلغاء تدابيره. وهنا قام بينه وبين رجال الدين المسيحيين صراع عنيف، فعمل على تأسيس جمعيّات لادينيّة لإضعاف نفوذهم. ومما زاد في فساد عهده تدخّل ابنه وامرأته في شؤون الدولة حتى أصبح في أيديهما تعيين الموظفين وعزلهم، حسب استعداد هؤلاء الموظفين لدفع الأموال. وخوفًا من تجديد ولايته حاول خصومه أن يرسلوا إلى الآستانة وفدًا للحيلولة دون ذلك، ولكنه مات قبل انتهائها بثلاثة أشهر.
حلبي الأصل، لم يكن خيرًا من سلفه، فقد بدأ كسلفه بداية حسنة، فتروّى في علاقاته مع مختلف الأحزاب والاتجاهات، وعاونه رجال الدين. ولكن هذه الحال لم تدم طويلاً، إذ خرق النظام الأساسي، وتدخل في شؤون القضاء، واعتدى على صلاحيات المجلس الإداري، وألغى بعض الصحف المعارضة، وحاول أن يرغم كل لبناني من سكّان الجبل على أخذ بطاقة هوية عثمانية. ولكن المعارضة الشديدة التي وقفت في وجهه أرغمته على جعل ذلك اختياريًا لمن يشاء. وعندما نُشر الدستور العثماني سنة 1908 طالبت بعض الفئات في لبنان بضم المتصرفية إلى ولاية سوريا وإرسال عضوين يمثلانها في "مجلس المبعوثان"، وهو البرلمان العثماني الذي أُنشأ بموجب الدستور الجديد. ولكن المقاومة الشديدة التي نشأت ضد هذه الفكرة لم تسمح بأن تظهر إلى حيّز الوجود، بالرغم من تشجيع يوسف فرانكو باشا. وكان نزاعه الدائم مع أعضاء المجلس الإداري سببًا في نقمة الجمهور عليه، ولم تهدأ هذه النقمة إلا حين انتهت مدة ولايته سنة 1912. من الأحداث البارزة التي حصلت في عهد هذا المتصرّف إدخال أول سيارة حديثة إلى بيروت قادمة من الإسكندرية في 24 يونيو سنة 1908 فاجتازت طريق بيروت – صيدا بساعتين وثلث، مما أدهش الناس، وكاد يذهب بعقولهم.
عُيّن أوهانس باشا، أرمني الأصل، متصرفًا على جبل لبنان في أوائل سنة 1913، وكان مستشارًا في وزارة الخارجية العثمانية. وقد تضمن فرمان تعيينه بعض التعديلات للنظام الأساسي، كان من أهمها ما يلي: أولاً، عدم حصر انتخاب أعضاء المجلس الإداري بشيوخ الصلح كالسابق، وإشراك الشعب في هذا الانتخاب بواسطة مندوبين يُمثل كل واحد منهم مئة مكلّف. ثانيًا، السماح بإنشاء ثلاثة مرافئ في لبنان، الأول في جونية، والثاني في النبي يونس، والثالث في شكا. كان أوهانس باشا عادلاً، كريم الأخلاق، عفيف النفس، يحب لبنان، ويرغب في تحسين أحواله، ولكنه لم يتمكن من تحقيق أي عمل مهم، لأنه ما كاد يتسلم مهام المتصرفية حتى أخذت الظروف الدولية في التأزم، ثم ما لبثت الحرب العالمية الأولى أن نشبت، ودخلتها الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا وبلغاريا والنمسا. فخرق العثمانيون النظام الأساسي، ودخل الجيش جبل لبنان، فكانت تلك نهاية عهد المتصرفون الشرعيّون، وابتدأ عهد المتصرفون الأتراك.